Menu

القدس بين الأمس واليوم

أكرم عبيد

بوابة الهدف

ما من مدينةٍ حظيت باهتمام الباحثين والمؤرخين مثل مدينة القدس ، وكذلك باهتمام رجال اللاهوت والسياسة، لكن بعضًا منهم كان وما زال متأثرًا بأساطير العهد القديم من الكتاب المقدس، لا بل إنّ معظمهم يتعمّد مجاراة هذه الأساطير ويخشى من أتباعها، أو يسعى لتسويقها بطرقٍ التفافية، فيها مكر وخداع وبراعة متناهية بعض الشيء، خاصةً المنتمين للمجتمعات الغربية، وهذا يعدّ حالة عبثية؛ لأنّ الباحث والمؤرخ يجب أن يكون حياديًّا ويتميز عن غيره بالصدق والصراحة والشفافية.

وفي الحقيقة، صحيح أن التاريخ خبر ورؤية، لكن لا يجوز اعتماد الخبر الزائف، كما لا يجوز أن تتحول الرؤية إلى تأويل؛ لأنّ في التأويل تعطيلًا واشتباهًا. والذي يثير الحزن والحيرة هو بعض الكتاب من العرب المستعربين الذين تعمّدوا تحويل كتاباتهم باللغة العربية إلى نسخٍ مصنعة بمهارة كبيرة مع اقتباس كامل للكتابات الغربية المتصهينة؛ من أجل تسويق المزاعم الصهيونية، أو بالأحرى، تسويق مزاعم أساطير العهد القديم، التي في الوقت نفسه محاطة بهالة من القداسة تراكمت خلال ما يزيد على ثلاثة آلاف عام، وهذه الأساطير كانت وما زالت ميدانًا لبعض القصّاص والوعاظ والمبشرين والخطباء المغرضين والمشبوهين، مع العلم أن مدينة القدس كانت وما زالت وستبقى عنوان المقاومة الفلسطينيّة حتى تحرير فلسطين كل فلسطين.

خصوصًا بعد التساوق مع مشاريع التسوية المشبوهة التي أعقبت اتفاقات أوسلو عام 1994م الخيانيّة، إثر ذلك إثباتًا على عنوان المرحلة المقبلة للمقاومة الفلسطينيّة. وفي المقابل كانت زيارة نائب رئيس وزراء الاحتلال الصهيونيّ السابق "آرييل شارون" وانطلاقة انتفاضة الأقصى تحديًا أمام رواية الاحتلال الصهيونية، الذي بذل أقصى الجهود لطمس معالمها العربية والإسلامية لتهويدها، فهي تعزلها عن كل أصقاع العالم لتوطينهم من خلال التسهيلات والإغراءات المادية والمعنوية، بينما تهجر عن باقي المناطق المحتلة، وتمنع الفلسطينيين من دخولها، وتدفع بعض اليهود المستوردين لأصحابها من العرب الفلسطينيين وتصادر أملاكهم الخاصة والعامة، لتغيير مكانة القدس سياسيًّا وجغرافيًّا وديموغرافيًّا، مثل: زرع المستوطنات والبؤر الاستيطانية للتضييق على سكان المدينة من العرب حتى يلجؤوا للهجرة. وستظل المعارك دائرة بين الفلسطينيين وسلطات الاحتلال حتى تحرير فلسطين كل فلسطين وعاصمتها القدس.

لذلك، إنّ أقدم ما يعرف عن القدس يعود للألف الرابعة قبل الميلاد، حيث تم بناؤها من قبل العرب الكنعانيين الذين هاجروا من الجزيرة العربية، وهم أول من استقروا بها واتخذوها موطنًا لهم.

وقد تميزت القدس بموقعها الجغرافي ومكانتها الحضارية والدينية والتاريخية على الصعيد العالمي، مما جعلها، منذ أقدم العصور، مسرحًا للصراع الدموي؛ نظرًا لتعاقب الغزوات الاستعمارية المتتالية منذ بناها اليبوسيون من احتلالها حتى اليوم؛ أربع وعشرون مرة، ودمرها الغزاة ثماني عشرة مرة.

وقد التقت في هذه المدينة مختلف الحضارات العالمية، وتعاقبت عليها الإمبراطوريات والممالك والحكام، وتغنّى بها الشعراء، وتجادل في أطرافها الفلاسفة والحكماء، وتجسّدت فيها حكمة الأنبياء، وشعّ منها هدى الرسالات، وقد تميّزت المدينة بمكانتها العقيدية التي خصّها الله بأكبر معجزة إلهية تمثّلت بمعجزة إسراء سيدنا ونبينا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، التي أضفت طابعًا مقدّسًا على المدينة من خلال الآية الكريمة في سورة الإسراء، التي قال فيها العزيز الرحيم: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلًا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله}.

ومنذ ذلك الحين أصبحت القدس أولى القبلتين مدة ثلاثة عشر عامًا ونيّف، توجّه خلالها رسولنا الأعظم مع المسلمين بالصلاة لبيت المقدس حتى أمره الله عز وجل بالتوجّه شطر المسجد الحرام. كما تميّز المسجد الأقصى بأنه ثاني المسجدين وثالث الحرمين وأقرب نقطة من الأرض إلى السماء. وهكذا شرّفها الله سبحانه وتعالى في آيات عدة في القرآن الكريم وفي الأحاديث الشريفة كذلك.

وفي هذا السياق، أكّدت بعض المرجعيات الدينية أن بناء بيت المقدس جاء بعد أربعين عامًا من بناء المسجد الحرام باعتباره معبدًا، ويقال أيضًا إن سيدنا يعقوب هو أول من بناها. وقيل سيدنا داود. ويقال ابنه سليمان عليهما السلام. (1).

لقد اختار الكنعانيون موقع مدينتهم بعناية ودقة متناهية، حيث تم بناؤها عام 2500 ق.م، في موقع مرتفع لتكون عصية على الغزاة، ويصعب عليهم الإغارة عليها، وكان الموقع بقرب نبع ماء غزير يدعى نبع جيحون.

وقد تميّزت مدينة القدس بشكل طولي على جبلين مرتفعين عن سطح البحر نحو سبعمئة وخمسين مترًا، ويتوسّطها وادٍ عريض ويحيط بها كلٌّ من وادي سلوان في الشرق، ووادي الواد في الجنوب، ووادي الربابة في الغرب، ولم يمنعها هذا الموقع الحصين من الانفتاح على الجوار، فكانت بمكانة مهمة بين دمشق والقاهرة وصلة الوصل بين شمال الجزيرة العربية وجنوبها، وتنقسم القدس إلى قسمين:

القدس القديمة:

ويحيط بها السور الكبير، وفيها المقدسات الإسلامية والمسيحية المهمة، في مقدمتها مسجد قبة الصخرة المشرفة والمسجد الأقصى ومسجد الخانقاه ومسجد سيدنا عمر وحائط البراق وكنيسة القيامة والعذراء وطريق الآلام التي يعتقد الإخوة المسيحيون أن سيدنا عيسى عليه السلام صُلب فيها.

القدس الجديدة:

وتمتد خارج سور القدس وتميّزت بالعمران الحديث والأحياء المنتشرة بمعرفة ودقة، خاصة بعدما تميّزت بشوارعها المنظمة العريضة والمشجّرة، وهذا القسم اغتصبه العدو الصهيوني عام 1948.

ولقد عرفت فلسطين قبل أن تسمّى بهذا الاسم (بأرض كنعان) نسبة للعرب الكنعانيين (2).

سُمّيت المدينة بأسماء عدة حسب الزمان والجهة التي تسيطر عليها، ومن أهمها الاسم الأول يبوس نسبة لسكانها العرب اليبوسيين الذين أسّسوا المدينة، كما أكّدت بعض المصادر التاريخية وعلماء الآثار عام (3000 ق.م) واحتفظت بهذا الاسم حتى عام 1800 ق.م، عندما بدّل اسمها ملكها العربي اليبوسي "مليكي سالم" إلى "أور سالم" أو "أورشالم" في حفل كبير بمناسبة مرور مئة عام على ولادة سيدنا إبراهيم في مدينة أور جنوب العراق التي هاجر منها مع أنصاره إلى فلسطين عام 1705 ق.م، واقترن مسقط رأسه الكريم باسم الملك العربي اليبوسي الكنعاني حاكم المدينة الذي آمن بأفكاره وصحفه، وفي الحقيقة كما قالت الآية الكريمة 68 في سورة آل عمران {ما كان إبراهيم يهوديًّا ولا نصرانيًّا، ولكن كان حنيفًا مسلمًا، وما كان من المشركين} وهذا الاسم أورشالم كما ذكرت النصوص المصرية القديمة يعني مدينة الإله شالم، وهو من آلهة العرب الساميين.

وورد اسم المدينة في نصوص الطهارة المصرية في القرن التاسع عشر قبل الميلاد "يوروشاليم" وفي رسائل تل العمارنة في القرن الرابع قبل الميلاد "يوروسالم" وفي النقوش الآشورية بعد ذلك أوروشليمو ثم سماها الإمبراطور الروماني إيلياء (3).

لقد بنى العرب اليبوسيون مدينة القدس قبل ظهور الديانات الثلاثة اليهودية والمسيحية والإسلام. كما أكّد المصدر الأول الكنعانيون.

لكن اليهود تعمّدوا تحريف اسم المدينة بعد احتلالها وتزويره وسمّوها {يروشالايم} مع العلم أن هذا الاسم كلمة آرامية عربية أصيلة ولا علاقة لها بالعبرية المزعومة حيث أضافوا لها لاحقة عبرية معتقدين ومتوهمين أنها أصبحت عبرية النطق.

لكن جميع الشواهد الأثرية والمعالم التاريخية وكل المراجع أثبتت اسمها العربي الكنعاني الذي كان متعارفًا عليه من قبل كل الحضارات التي تعاقبت على القدس منذ أقدم العصور من المصريين الفراعنة إلى اليونانيين والآشوريين والبابليين والفرنجة وغيرهم.

لذلك لم يكن تحريف اليهود لهذا الاسم العربي للمدينة سوى شيء عابر وطارئ لا قيمة له كما هو احتلالهم لفلسطين والأراضي العربية المحتلة.

ولم تكتفِ النصوص التاريخية المصرية القديمة بالاسم فقط، بل أفصحت عن مدى التقدم الحضاري الكنعاني في تلك الحقبة التاريخية والتي تمثّلت في بناء الحصون والأبراج والأنفاق واستخدام المعادن لأول مرة في تاريخ البشرية في الصناعات المحلية.

ويعود الفضل للعرب الكنعانيين في بناء أول سور للقدس عام 2000 ق.م، ومرة ثانية أعاد بناءه سيدنا سليمان عندما توسعت المدينة في عهده وازدادت مساحتها، أما السور الثالث فقد بناه الآشوريون، وبعد ذلك جاء الرومان وأقاموا السور الرابع عام 70 ق.م، وعندما حرّرها صلاح الدين الأيوبي أقام سورًا جديدًا للمدينة وهو نفس السور الحالي الذي جدّده السلطان العثماني عام 1542م، وبلغ محيط السور 4 كم وارتفاعه 40 قدمًا وعليه 43 برجًا لحماية المدينة، ولها سبع بوابات وهي:

١- باب المغاربة: في الحائط الغربي لسور المدينة المقدسة.

باب الخليل: ويسمّى باب يافا في نفس الحائط الغربي. ٢-

باب داوود: في السور الغربي للمدينة. ٣-

باب الأسباط: في الحائط الشرقي ويسمّى باب القديس إستيفان. ٤-

باب الساهرة: ويسمّى باب هيرودس في الحائط الشمالي للمدينة. ٥-

٦- الباب الجديد: كذلك يقع في الجانب الشمالي للسور وبُني عام 1898م

 عندما زار المدينة الإمبراطور الألماني المدينة غليوم الثاني.

٧- باب العمود: وهو في الحائط الشمالي ويسمّى باب دمشق.

ويذكر أن للحرم القدسي الشريف خمسة عشر بابًا هي:

٨- الباب الذهبي في الحائط الشرقي للحرم – باب العتم – باب حطة – الباب البسيط – باب الأسباط في الحائط الشمالي للحرم – الباب المزدوج – الباب المثلث في الحائط الجنوبي للحرم – باب المغاربة – باب السلسلة – باب المتوضأ المطاهر – باب القطانين – باب الحديد – باب الناظر – باب السراي – باب الغوانمة في الحائط الغربي.

وتذكر المصادر أن للمسجد الأقصى الشريف إحدى عشرة بابًا. وكذلك لمسجد قبة الصخرة المشرفة أربعة بوابات. (4).

وفي عام 1400 ق.م حاصرت المدينة بعض القبائل المهاجمة، واستنجد ملكها العموري بفرعون مصر تحوتمس الثالث، الذي هبّ لنجدة المدينة المحاصرة وأنقذها من براثن الغزاة، وكانت هذه المرة الأولى في التاريخ التي يهب فيها المصريون لنجدة القدس، أما اليهود فلم يدخلوا المدينة إلا بعد ثلاثة آلاف عام من إنشائها، حيث استولت عليها القبائل اليهودية عام 1000 ق.م، بقيادة الملك داوود، الذي اتخذ المدينة عاصمة لمملكته، ووحّد فيها مختلف أسباط القبائل، التي كان أكبرها قبيلة بني إسرائيل، وعزم على بناء ما يسمى الهيكل، لكنه توفي وخلفه ابنه سليمان، الذي بنى الهيكل المزعوم، وتعني هنا كلمة البيت المقدس بالعبرية والبيت الكبير ببعض اللغات السامية العربية، وفي الحقيقة هيكل سليمان لا يختلف في بنائه عن الهياكل الكنعانية التي تأثرت بالطراز الفرعوني، الذي نقله الفينيقيون عن المصريين وأضافوا إليه ما أخذوه عن الآشوريين والبابليين، لذلك يسمى الطراز الذي بني عليه هيكل سليمان الطراز الفرعوني الآشوري، الذي بناه كما يزعمون في الفترة ما بين 960/953 ق.م، ولم يستعن باليهود بسبب حياتهم البدوية المتخلفة لاهتمامهم بالرعي وجهلهم في الأصول الهندسية للفنون والعمارة، ولعدم وجود تقاليد حضارية ثابتة لديهم مثل المصريين والبلدان المجاورة، لهذا السبب استعان الملك سليمان بمهندسين وبنائين من صيدا وصور، لكن الهيكل سرعان ما فقد أهميته بعد وفاة الملك سليمان وانقسام مملكته إلى مملكتين صغيرتين عام 931 ق.م.

وفي هذا السياق لا بد أن نميّز بين بني إسرائيل واليهود، وبنو إسرائيل هم غير اليهود، وكان وجودهم قبل اليهود بمئات السنين، والدليل على ذلك أن الله جلّ قدره خاطبهم كلًّا على حدة.

وبعد فترة زمنية دمّر الآشوريون مملكة بني إسرائيل، واستولوا على المدينة عام 721 ق.م، أما البابليون فقد دمّروا مملكة يهوذا في نفس المدينة عام 586 ق.م، ودخلوا المدينة بقيادة ملكهم نبوخذ نصر، الذي سبى اليهود إلى عاصمته بابل، وفي الحقيقة لم ينسَ مجرمو الحرب الصهاينة السبي البابلي الشهير، بل انتظروا الفرصة المناسبة للانتقام من العراق بعد الاحتلال الأنجلو-أمريكي في التاسع من إبريل/نيسان عام 2003، بعد سرقة أهم معالمه الحضارية والتاريخية وتدمير معظم أوابده التراثية.

وهنا لا بد أن نلفت انتباه القارئ الكريم أن مملكة بني إسرائيل قامت قبل مملكة يهوذا بمئات السنين، ولم تستمر المملكتان القبليتان العابرتان فترة زمنية طويلة، بالرغم من الفترة الفاصلة بينهما، ولم تسمح لهما الظروف الزمنية في بناء أي أثر تاريخي أو حضاري، كما يزعمون اليوم، سواء لبني إسرائيل أو مملكة يهوذا، الذين يحاولون تثبيت مزاعمهم وافتراءاتهم الكاذبة، بالرغم من الحفريات الكثيرة في فلسطين المحتلة بشكل عام، وفي مدينة القدس بشكل خاص، منذ احتلالها.

وأعقب البابليين في الاستيلاء على القدس الفرس بقيادة ملكهم كورش عام 539 ق.م، بعد أن تزوج من اليهودية" إستر"، الذي تعاطف مع اليهود وأعطاهم وعدًا لإعادتهم إلى القدس بالقوة، ولم يكن وعده هذا إلا نموذجًا لوعد بلفور الإنجليزي المشؤوم، الذي أعطته بريطانيا للقطعان الصهيونية العنصرية الغازية لإنشاء ما يسمى وطنًا قوميًّا يهوديًّا مصطنعًا بالقوة الإجرامية في فلسطين المحتلة، وفي الحقيقة لم يكن كلا الوعدين إلا نموذجًا استعماريًّا قديمًا جديدًا لمن لا يملك لمن لا يستحق.

ثم تعاقب الغزاة على القدس، وجاء الإسكندر المقدوني عام 332، وأعلن نفسه ملكًا على المدينة، واستمر في حكم الأرض المقدسة حتى عام 63 ق.م، عندما استولى عليها القائد الروماني بومبي، وفي عام 27 ق.م نصب الرومان هيرودوس الأدومي ملكًا على الجليل والقدس، وبقي حاكمًا حتى ولادة السيد المسيح عليه السلام، وبعده جاء بيلاطس، ثم هذريان، الذي دمر المدينة من أساسها وأعاد بناءها على الطراز الروماني، وقتل عددًا كبيرًا من اليهود، وسبى عددًا آخر يماثله بسبب غدرهم بالسيد المسيح، وحرمهم من السكن بالمدينة أو الاقتراب منها، وسماها إيليا كابيتولينا نسبة لاسم الملك، ومنذ ذلك التاريخ سميت ببيت المقدس، نسبة إلى قدسية ولادة السيد المسيح، وعندما اعتنق الإمبراطور الروماني الديانة المسيحية، التي أصبحت دين الدولة في فلسطين من عام 306 حتى 337م، يعود الفضل لأمه هيلانة في بناء كنيسة القيامة عام 335م على أنقاض الهيكل المزعوم.

وبعد سبعمائة عام متواصلة من الاحتلال الروماني لفلسطين بشكل عام والقدس بشكل خاص.

وجاء الفتح الإسلامي العظيم في السنة السابعة للهجرة عام 638م، ومنذ ذلك التاريخ المجيد أصبحت المدينة ذات مكانة هامة عند العرب والمسلمين الفاتحين، لأنها أولى القبلتين لمدة ثلاثة عشر عامًا، عندما توجه الرسول الأعظم عليه الصلاة والسلام بالصلاة شطر القدس، حتى أمره المولى عز وجل مع المسلمين التوجه شطر المسجد الحرام، الذي أصبح القبلة الأولى بعد المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين، حتى يومنا هذا.

أما الفتح الإسلامي بالنسبة لبقايا اليهود في فلسطين، كان صفحة جديدة في حياتهم لم يعرفوا أجمل ولا أكرم منها، لأن المسلمين سمحوا لهم بالعودة إلى المدينة والإقامة بها والعمل والزيارة، وعمل كثيرًا منهم في خدمة المقدسات الإسلامية، وأعفوهم وعائلاتهم من دفع الجزية مثل أهل الذمة الآخرين، كما أنهم تنقلوا بكل حرية في الأراضي العربية الفلسطينية، التي بنوا فيها المعابد، من طبريا إلى صفد و الخليل وغيرها.

وفي الحقيقة تميز الفتح الإسلامي العظيم للقدس بشكل فريد من نوعه في تاريخ الحروب، لأنه لم ترق فيه أي نقطة دم واحدة، واحترم حرية وممارسة الشعائر الدينية لأتباع الديانات السماوية الأخرى، سواء كانوا من الفاتحين والمهزومين، وكل هذا تم بموجب العهدة العمرية الشهيرة، التي أصبحت وثيقة تاريخية استندت بالأساس لتعاليم وأصول الدين الإسلامي العظيم.

وهكذا أصبحت المدينة منذ ذلك التاريخ ملتقى الأفئدة والنفوس لأتباع الرسالات السماوية الأخرى، وقامت في القدس أعظم حضارة تاريخية روحانية فذة، حيث تلاصقت المساجد بالكنائس والمعابد التي ارتفع فيها اسم الله الواحد الأحد، واطمأنت القلوب وانشرحت الصدور في ظل العهد الإسلامي الذي استمر في حكم بيت المقدس ثلاثة عشر قرنًا دون انقطاع، باستثناء مرحلة الغزو الصليبي عام 1099م، الذي استمر حوالي مائة عام، وتم تحريرها واستعادتها من قبل القائد الفاتح صلاح الدين الأيوبي في معركة حطين الشهيرة عام 1187م، وصلى في المسجد الأقصى، ونقل إليه المحراب من الجامع الأموي، حيث سمي باسمه محراب صلاح الدين، الذي أحرقه مجرمو الحرب الصهاينة عام 1969.

لقد حافظت المدينة المقدسة على طابعها العربي الإسلامي حتى في مرحلة الانهيارات والضعف، حتى استولى عليها الأتراك العثمانيون عام 1517، وأعاد سليمان القانوني بناء سور المدينة عام 1542م، وقد توسعت المدينة على الصعيد الجغرافي في عهد إبراهيم باشا ابن والي مصر محمد علي عام 1830، وبقيت القدس تحت السلطة العثمانية حتى عام 1916، عندما أصدرت بريطانيا وعد بلفور المشؤوم، استنادًا لتقرير كامل الذي وضعته الإدارة البريطانية عام 1905 لتجزئة الوطن العربي وبقائه متخلّفًا وزرع "إسرائيل" لمنع وحدة العرب والحفاظ على المصالح الاستعمارية، حتى ترجمت بريطانيا العظمى القول إلى فعل، واحتل الجنرال اللنبي القدس في كانون الأول عام 1917، عندما مهدت الطريق لحلفائها لعقد (مؤتمر سان ريمو) عام 1920 لوضع فلسطين تحت الانتداب البريطاني، والتزام بتنفيذ وعد بلفور سيئ الذكر، وفتح الأراضي الفلسطينية أمام هجرة القطعان اليهودية المستوردة من كل أصقاع العالم.

لكن الفاتيكان رفض وضع المصالح الكاثوليكية تحت الوصاية البريطانية البروتستانتية، وإخضاع أماكن الحج المسيحية للعصابات الصهيونية عند إقامة ما يسمى الوطن القومي اليهودي بموجب وعد بلفور المشؤوم، لكن بريطانية رفضت الدعوة المسيحية بشكل قاطع.

استمر الاحتلال البريطاني لفلسطين حتى ثورة البراق عام 1929، عندما حاولت العصابات الصهيونية اغتصاب الحائط الغربي للحرم القدسي، الذي يسمونه (حائط المبكى)، مما فرض على حكومة الاحتلال البريطاني عرض هذه المشكلة على عصبة الأمم المتحدة، التي شكلت لجنة تحقيق دولية للفصل في هذه القضية بين العرب واليهود الصهاينة، وصدر قرار اللجنة الدولية بتاريخ 30 كانون الأول 1930، الذي أكد ما يلي: (5)

1- للمسلمين حق الملكية وحدهم دون منازع في ملكية حائط البراق الغربي باعتباره جزءًا لا يتجزأ من الحرم القدسي الشريف.

2- تعود ملكية الساحة المقابلة للحائط الغربي للمسلمين، وكذلك حي الغاربة المجاور، الذي يعد وقفًا ثابتًا حسب الشريعة الإسلامية.

3- يحق لليهود الوصول بحرية إلى حائط البراق لأغراض العبادة في كل الأوقات، على أن يخضع ذلك لشروط معينة.

وهكذا كان قرار اللجنة الدولية دليل إثبات قاطع يؤكد أن حائط البراق وقف إسلامي، ولا علاقة بالهيكل المزعوم، ولا يمت لليهود وخرافاتهم الأسطورية المزعومة بصلة.

ومنذ صدور القرار الدولي بخصوص حائط البراق، سمح المسلمون لليهود بالبكاء وقوفًا أمام الحائط، تنفيذًا لقرار اللجنة الدولية الصادر عام 193٠.

وفي الحقيقة، إن هذا الادعاء كان وما زال وسيبقى ما بقي الاحتلال الصهيوني مجرد كذبة لا أساس لها من الصحة لأسباب عدة، وهي:

أولًا: إن سيدنا سليمان عليه السلام لم يكن يهوديًّا، لأن التعاليم الحاخامية اليهودية ظهرت بعد وفاته عام 923 ق.م، بعد السبي البابلي لليهود عام 586 ق.م.

ثانيًا: إن الهيكل المزعوم بني من خشب الأرز، وليس من الحجارة الضخمة كما تزعم التوراة، فكيف تحول خشب الهيكل إلى حجارة كما يزعمون، كما نفى هذه الكذبة كل من الكاتب والمؤرخ أرنست مارتن، والأستاذ المحاضر في علم اللاهوت في جامعة hill، وكذلك حكمة ابن سيراح. (6)

وهكذا استمر الاحتلال البريطاني في تشجيع ودعم الهجرات الصهيونية المتتالية إلى فلسطين، حتى إعلان قيام الكيان الصهيوني المصطنع وانسحاب قوات الاحتلال البريطاني في 14 أيار عام 1948، بالفصول الإجرامية الدامية، وفي مقدمتها مجزرة دير ياسين يوم 9 نيسان من نفس العام، والتي مهدت لاحتلال القدس الغربية في أيار عام 1948، وبعد سقوط المدينة اقترحت الأمم المتحدة إعلان القدس منطقة منزوعة السلاح في بداية شهر آب 1948، لكن سلطات الاحتلال رفضت هذا الاقتراح، وفي نفس الوقت وقعت مع الدول العربية اتفاقية الهدنة عام 1949، ولكنها سرعان ما خرقتها، واحتلت المنطقة المنزوعة السلاح، واستولت على مساحات واسعة من الأراضي، وضمتها للقدس الغربية، لكن الأمم المتحدة تنبهت لمخاطر التهويد، وحاولت مرة أخرى وضع القدس كلها تحت الإدارة الدولية بموجب القرار الدولي (303) الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 9/12/1949، لكن سلطات الاحتلال الصهيوني رفضته بعد يومين، وأعلنت نقل عاصمتها المزعومة من تل الربيع إلى القدس، وأعلنتها عاصمة الكيان الصهيوني المصطنع بموجب ما يسمى قرار الكنيست الصادر بتاريخ 26/12/1948، ونقل رئيس الوزراء الصهيوني المزعوم وعدد من وزرائه مكاتبهم إلى القدس، وفي عام 1961 بدأت سلطات في بناء مقر ما يسمى الكنيست بأموال تبرع بها الصهيوني الأمريكي الملياردير جيمس روتشيلد، وتم إنهاء المقر عام 1966، واعتبر العرب أن بناء هذا المقر مقدمة لتهويد المدينة المقدسة، ومساس مباشر بمقدساتها، واستثمار رخيص للمزاعم الخرافية التوراتية التلمودية الأسطورية المزيفة لخدمة أهدافها السياسية الاستعمارية القديمة الجديدة، وأطماعها التوسعية التي تمثلت بعدوان حزيران عام 1967، على البلدان العربية المجاورة، واستكملت احتلال الأراضي الفلسطينية، وفي مقدمتها القدس الشرقية، وأجزاء من الأراضي العربية المجاورة، وسرعان ما أصدرت سلطات الاحتلال قرار بضم الضفة الغربية الفلسطينية، بما فيها القدس الشرقية، بتاريخ 11/6/1967، للكيان الصهيوني، وبذلك أصبحت فلسطين تحت الاحتلال الصهيوني بالكامل، وتوحدت القدس أيضًا، وطالب كبير المجرمين الصهاينة ديفيد بن غوريون، مؤسس الكيان الصهيوني العنصري، بهدم السور التاريخي لبيت المقدس، لأنه غير يهودي، والذي بناه السلطان التركي، لذلك لا بد من توحيد المدينة تحت الاحتلال، كما قال نريد قدسًا واحدة لا اثنتين، يهودية وعربية حتى يكون لهذا الحدث قيمة سياسية على الصعيد العالمي، ويعرف العالم أن القدس يهودية كما يزعمون، وتعيش فيها أقلية عربية.

وفي الحقيقة، فقد تميزت القدس في العهد الإسلامي ببناء العديد من القباب والمآذن والأروقة والأبواب والسبل في صحن الصخرة المشرفة وبجوارها، وفي الحرم القدسي وحوله، وتعتبر قبة الصخرة والمسجد الأقصى من أهم وأقدم المعالم العربية والإسلامية، وجزء لا يتجزأ من التراث العربي والإسلامي، والأكثر قدسية، ويعود الفضل للأمويين الذين بنوا قبة الصخرة بهندستها المثمنة والمذهبة، وبناء المسجد الأقصى الذي رصدت له أموال سبع سنوات من خراج المسلمين في مصر.

أما تخطيط المسجد الأقصى فيعود الفضل به للهندسة العباسية البغدادية، وقد بلغ عدد المساجد في المدينة آنذاك حوالي /34/ مسجدًا، وعدد من الزوايا التي يؤمها الحجاج المسلمون من مختلف البلدان الإسلامية، ومن أهمها:

الزاوية النقشبندية للحجاج الأوزبكيين.

والزاوية الهندية للحجاج الهنود.

الزاوية القادرية للحجاج الأفغانيين.

ولكل زاوية أوقافها الخاصة بها ومسجدها وغرفها الخاصة بإقامة حجاجها.

وبنى المسلمون المدارس التي بلغت رقمًا قياسيًّا /56/ مدرسة لتعليم المسلمين من أبنائها ومن الطلبة المسلمين القادمين من الشرق والغرب، وقد تميزت المدينة بطابعها الديني، وتميزت بالأبنية والنقوش والزخارف الإسلامية والقناديل النادرة لإضاءة شوارع المدينة المقدسة.

القدس وسياسة الاستيطان والتهويد والمصادرة: (لا صهيونية دون استيطان ولا دولة يهودية دون طرد الفلسطينيين العرب ومصادرة أرضهم وتسييجها) صحيفة يديعوت أحرنوت الصهيونية الصادرة بتاريخ 14/7/1972.

لذلك فقد تجلّت نتائج النكبة في فلسطين بشكل عملي بتقسيم القدس بقوة الاحتلال الصهيوني إلى قسمين، القسم الغربي، والقسم الشرقي بقي بيد الإدارة الأردنية.

أما القسم الغربي، فأصبح تحت الاحتلال الصهيوني، ومنذ اللحظة الأولى لاغتصاب الشطر الغربي من القدس عام 1948، الذي بلغت مساحته 84% ونيف من مجموع مساحة القدس، وشرعت سلطات الاحتلال مباشرة بوضع مخطط استيطاني توسعي عنصري باتجاه الغرب، وضمت إليه بعض الأحياء والقرى العربية من عين كارم وبيت صفافا إلى دير ياسين ولفتا والملالحة، ثم وضعت البلدية الصهيونية مخططًا هيكليًّا للمدينة عام 1964، وبعد نكسة حزيران عام 1967، واحتلال الشطر الشرقي من مدينة القدس، تعمدت سلطات الاحتلال تشكيل إدارة عسكرية صهيونية لفرض المزيد من القوانين والإجراءات الخاصة بالمدينة المقدسة، التي أصيبت بخسائر كبيرة بين المدنيين، وتدمير ممتلكاتهم، وشردت حوالي ثلاثين ألف مواطن بعد قصف أحيائها العربية المأهولة، وحرق المئات من العقارات، بالإضافة لسياسة هدم المنازل وإغلاق بعضها مقدمةً لمصادرتها والاستيلاء عليها، والاعتداء على الأماكن المقدسة الإسلامية والمسيحية، كما استهدفت المؤسسات العلمية والتربوية والاقتصادية والحقوقية والصحية والأهلية، لفرض الهجرة القسرية على أكبر قدر ممكن من السكان، كما حصل في القدس الغربية بعد مجزرة دير ياسين وغيرها.

منذ اللحظة الأولى لاحتلال القدس الشرقية عام 1967، تعمدت سلطات الاحتلال الصهيوني مصادرة وتهويد حوالي 24,500 دونمًا حتى العام 2000، وتزايدت نسبة مصادرة الأراضي حتى اليوم بسبب توسيع وبناء المزيد من المستعمرات، بالإضافة لبناء جدار الفصل العنصري.

وقد ترافقت هذه الإجراءات مع جملة من القوانين والإجراءات لضم المدينة المحتلة وتهويدها بالكامل سياسيًّا وإداريًّا، وفي مقدمتها تعديل القانون الصهيوني المسمى قانون الإدارة والنظام الصادر عام 1948، الذي يعدّ امتدادًا طبيعيًّا لقانون الاحتلال البريطاني بخصوص البلديات، بعد إضافة مادة صهيونية جديدة عليه لتسهيل ضم أي قطعة أرض للكيان الصهيوني المصطنع باعتباره مقدمة لتوحيد شطري القدس بعد احتلالها ووضعها تحت إدارة الاحتلال، وضم مساحات جديدة من الأراضي الفلسطينية المصادرة للبلدية الصهيونية المزعومة لتوسيع صلاحياتها، وخاصة بعد ضم مناطق واسعة تحيط بالمدينة وتمتد من سور باهر جنوبًا إلى مطار قلنديا في الشمال، وهذا ما يثبت أن تعديل القانون الصهيوني ضاعف مساحة المدينة ثلاثة أضعاف ما كانت عليه قبل نكسة حزيران عام 1967.

وهكذا بدأ العدو الصهيوني ترجمة الأقوال إلى أفعال ميدانية على أرض الواقع المحتلة، وتحقيق الأحلام والأطماع الاستراتيجية الصهيونية التي تستند بالأساس إلى أساطير خرافية توراتية تلمودية مزيفة بأبعادها السياسية وأهدافها العنصرية الاستيطانية التوسعية، التي تمثلت بالإجراءات العسكرية العاجلة التي اتخذتها سلطات الاحتلال على الصعيد الإداري بتاريخ /29/6/1967، ومن أهمها:

أولًا: حل مجلس أمانة القدس العربية في الشطر الشرقي للبلدية، وإلحاق موظفيها وعمالها بالبلدية الصهيونية في القدس الغربية المحتلة منذ عام 1948، وبذلك توحدت القدس تحت سلطة الاحتلال الصهيوني.

ثانيًا: تهويد القضاء ونقل قصر محكمة الاستئناف الإسلامية من القدس إلى رام الله، وذلك لفك الارتباط القضائي العربي الإسلامي بين القدس والضفة الغربية، وتم إلحاق موظفي القضاء العربي بالمحكمة الشرعية الإسلامية في مدينة يافا المحتلة منذ عام 1948، بعد فصل جميع القضاة العرب من محاكم القدس، وطلبت منهم تقديم طلبات عمل جديدة لقبولهم وفق أحكام ما يسمى القانون الصهيوني، وهذا شكل مقدمة طبيعية لسلطات الاحتلال لتطبيق القوانين الجزائية والمدنية والضريبية الصهيونية على سكان القدس من العرب الفلسطينيين، الذين تم إخضاعهم بشكل مباشر للقوانين والقرارات العسكرية الصهيونية، وخاصة بعد نقل مقر محكمة الاستئناف الصهيونية العليا وما يسمى وزارة العدل إلى القدس الشرقية.

ثالثًا: تهويد المرافق والخدمات العامة من خلال إلغاء الإدارات العربية ونقل قسم منها إلى خارج المدينة.

رابعًا: تهويد الثقافة والاستيلاء على المتحف العربي الفلسطيني، ومصادرة وسرقة كل محتوياته، وفي مقدمتها الآثار الثمينة والمخطوطات التاريخية، وتحويله إلى متحف صهيوني، وإلغاء المناهج التعليمية العربية في المدارس الحكومية، وتفكيك البنية التعليمية العربية، وإغلاق مكتب مديرية التربية والتعليم العربي في القدس، واستبدالها بوزارة المعارف الصهيونية، وإلحاق المدارس العربية الإعدادية والابتدائية الحكومية بها، أما المدارس الثانوية العربية فتم إلحاقها ببلدية القدس الصهيونية، وطالبت المعلمين والعاملين في سلك التعليم بتقديم طلبات عمل جديدة لها أو إلى بلدية القدس الصهيونية، كما ألغت سلطات الاحتلال الصهيوني المناهج التعليمية العربية واستبدالها بالمناهج الصهيونية اليهودية، كما فرضت ما يسمى اللغة العبرية على المدارس العربية كلغة أساسية في المناهج التعليمية لمختلف المراحل، بعد فرض مادة المجتمع الصهيوني بدل مادة المجتمع العربي والتاريخ، وهذا يعني أن سلطات الاحتلال الصهيوني تعمدت تهويد التعليم وعزل الطلاب العرب عن تراثهم الثقافي وقيمهم الثقافية والتاريخية والحضارية العربية.

خامسًا: العمل على تدمير التراث العربي والإسلامي والاعتداء على المقدسات الإسلامية والمسيحية، والحفر تحت جدران الأقصى بحجة البحث عما يسمونه الهيكل، كما يزعمون، الذي دمره ملك الروم تيطس عام 70 ق.م، والاعتداء على كنيسة القيامة عام 1970 ومرة ثانية عام 1977، بالإضافة لمصادرة أملاك وقف إسلامية ومسيحية وعقارات، وفي مقدمتها أحياء مجاورة للحرم القدسي ومساحات من أملاك البطريركية للروم الأرثوذكس بعد هدمها، ومصادرة أملاك خاصة بدير اللاتين، ومصادرة مساحات واسعة من الأراضي تحت يافطة ما يسمى سياسة المناطق الخضراء والمحميات الطبيعية، وهدم منازل المواطنين الفلسطينيين وإغلاقها تمهيدًا لمصادرتها، وفرض الضرائب الكبيرة والإتاوات على العقارات والأملاك العربية الخاصة على سكان القدس العرب، تمهيدًا لتسريبها لجهات صهيونية، وإطلاق أسماء يهودية على معالم القدس المحتلة، سواء الأحياء والشوارع وغيرها، بدل الأسماء العربية.

سادسًا: يحاول الكيان الصهيوني نزع الطابع العربي الإسلامي عن المدينة كمقدمة لتزوير معالمها وطابعها العربي، وإضفاء الطابع اليهودي عليها، لخلق وقائع جديدة تدعم الادعاءات الصهيونية التي تسعى جاهدة لاعتمادها عاصمةً أبدية موحدة لكيانهم المصطنع في فلسطين، كما يزعمون.

وبعد الانتهاء من سن القوانين والتشريعات اليهودية، شرعت سلطات الاحتلال على الفور بإطلاق العنان لجرافاتها التي بدأت بطمس معالم المدينة المقدسة القديمة لتهويدها، وفرض سياسة الأمر الواقع عليها، وتزييف بنيتها الجغرافية والديمغرافية والحضارية والدينية والتاريخية، وبدأت بتنظيم عملية التهويد والاستيطان والتوسع وفق آلية ونظام ممنهج يقوم على إنشاء ثلاثة أحزمة استيطانية خاضعة لمركز صهيوني واحد، الهدف منها فك ارتباط المدينة المقدسة مع محيطها العربي الفلسطيني، وفصلها نهائيًّا عن الضفة الغربية المحتلة من جانب، والهدف الاستراتيجي الآخر هو هدف أمني لضمان وحماية أمن المستعمرات الصهيونية وقطعانها المستوردة للاستيطان في القدس المحتلة من كل أصقاع العالم.

وبعد تطبيق المرحلة الأولى من الاستيطان، لجأت سلطات الاحتلال إلى تطبيق ما يسمى قانون أملاك الغائبين على القدس الشرقية، حيث تقلصت ملكية الأراضي العربية في المدينة القديمة من 84% عام 1948 إلى 14% بعد عام 1967، وتزايدت أعداد القطعان الصهيونية المستوردة من 100000 نسمة عام 1948 إلى 190000 ألف نسمة عام 1967.

ومن أهم الإجراءات الصهيونية لتهويد الأرض والسكان وتقليص الوجود الفلسطيني في المدينة المقدسة، وتغليب الوجود اليهودي، وخاصة بعد تجميد طلبات لم الشمل للأسر الفلسطينية المقدسية، بحيث يصل العدد في العام 2020 إلى مليون ونصف مغتصب صهيوني، بالإضافة لاتخاذ القرارات التي تحرم أبناء القدس من التواصل مع أبناء الوطن والأقارب في الضفة الغربية المحتلة إلا بإذن مسبق، وخاصة بعد صدور القوانين التي تشرع معاملة أبناء القدس الشرقية مثل أبناء القدس الغربية المحتلة عام 1948.

وكذلك تعمدت سلطات الاحتلال تجميد البناء للعرب في حدود القدس بعد رفض بلدية الاحتلال منح السكان العرب تراخيص البناء، بينما منحت القطعان الصهيونية تراخيص البناء والإمكانيات المادية والمعنوية لبناء أكثر من عشرة أحياء استيطانية على حساب الأحياء العربية. (7)

كما فرضت على السكان العرب عدم بناء أكثر من طابقين في المنزل حتى تضيق عليهم وتفرض الهجرة القسرية على معظم أبناء المدينة للبحث عن مسكن خارج حدودها، وقد سنت بعض القوانين التي تحرم الشباب من السكن في مدينتهم، خاصة إذا تزوج من فتاة غير مقدسية، وهذا ما يحد من النمو الطبيعي للعرب في مدينتهم المغتصبة، بينما القطعان الصهيونية المستوردة تتدفق على المدينة المحتلة بالآلاف في ظل صمت عربي ودولي مقيت، وتعمدت البلدية الصهيونية تعديل تصميم هيكلية المدينة عام 1968.

وقد تجسدت هذه السياسة العنصرية من خلال سحب هويات بعض السكان العرب، وطردهم من مدينتهم، وحرمانهم من الإقامة فيها، وقد اتخذت لهذه الغاية الإجرامية جملة من الإجراءات غير الشرعية، وفي مقدمتها:

أولًا: قيام سلطات الاحتلال بإجراء إحصاء بعد نكسة حزيران عام 1967 في القدس الشرقية، واعتبار أن كل من شملهم الإحصاء فقط هم سكان المدينة ومن يحق لهم الإقامة فيها، وبموجب هذا الإحصاء تم حرمان نحو30000 مواطن عربي من أبناء المدينة المقدسة حق الإقامة فيها لوجودهم خارج المدينة بسبب الحرب، كما صادرت سلطات الاحتلال نحو 10000 هوية من أبناء المدينة بسبب وجودهم خارج المدينة للدراسة أو العمل، وكذلك حرمان 10000 مواطن ممن لم يستطيعوا إثبات وجودهم وإقامتهم بموجب وثائق ملكية لعقار أو إيصالات ضرائب وتحديد مكان العمل ودراسة الأولاد، وهذا ما أفقدهم الحق بالإقامة في مدينتهم.

ثانيًا: حرمان كل مواطن فلسطيني من أبناء القدس يحمل جنسية أخرى من حق الإقامة بالمدينة، خاصة ممن تثبت إقامتهم خارج الكيان الصهيوني مدة سبع سنوات بموجب تعديل قانون الدخول للكيان المصطنع الصادر عام 1974، بعد إضافة بعض الأنظمة والقوانين العنصرية لتعديل هذا القانون لتحقيق هذا الهدف الصهيوني.

ثالثًا: فرض المزيد من الضرائب الكبيرة على أبناء المدينة من الفلسطينيين، بينما أعفت القطعان الاستيطانية المستوردة للمدينة المقدسة مدة خمس سنوات من الإقامة، وبعد ذلك تفرض عليهم ضرائب رمزية.

وقد انعكست هذه السياسات والإجراءات العنصرية على أبناء المدينة المقدسة بشكل مباشر في جميع المجالات الحياتية، وفي مقدمتها زيادة البطالة بين الشباب العربي، وخاصة الأسرى المحررين من سجون الاحتلال، بعدما فرضت عليهم إحضار وثيقة حسن سلوك باعتباره شرطًا أساسيًّا لتوظيفهم، وقد تجسدت هذه الظاهرة بعد انتفاضة الأقصى.

وبعد ذلك انتقلت سلطات الاحتلال الصهيوني لاتخاذ جملة من الإجراءات الصهيونية، تم تتويجها بالقانون العنصري الأساسي الصادر بتاريخ 30 تموز عام 1980، الذي صادقت عليه الكنيست الصهيونية بعد ما تقدمت به مجموعة من غلاة التطرف والإرهاب الصهيوني، وفي مقدمتهم الإرهابية غؤلا كوهين، الذي ينص في مادته الأولى على أن القدس الموحدة هي العاصمة الأبدية للكيان الصهيوني المصطنع في فلسطين المحتلة، وهي مقر ما يسمى رئيس الدولة والحكومة والمحكمة العليا، مما يزعمون.

وفي ظل سياسة الأمر الواقع على القدس بشكل خاص والأراضي الفلسطينية المحتلة بشكل عام، كانت هذه البوصلة وما زالت تحرك الأطماع الصهيونية والنزعة العنصرية التوسعية الإجرامية منذ ولادة مشروعهم العدواني وحتى اللحظة الراهنة، لتحقيق حلمهم التوراتي التلمودي الخرافي الأسطوري المزيف، الذي يستهدف تهويد القدس وفك ارتباطها مع محيطها العربي الفلسطيني في الضفة الغربية، حتى في ظل ما يسمونه المفاوضات التصفوية منذ توقيع ما يسمى اتفاق أوسلو سيئ الذكر عام 1993 وملاحقه المشبوهة، التي أسست لسياسة إغلاق المدينة المقدسة أمام المواطنين الفلسطينيين وحرمانهم من دخولها، كما شرّع هذا الاتفاق سيئ الذكر لإغلاق المؤسسات الوطنية الفلسطينية في القدس المحتلة، وخاصةً بعد انتفاضة الأقصى، وفي مقدمتها بيت الشرق والغرفة التجارية ومركز المشاريع الصغيرة ومؤسسة الرفاهة ولجنة التراث وغيرها من المؤسسات الوطنية.

وفي النهاية، لم يتوقف مجرمو الحرب عند هذه الحدود من الإجراءات العسكرية الإجرامية الصهيونية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بل تمادت في غيّها وطغيانها لمصادرة والتهام المزيد من الأراضي في الشريط المحاذي لغور الأردن، وبناء جدار الفصل العنصري بطول 360 كم، الذي التهم حوالي 27400 دونم، الذي رفضته محكمة لاهاي الدولية وعدّته باطلًا وغير شرعي وخرقًا فاضحًا للقرارات والمواثيق الدولية، ويجب إزالته، خاصة بعدما جسّد هذا الجدار العنصري سياسة الفصل والعزل العنصري بكل أبعاده الإجرامية بين أبناء العائلة الواحدة، كما فصل بين أبناء الحي الواحد والمدينة والقرية والمخيم، وبين الموظف والعامل ومكان عمله، والطالب ومدرسته أو جامعته، والمريض والمستوصف أو المستشفى الذي يعالج به أو يزور مريضه فيه.

لذلك كانت هذه الإجراءات والقوانين العسكرية الصهيونية المحتلة باطلة من أساسها، وتجاوزًا صارخًا لقرارات وقوانين ومواثيق الأمم المتحدة، وفي مقدمتها اتفاقيات جنيف الخاصة بالأراضي المحتلة وسكانها.

وقد حرص مجرمو الحرب الصهاينة، بدعم ومساندة القوى الغربية والإدارات الأمريكية المتصهينة المتعاقبة، على تحقيق أهدافها الاستعمارية الصهيونية القديمة الجديدة، بعد رفض القرارات الدولية الصادرة عن مؤسسات الأمم المتحدة، التي تعدّ القدس أرضًا محتلة، التي بلغت نحو 19 قرارًا دوليًّا عجزت الأمم المتحدة خلالها تنفيذ ولو قرار واحد، وخاصةً بعدما أصدرت سلطات الاحتلال العسكرية الصهيونية نحو 21 قرارًا في الكنيست الصهيوني، تعهدت بموجبها تهويد القدس المحتلة، وترجمت معظمها على أرض الواقع، غير مكترثة بالأمم المتحدة أو قراراتها، كما كان يحلم كبير المجرمين الصهاينة تيودور هرتزل عندما قال أمام المؤتمر الصهيوني الأول في بال: "إذا حصلنا على القدس وكنت لا أزال حيًّا وقادرًا على القيام بأي شيء، فسوف أزيل كل شيء ليس مقدسًا لدى اليهود فيها، وسوف أدمر الآثار التي مرت عليها القرون".

*القدس وأهم القرارات الدولية قبل نكسة حزيران عام 1967:

1- قرار التقسيم 181 صدر بتاريخ 29-11-1947.

وينص على تقسيم فلسطين إلى دولتين؛ دولة عربية ودولة يهودية، وأوصى أن تبقى القدس تحت الإشراف الدولي حسب النص التالي: "القدس كيان منفصل خاضع لنظام دولي تشرف عليه الأمم المتحدة، وتم تحديد حدود المدينة من أبوابها شرقًا إلى بيت لحم جنوبًا إلى قلنديا وعين كارم غربًا".

2- القرار 114 صدر بتاريخ 20-12-1949، طالب حكومة الاحتلال الصهيوني بعدم نقل دوائرها ووزاراتها إلى القدس. (7)

القدس وقرارات الكنيست الصهيوني وعجز الأمم المتحدة:

لا شك أن مأساة القدس جزء لا يتجزأ من كارثة النكبة في فلسطين عام 1948، خاصة بعد أن اتخذت سلطات الاحتلال جملة من الإجراءات والقرارات والقوانين التهويدية لضم القدس بشكل رسمي، وتغيير طابعها ومعالمها العربية، بعد نقل مكاتب ما يسمى رئيس الوزراء الصهيوني والوزراء للقدس، باعتباره مقدمةً لإعلانها عاصمة أبدية للكيان الصهيوني المصطنع في فلسطين، بعد انعقاد اجتماع الكنيست الصهيوني في القدس بتاريخ 26/12/1949، الذي أعلن أن القدس عاصمة إسرائيل، الذي تمت ترجمته بمقولة لكبير المجرمين الصهاينة ديفيد بن غوريون: "أنه لا معنى لإسرائيل دون القدس، ولا معنى للقدس بدون الهيكل".

وبعد احتلال القدس الشرقية في عدوان حزيران عام 1967، وتوحيد القدس تحت الاحتلال الصهيوني، الذي أعلن بعد اجتماع ما يسمى الكنيست الصهيونية بتاريخ 30 تموز عام 1980 قرارًا يقضي بجعل القدس عاصمة "إسرائيل" الأبدية، ومقرًّا لما يسمى البرلمان الصهيوني ورئيس الدولة المزعومة والحكومة والمحكمة العليا، وكان هذا القرار وما زال تحديًّا قويًّا للأمم المتحدة وقراراتها، وتحديًّا للجامعة العربية والعرب والمسلمين في كل مكان، كون القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين.

وعدّت بعض الأوساط الصهيونية في الصحافة أن تدشين بناء الكنيست يعدّ رمزًا للسيادة وعيدًا قوميًّا "لإسرائيل"، ودليلًا على نجاحها في تحويل القدس عاصمته لكيانها المصطنع، وقد استنكر النظام الرسمي العربي بناء الكنيست وعدّه تحديًّا للأمة العربية واستفزازًا لمشاعرهم.

خاصةً بعد تشكيل إدارة عسكرية تعهدت بترحيل السكان العرب بعد تدمير الممتلكات العامة والخاصة، ونزوح نحو 30 ألف مواطن فلسطيني عن القدس الشرقية، وأصدرت قرارًا بتاريخ 11/6/1967 بضم الضفة الغربية بما فيها القدس إلى الكيان الصهيوني.

كما أصدرت الكنيست والحكومة الصهيونية ووزير الداخلية بتاريخ 27/و/28 حزيران  قرارات عدة لتوحيد القدس الشرقية والغربية تحت سلطات الاحتلال، واتخذت جملة من الإجراءات الميدانية لتغيير واقع القدس، من تدمير الأحياء العربية إلى بناء عدة بؤر استيطانية وتطويق القدس بعدة أحزمة استيطانية من كل الاتجاهات، بالإضافة لبناء عدد من الأحياء اليهودية من أجل تحويل سكان المدينة إلى أقلية عربية، بعد إزالة البوابة منذ اليوم للاحتلال التي كانت تفصل بين القدس الشرقية والغربية، وضمت صور باهر والشيخ جراح ومطار قلنديا وجبل سكوبس بالقوة، وفرضت على سكان المدينة الحقيقيين حمل الهوية الصهيونية، وحرمت السكان غير الموجودين في مدينتهم من حقهم بالعودة إليها، وشرعت سلطات الاحتلال بشكل عملي توسيع حدود المدينة من 38 كم إلى 110 كم.

ولم تكتفِ سلطات الاحتلال بهذه الفصول الإجرامية التدميرية الدامية، بل تمادى كبير المجرمين الصهاينة ديفيد بن غوريون عندما أعلن في كلمة ألقاها في مركز الدراسات الصهيوني رافي في العشرين من حزيران 1967 وقال: "لقد اتخذنا قرارًا بهدم سور القدس التاريخي لعدة أسباب، من أهمها:

أولًا: حتى يعرف العالم أن هناك قدسًا واحدة يهودية لا اثنتين.

ثانيًا: يجب هدم سور القدس لأنه غير يهودي، والذي بناه السلطان العثماني التركي سليمان القانوني في القرن السادس عشر.

ثالثًا: سيكون لهدم هذا السور قيمة سياسية عالمية، وخاصة عندما يعرف العالم أن القدس الموحدة يهودية واحدة وفيها أقلية عربية).

وفي الرابع من تموز عام 67، أصدرت الجمعية العامة القرار الدولي 2253، وعدّت فيه التدابير الإسرائيلية المحتلة غير مشروعة، وطالبت سلطات الاحتلال بإلغائها والامتناع عن اتخاذ أي إجراءات لتغيير وضع المدينة، وعادت يوم 14/7/1967، لإصدار قرار آخر برقم 2254، أعربت فيه عن أسفها لعدم تنفيذ سلطات الاحتلال قرارها السابق، وكررت طلبها بإلغاء جميع الإجراءات والتدابير التي اتخذتها في القدس المحتلة.

لكن مجرمي الحرب الصهاينة تجاهلوا قرارات الجمعية العامة، وتعمدوا الاستمرار في سياسة الضم والتهويد والإلحاق، ضاربين عرض الحائط بالأمم المتحدة وقراراتها، واتخذت المزيد من الإجراءات لتهويد القدس تحت الاحتلال، وفي هذه الأثناء وصلت الوقاحة بما يسمى وزير الخارجية الصهيوني أبا إيبان حدًّا أعلن فيه أمام الأمم المتحدة أنه لو صوتت جميع الدول الأعضاء ضد إجراءات ضم القدس الشرقية والقرى المحيطة بها، فإنها لن تتزحزح "إسرائيل" قيد أنملة عن قراراتها لإلغاء هذه الإجراءات.

لكن الأمم المتحدة أرسلت ممثلًا للسكرتير العام للأمم المتحدة في آب عام 1967، إلى القدس المحتلة لوضع تقرير خاص بالمدينة، أكد خلاله المبعوث الدولي ارنتسوتالمان أن سلطات الاحتلال الصهيونية مصرة على توحيد المدينة تحت الاحتلال، ولا عودة عن إجراءاتها، ولن تسمح بالتفاوض بخصوصها.

أما سكان المدينة من العرب فقد أعلنوا لممثل الأمين العام للأمم المتحدة رفضهم القاطع لفرض السيادة الصهيونية على القدس العربية من خلال سياسة الضم والإلحاق بالقوة، وتوحيد المدينة تحت الاحتلال، وانتهاك المقدسات الإسلامية والمسيحية، واعتبار قيام الحاخام الأكبر للجيش الصهيوني بالصلاة داخل الحرم الشريف انتهاكًا صارخًا للمقدسات الإسلامية وابتزازًا لمشاعر المسلمين في العالم.

وبتاريخ 4/5/1968، أعلن الجيش الصهيوني قيام عرض عسكري في القدس، فاجتمع مجلس الأمن الدولي بتاريخ 6/5/68، واتخذ القرار (252)، أكد خلاله أن الاستيلاء على الأراضي بالغزو العسكري أمر غير مقبول، وندد بعدم االتزام"إسرائيل" بقرارات الأمم المتحدة، وعدّ جميع الإجراءات التشريعية والإدارية التي قامت بها "إسرائيل، وفي مقدمتها نزع ملكية الأراضي والممتلكات التي تستهدف تغيير الوضع القانوني لمدينة القدس باطلة، ودعا سلطات الاحتلال لإلغائها، لكن ممثل حكومة الاحتلال الصهيوني في مجلس الأمن تحدث في الجلسة نفسها وردّ على القرار 252، وقال: إن حكومته غير ملزمة بتنفيذ هذه القرارات، وبعد أسبوع من عقد هذه الجلسة أعلن المجرم ليفي أشكول رئيس وزراء حكومة الاحتلال السابق بتاريخ 28/5/1968 أن حكومته قررت نقل القيادة المركزية للجيش والشرطة الإقليمية ومكتب البريد والعمل للقدس الشرقية المحتلة.

كما صدر القرار الدولي رقم 267 عن مجلس الأمن بالإجماع بتاريخ 3/7/1969، الذي ينص على إدانة كل إجراءات سلطات الاحتلال الصهيوني غير القانونية التي تعمدت تغيير الواقع في القدس، وعدم استجابتها لقراري الجمعية العامة السابقين 2253 والقرار 2254 وقرار مجلس الأمن السابق 252.

وبالرغم من ذلك، تعمدت سلطات الاحتلال المساس بمشاعر مئات الملايين من المسلمين، وأحرقت المسجد الأقصى، أولى القبلتين وثاني المسجدين وثالث الحرمين، يوم 21/8/1969.

وعلى إثر هذا الفصل الإجرامي الصهيوني صدر القرار الدولي 271 عن مجلس الأمن المنعقد بتاريخ 15/9/1969، الذي أدان الحادث الإجرامي وعبر عن حزن أعضاء المجلس وقلقهم الشديد للضرر البالغ الذي أصاب المسجد الأقصى، الذي يعدّ خسارة فادحة للثقافة الإنسانية، كما أكد القرار على ضرورة التزام "إسرائيل" بالقرارات الدولية السابقة، وعلى مبدأ عدم جواز الاستيلاء على أراضي الغير بالغزو العسكري.

واتخذ مجلس الأمن القرار رقم 298 بتاريخ 25/9/1971، الذي أكد أن جميع الإجراءات والأعمال لحكومة الاحتلال لاغية وغير مشروعة، وعلى حكومة "إسرائيل" الالتزام بقرارات مجلس الأمن والجمعية العامة لإلغائها، لأنها لا تستند لأي شرعية قانونية، وطالب سلطات الاحتلال لإلغائها".

أما قرار مجلس الأمن رقم 425 الصادر بتاريخ 20/7/1976، فقد طالب حكومة الاحتلال الصهيوني الوقف الفوري لبناء المستعمرات في الأراضي العربية المحتلة.

وفي 28/10/1977 أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة القرار رقم (5) الذي أدان إجراءات سلطات الاحتلال بتغيير الوضع القانوني والجغرافي والسكاني للأراضي العربية المحتلة، وفي مقدمتها القدس.

وفي 18/12/1978 أصدرت الجمعية العامة القرار رقم 113 طالبت بموجبه سلطات الاحتلال الصهيوني بمراعاة الحقوق المدنية لسكان الأراضي العربية المحتلة بعد عدوان حزيران 1967، خاصة مدينة القدس.

وصدر قرار عن مجلس الأمن الصادر بتاريخ (20-7-79) يدعو حكومة الاحتلال لوقف الاستيطان في القدس.

وقد صدر عن مجلس الأمن القرار 465 بتاريخ 1/3/1980، الذي أدان (إسرائيل) لاستمرارها في بناء المستعمرات في الأراضي العربية المحتلة، وخاصة القدس.

كما صدر القرار الدولي عن مجلس الأمن رقم 476 بتاريخ 30/6/1980، طلب سلطات الاحتلال بتنفيذ القرارات الدولية السابقة، ولم تنفذ ولا قرار حتى اليوم، بالعكس تمادت أكثر، خاصة عندما أصدرت الكنيست الصهيوني القانون الأساسي الشهير بشأن القدس، الذي عدّ القدس الموحدة العاصمة الأبدية لكيان العدو المصطنع في فلسطين.

وفي 20/8/1980 أصدر مجلس الأمن القرار 478، الذي ينص على عدم اعتراف الأمم المتحدة بالقانون "الإسرائيلي" بخصوص القدس، ودعا دول العالم لسحب بعثاتها الدبلوماسية منها.

وهناك قرارات عدة صادرة بخصوص القدس من منظمة اليونسكو، دعت سلطات الاحتلال الصهيوني بعدم المساس بالتراث الثقافي للمدينة المقدسة والحفاظ على آثارها ومعالمها التاريخية والحضارية.

كما عدّ القرار الدولي لمجلس الأمن 672 الصادر بتاريخ 12/10/1990 إدانة أعمال العنف التي ارتكبتها قوات الاحتلال بتاريخ 18/10/1990 في مجزرة الخليل، ودعاها حرفيًّا بالالتزام بمسؤولياتها باتفاقيات جنيف لعام 1949، وأكد أن القدس منطقة محتلة.

كما شجبت الجمعية العامة للأمم المتحدة في القرار الذي اتخذته بعض الدول لنقل بعثاتها الدبلوماسية للقدس المحتلة بتاريخ 15/12/1994، وأكدت الجمعية العامة للأمم المتحدة أن الإجراءات "الإسرائيلية" لتغيير وضع القدس باطلة وغير قانونية.

كما أقرت الجمعية العامة بتاريخ 4/1/1995، أن كافة الإجراءات التشريعية والإدارية والتصرفات الصادرة من "إسرائيل" تستهدف طمس هوية المدينة المقدسة وتغييرها بموجب ما يسمى بالقانون الأساسي للقدس أو ما يسمى بإعلان القدس عاصمة لإسرائيل، وأكدت أن هذه الإجراءات باطلة وبلا قيمة. (5) مجلة فلسطين المحتلة عدد خاص عن بيت المقدس صدر بتاريخ 1/11/1978، فلسطين في الأمم المتحدة.

وتجاهلت حكومة الاحتلال القرارات الدولية، وتمادت في تغيير معالم المدينة المقدسة وتهويدها واستفزاز سكان المدينة، خاصة عندما قام وزير الحرب الصهيوني المجرم موشي دايان بعد احتلال القدس والصلاة أمام ما يسمى حائط المبكى المزعوم، والصحيح هو حائط البراق، الذي دنسه، والتقى مع عدد من الحاخامات الصهاينة في العالم، وتحدث على هامش اللقاء حاخام الجيش الصهيوني المجرم شلوغورين، الذي قال: "إن حاخامات الجيش سيزيلون المسجد الأقصى ويستعيدون الهيكل المزعوم".

وبالرغم من عدم استجابة سلطات الاحتلال الصهيوني للقرارات الدولية، فقد خرجت من دائرة الإحراج الدولي بعد توقيع اتفاقيات أوسلو الاستسلامية عام 1993، خاصة أن القدس كانت قبل توقيع اتفاق الذل والعار مدينة محتلة، وكل قرارات تهويدها وضمها إلى الكيان الصهيوني غير قانونية، وتتناقض بشكل صارخ مع القوانين والشرائع الدولية، والمطلوب من سلطات الاحتلال الانسحاب منها وإزالة كل الإجراءات التي اتخذتها في المدينة لتغيير معالمها الجغرافية والديمغرافية، ومن حق سكانها باعتبارهم جزءًا لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني العودة إليها في إطار حق العودة للاجئين الفلسطينيين بشكل عام إلى فلسطين، كل فلسطين، حسب القرار الدولي 194، وكذلك لهم الحق في تقرير المصير.

أما القدس الغربية المحتلة عام 1948، كان موقف الأمم المتحدة منها التدويل ووضعها تحت الوصاية الدولية، لذلك فقد اعترفت معظم دول العالم بالكيان الصهيوني، لكنها لم تعترف بالقدس عاصمة للكيان الصهيوني، ولا بسيادة على المدينة إلا دولةَ احتلال.

لذلك ما زالت القدس تتعرض للمزيد من التهام الأرض ومصادرتها لبناء المستعمرات وتوسيع جدار الفصل العنصري، ومصادرة الكثير من منازل المدينة وهدمها، وطرد سكانها بالقوة، في ظل صمت معظم الأنظمة العربية والجامعة العربية وتواطؤ الأمم المتحدة العاجزة عن تنفيذ قرار واحد من قراراتها الكثيرة.

الصراع العربي الصهيوني صراعُ وجود والقدس نموذجًا:

كثيرة هي الوقائع التي باتت تدل على حقيقة أن التحديات في القدس لم تعد بالمستوى الذي يمكن لأهل القدس وحدهم التصدي لها، ورب قائل إنها كانت دومًا كذلك، ولكنّا نشير لعناصر خطيرة في الوضع الراهن تهدد بشكل جدي ونهائي وجود القدس المادي.

وهي تحديات نوعية لكون المشروع الصهيوني الجاري العمل عليه "بتسارع" مدفوعًا بهاجس فرض أمر واقع جديد لا يمكن العودة عنه بعد تنفيذ مراحله التمهيدية وبناء البنية التحتية لمرحلة الامتداد الأفقي الحاسم لفرض الاستيطان والمستوطنين لتشريد شعبنا من الضفة الغربية للأردن كما يحاولون في قطاع غزة الصامد إلى مصر، وإذا تجاوزنا ما يشبه الشعر في الكثير من الإطلالات الإعلامية من نصوص مكتوبة ومذاعة عبر وسائل الإعلام، لا يمكننا إلا أن نقر بأن ما نشهد من وقائع تم التمهيد لها طويلًا بنجاح من الجانب الصهيوني، نقول ذلك ليس للإمعان في جلد الذات، إنما للتنبيه لحقائق يستوجب النظر فيها وبأسبابها قبل الخوض في سبل مواجهتها، ومن هذه الحقائق:

أولًا: حقيقة الدافع الإيديولوجي الديني اليميني العنصري المتطرف، وهو جانب تأسيسي وضامن للتماسك من جهتهم؛ لأن القدس هي القلب من المشروع الصهيوني، لكون المشروع الصهيوني هو زيف قومي خرافي أسطوري لتحويل الأساطير الأساسية المزيفة لأساطير مؤسسة له، وهذه الحقيقة ساعدت على فهم مرامي الكيان الصهيوني في القدس وغيرها من الأراضي الفلسطينية المحتلة في الضفة الغربية وقطاع غزة، وخاصة بعد عملية طوفان الأقصى المباركة.

لذلك لا بد من إنتاج آليات عمل وطنية فلسطينية بأبعاد عربية إسلامية لمواجهة هذا المشروع العدواني الاستيطاني التوسعي، وعدم التغاضي عن الفكر الصهيوني وأُسسه وأهدافه الإجرامية وآلياته الداخلية العدوانية الضامنة لاستمراره، خاصة بعد محاولات البعض في الساحة الفلسطينية بدعم بعض الأنظمة العربية المطبعة ومساندتهم لفرض وهم التصالح مع الكيان الصهيوني، والهرولة خلف التسويات المزعومة مع الكيان الصهيوني التي تدفع صاحبها للتواطؤ والتغطية على الأفكار والمخططات الإجرامية الصهيونية العنصرية وأهدافها العدوانية، كما يحصل اليوم من جرائم بحق أهلنا في الضفة الغربية وقطاع غزة.

وفي الحقيقة، إن الحديث عن القدس، كثير مما قيل ويقال اليوم يبدو منفصلًا عن الواقع، أو ربما مشوهًا بشكل مقصود، وحين يفصّل الحديث عن القدس وعن المشروع الصهيوني برمته، نكاد نتوهم أننا أمام نزاع بين دولتين جارتين أو أتباع ديانتين على الأرض.

وافتتاح "كنيس الخراب" في المسجد الأقصى المبارك، وما رافقه من إعلانات مزعومة عن نية افتتاح كنيسين كبيرين آخرين، بالإضافة لإعلان حكومة مجرمي الحرب الصهاينة في كل وقت بناء المزيد من المستعمرات، سواء بالقدس بشكل خاص، وفي الضفة الغربية المحتلة بشكل عام، وعلى وجه الخصوص، استهداف المواقع الأثرية بحجة أنها مواقع يهودية.

وهذا ما يثبت ويؤكد أن لا مثيل للعلاقة بين الكيان الصهيوني والأسطورة "اليهودية" في أي من الأديان، مع يجري العمل عليه، وخاصة من سياسة الضم والتهويد للجغرافيا والديمغرافية والتاريخ، بوسائل عدة وفي مقدمتها تزييف هوية القدس والعمل المتسارع والمتسابق مع الزمن لأسرلتها وتحويلها لمدينة يهودية تلمودية توراتية – وليس أسرلتها فقط. كون الكيان الصهيوني هو تجمع عسكري استيطاني إجرامي عدواني عنصري توسعي يستهدف أرضنا الفلسطينية والعربية المحتلة، سواء في جنوب لبنان وفي سورية.

لذلك فإننا نرفض سياسة الأسرلة، وبنفس القوة والشدة نرفض سياسة التهويد والتوسع والاستيطان والعدوان، ويجب مقاومتها بكل الأشكال والوسائل المتاحة، وفي مقدمها الكفاح المسلح.

لذلك فالمشروع الصهيوني واضح المعالم، وما علينا نحن الفلسطينيين والعرب والمسلمين من فهم نمط وطبيعة الصراع الذي نخوضه ونعتبره صراع وجود وليس نزاعًا على حدود كما يزعم البعض، وخاصة أنه صراع مع العنصرية اليمينية الصهيونية الأكثر تطرفًا في مسيرة الصراع العربي الصهيوني المدعوم من اليمين الأمريكي الأكثر تطرفًا وصهيونية إجرامية، وبنسخته الشديدة الظلامية القائمة على إحالة الأسطورة والخرافة التلمودية المزيفة مكان الواقع التاريخي لأصحاب الأرض والوطن الأصليين من عرب فلسطين، لذلك لا بد من الإقرار والاعتراف بأن أي تغيير في معالم القدس التاريخية يعد من النوايا الصهيونية الخبيثة، ويعتبر كغيره من الانتهاكات الإجرامية العدوانية العنصرية التوسعية الذي يستهدف القدس، والتي تعتبر أرضًا وقفية سُلبت من أصحابها المقدسيين العرب الفلسطينيين ظلمًا وقهرًا وعدوانًا، رغم توفر كافة الوثائق والمستندات الفلسطينية والأردنية والتركية والدولية التي تقر بأحقية أهل القدس الفلسطينيين في ملكيتها.

لذلك فإن سلطات الاحتلال تقصد من محاولات افتتاح ما يسمى الكنيس اليهودي على أنقاض المسجد الأقصى حالة من دوام التحدي الحضاري للأمة هدفها تزييف هوية المدينة وتحويلها لمدينة تلمودية توراتية، وسيكتمل التزييف مع تمام بناء سبعة قباب عملاقة حول الأقصى وكنيسة القيامة، ليكون المشهد العام للمدينة تراثًا يهوديًا تلموديًا بقوة الجرافات وبسلطة "قانون القوة"، السياسة الصهيونية التي تنسجم مع عنصريتها والأساطير المؤسسة للصهيونية، وهذا كان واضحًا وجليًا بتصريحات رئيس وزراء الكيان المصطنع في فلسطين المحتلة "كبير الإرهابيين الصهاينة المجرم بنيامين نتنياهو" الذي قال الكثير حول القدس وتهويدها ومحاولة أسرلتها، من أهم ما قاله قال إن الحديث حول القدس والتفاوض بشأنها قد فات، وأن القدس قد تهودت فعلًا وأصبح المستوطنون فيها اليوم ضعف مواطنيها العرب.

كما أن تصريحات المجرم "بنيامين نتنياهو" جاءت ضمن رزمة من الإجراءات والانتهاكات اليومية التي يحرص على تنفيذها بالقوة الإجرامية من خلال دعم ومساندة وحماية قطعان المستوطنين، ليتمكن من خلالها فرض أجواء الحصار والمنع والسيطرة على البلدة القديمة والمسجد الأقصى والأحياء المحيطة بشكل خاص، وعلى الضفة الغربية بشكل عام.

**وذلك بقصد تقليص التواجد الفلسطيني تقليصًا جوهريًا وحشد عشرات الآلاف من قطعان المستوطنين المستوردين من كل أصقاع العالم لتحقيق التفوق العنصري اليهودي بعد ضم المزيد من الأراضي الفلسطينية لكيانهم المصطنع من جهة أخرى.

انطلاقًا من هذه القاعدة، فإن المؤسسة الصهيونية الرسمية لا تخطط لهدم المسجد الأقصى وبشكل مباشر ومكشوف؛ لأن ذلك قد يصادف صحوة واعية للأمة قد تسبب للكيان من المخاطر ما لا يستطيع دفعه وتفاديه، ولذلك تنتهج سلطات الكيان الصهيوني اليوم ثلاثة مسالك:

الأول: تقليص عدد المصلين في المسجد الأقصى والقادمين لزيارته، فبعد أن كان يرتاده عشرات الآلاف أيام الجمع ومئات الآلاف في شهر رمضان والأعياد، بات هذا العدد لا يتعدى الـ15 ألفًا، حيث منعت سلطات الاحتلال الأهالي من الضفة الغربية وقطاع غزة من الوصول للمسجد والصلاة فيه.

والمسلك الثاني: عبر سيطرة سلطات الاحتلال هذه الأيام على كل ما يتعلق بالمسجد في اعتداء سافر على كافة صلاحيات الأوقاف الإسلامية من حيث إدارة الدخول إلى المسجد والخروج منه، ومن حيث خدمته وصيانته، أو من حيث الإشراف على علاقات المؤسسة الوقفية واهتماماتها. فبات ليس من الممكن لموظف في الأوقاف أن يتقدم لتبديل "لمبة" للإضاءة أو يدخل من هذا الباب أو ذاك، حتى أصبح الزائر والمصلي في المسجد يتساءل: هل فعلًا أنا في مسجد أم في كنيس تابع للشرطة؟..!.

والمسلك الثالث: تحرص سلطات الاحتلال أن يظل التواجد اليهودي الاستيطاني متواصلًا في ساحات المسجد وعلى أبوابه، بدءًا بعناصر الشرطة والأمن الصهيوني والشخصيات اليهودية الرسمية، وليس انتهاءً بالمستوطنين والحاخامات، وبشكل استفزازي وسافر، بحيث يحصل يوميًّا المزيد من القوانين والإجراءات التي تتطور وتتقدم، وبأسلوب يزاحم الوجود الفلسطيني بقصد الوصول لفرض الأمر الواقع كمقدمة لتقسيم الحرم القدسي على الصعيدين الزماني والمكاني بين الفلسطينيين والصهاينة، كما حصل في الحرم الإبراهيمي بمدينة الخليل.**

وعلى ما يبدو أن الظروف الذاتية والموضوعية أصبحت ناضجة لتحقيق هذا الهدف الإجرامي الصهيوني، وخاصة بعد العدوان الإجرامي الصهيوني من قبل قطعان المستوطنين المستورين بحماية جيش الاحتلال على شرقي مدينة القدس التي تتعرض لهجمة استيطانية شرسة لم نشهد مثلها منذ اقتحمها واحتلالها من قبل الآليات العسكرية الصهيونية عام 1967.

لذلك ليس غريبًا ولا مستغربًا شراسة هذه الهجمات العدوانية في هذه المرحلة الصعبة لتنفيذ مخططات الاستيطان العاجل شيئًا فشيئًا، وخاصة مع تحويل أراضي شرقي القدس إلى مساحات يمنع البناء فيها، وأصبح الاستيطان يتقدم على شكل بؤر صغيرة، تحتل قمم الجبال، لتتحول سريعًا إلى مستوطنات كاملة الجاهزية، فالهجمة الاستيطانية إذًا ليست وليدة الأمس، وخاصة بعدما أعلنت ما يسمى ببلدية القدس المحتلة عن بناء المزيد من المستوطنات الصهيونية لتهويد القدس بشكل خاص والضفة الغربية بشكل عام باعتبارها مقدمة لتهجير أبنائها، خاصة بعد تضاعف أعداد قطعان المستوطنين إلى مئات الآلاف لمواجهة أبناء الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي مقدمتها القدس، وخاصة بعد المحاولات الصهيونية تقطع أوصال سكانها الفلسطينيين بجدار الفصل العنصري، عداك عن أبناء القدس المحرومين من العودة إليها، سواء ممن يعملون خارج المدينة في مدن وقرى الضفة الغربية المحتلة أو خارج البلاد.

وفي الحقيقة لم تكن الهجمة الاستيطانية الأخيرة إلا نموذجًا لتهويد المدينة المقدسة بشكل خاص والضفة الغربية بشكل عام، خاصة بعد اتباع ما يسمى بلدية القدس الصهيونية تقديم المزيد من العطاءات لقطعان المستوطنين لإغرائهم وجلبهم للقدس لتحقيق التفوق الديمغرافي على أهل المدينة وسكانها العرب الفلسطينيين من خلال فرض المزيد من المضايقات والانتهاكات وارتكاب المزيد من جرائم الحرب اليومية بحقهم لتهجيرهم للضفة الشرقية للأردن لتحقيق أهدافهم الإجرامية في ما يسمى الوطن البديل، وفي الحقيقة ليس المضايقات وسياسة التدمير والإحراق والمصادرة والاعتقالات العشوائية التي تستهدف القدس فقط، بل تستهدف الضفة الغربية بشكل عام، كما يستهدف جيش الاحتلال قطاع غزة الصامد.

إعلان الحرب على القدس:

لا شك أن الجانب الأكبر من الحرب الإجرامية يستهدف القدس والمسجد الأقصى هدمًا وتدميرًا وتهويدًا وحصارًا وطردًا للسكان العرب وإحلال اليهود محلهم، لكن المشروع وفي هذه المرحلة الصعبة يستهدف كل المدن والبلدات والمخيمات في الضفة الغربية المحتلة لتحقيق نفس الهدف الصهيوني.

لذلك فإن الهدف الصهيوني في القدس والمسجد الأقصى له سماته وأهدافه الرامية في النهاية إلى إزالة المسجد الأقصى وبناء ما يسمى الهيكل المزعوم مكانه، وتحويل مدينة القدس الشرقية إلى مدينة يهودية سكانًا وعمارة وإدارة حتى تلحق بالقدس الغربية التي تم التهامها لتكون القدس الموحدة يهودية الطابع والهوية!

ومن هنا، فإن من ينادي عبر سنوات مضت بأعلى صوته بأن القدس في خطر لم يكن يبالغ، إنما يعبر عن واقع ميداني في أرض الواقع.

لنتوقف قليلًا أمام ما يدور هناك من عدوان وما يجول في الفكر الصهيوني حيال القدس والمسجد الأقصى.

فيما يتعلق بالمسجد الأقصى ذاته، فإن تدميره وإزالته وإقامة الهيكل المزعوم مكانه هدف معلن للصهاينة منذ احتلال فلسطين، وهم يعملون على تحقيقه بشتى الطرق والحيل والمخططات والوسائل المتاحة لهم، وقد عبر عن ذلك كل الساسة الصهاينة، من كبير المجرمين الصهاينة ـ ديفيد بن غوريون أول رئيس وزراء لحكومة الكيان الصهيوني في فلسطين المحتلة، الذي قال مبكرًا: "لا قيمة لإسرائيل من دون القدس ولا قيمة للقدس من دون الهيكل"

وفي مؤتمر أقامه سبعة آلاف من الصهاينة المتطرفين في 17/9/1998م، قال ممثل المجرم "بنيامين نتنياهو" رئيس حكومة العدو الصهيوني الحالي: إننا جيل الهيكل الذي هو قلب الشعب اليهودي وروحه ثم تبعه ابن المتطرف مائير كاهانا قائلًا: نحن الآن مدعوون للتضحية بأنفسنا وأرواحنا، ومهمة هذا الجيل تحرير الهيكل وإزالة الرجس والنجاسة عنه.. وسترفع راية إسرائيل فوق أرض الحرم... لا صخرة ولا قبة ولا مساجد... بل راية إسرائيل، فهو واجب مفروض على جيلنا!

ويعتقد اليهود أن موعد مجيء مسيحهم يمكن أن يقترب أو يتأجل بحسب نشاطهم في ذلك، ويؤمنون بأن واجبهم جميعًا أن يعملوا لتقريب مجيئه، ومن الواجبات التي عليهم القيام بها لتقريب ذلك اليوم، بعد أن يقيموا الدولة اليهودية ويتخذوا القدس عاصمة موحدة لها، وأن يسارعوا إلى بناء الهيكل لأنه سيكون منبر دعوته عندما يجيء!!

إنها خرافات تم نسجها بإتقان، وبالرغم من ذلك التزييف والتزوير، إلا أنها تجد طريقها إلى الترجمة على أرض الواقع، ويتحالف معظم حكومات العالم مع اليهود لتطبيقها.

وقد تعرض المسجد الأقصى لكثير من محاولات التدمير والإزالة وما زال يتعرض حتى اليوم، فقبل الحريق الإجرامي الشهير الذي وقع للمسجد العام 1967م بأسبوع واحد أعلن حاخامهم الأكبر >شلومو غورين< عن اكتشافه ـ كذبًا ـ >لقدس الأقداس< عند اليهود، وذلك بعد أن اقتحم المسجد الأقصى بحماية جيش الاحتلال الصهيوني مستغلًا سخونة الأحداث للتعجيل بنسف المسجد الأقصى، لكن قيادة الجيش خشيت يومها من ردود أفعال غير محسوبة.

عصابة أمناء الهيكل:

ومنذ حريق المسجد الأقصى وعمليات الاقتحام من الجماعات اليهودية المتطرفة لم تتوقف والصلاة في ساحته، وكان أخطر تلك الاقتحامات عندما حاولت عصابة ما يسمى أمناء الهيكل في 15/10/1989م من وضع حجر أساس رمزي لما يسمى بالهيكل قُرب مدخل المسجد. وقال زعيم تلك العصابة يومها: إن وضع حجر أساس الهيكل يمثل بداية حقبة تاريخية من الخلاص للشعب اليهودي!

وبعد نكسة حزيران واحتلال القدس الشرقية عام 1967 بدأت سلطات الاحتلال الصهيوني بأعمال حفريات تحت ساحات المسجد وأساساته بدعوى التنقيب عن الآثار برعاية وزارة الأديان الصهيونية والجامعة العبرية، لكن هذه العملية لم يكن الهدف منها البحث عن الهيكل المزعوم فقط، بل كان الهدف الحقيقي لها بعد شق الأنفاق تحت ساحات المسجد وتفريغ التربة من تحت أساساته ليكون عرضة للانهيار عند أي عارض طبيعي أو صناعي من الاهتزازات العنيفة، وقد اعترف خبير الآثار الصهيوني "جوزيف سيرج" في 18/8/1990م في تصريحات صحفية لصحيفة معاريف الصهيونية قائلًا: سنقوم بإعادة بناء الهيكل الثالث على أرض المسجد الأقصى الذي تستطيع إسرائيل تصدعه باستخدام الوسائل الحديثةالحديث وفي العام 1995م وبعد هدوء الاحتجاجات الفلسطينية والعربية على عمليات الحفر سمحت السلطات الصهيونية لشركتين باستئناف أعمال الحفر تحت المسجد الأقصى، وقد تم رسميًا افتتاح أحد الأنفاق وهو نفق >الحشمونائيم< الذي يساعد اليهود على الوصول إلى ساحة الأقصى من دون عقبات أو محاولات منع من قبل العرب.

وفي العام 1995م بدأت سلطات الكيان الصهيوني أعمال الحفر تحت أساس المسجد، وتم افتتاح شبكة من الأنفاق تحت تلك الأساسات لتتمكن من خلالها سلطات الاحتلال وفق الخبراء ـ نسف المسجد بالمتفجرات من أساساته في أي وقت مناسب.

أحجار توراتية!

وفي يونيو حزيران من العام 1997م، قررت ما يسمى البلدية "الإسرائيلية لمدينة القدس" بالتعاون مع وزارة السياحة البدء في مشروع اقتلاع أرصفة الشوارع الكبرى للاستعانة بها في بناء الهيكل المزعوم باعتبارها أحجارًا توراتية.. وما زال المخطط ساريًا وهو لا يخفى على أحد، بل يدعمه الصهاينة في شتى أنحاء العالم ومن ورائهم حكومات الغرب، وفي مقدمتها الحكومة الأمريكية المتصهينة بقيادة المعتوه ترامب.

فقد أعلن المرحوم ياسر عرفات للصحفيين في شهر مايو 1997: >إن يهود العالم تبرعوا بنحو مليار دولار لإتمام مشروع الهيكل<.

كما أن المسؤولين الصهاينة لم يتوقفوا عن الترويج عبر العالم لبناء الهيكل، حاملين وناشرين في وسائل الإعلام صورًا ومجسمات للهيكل المزعوم، ففي ديسمبر من العام 1998م أهدى كبير المجرمين الصهاينة >بنيامين نتنياهو< رئيس الوزراء الصهيوني مجسمًا للهيكل لأسقف الروم الأرثوذكس >ماكسيموس شالوم<، وكان موضوعًا على خريطة بدت خالية من المسجد الأقصى.

القدس تحت مطارق العدوان:

في الوقت الذي يتعرض فيه المسجد الأقصى للعدوان المتواصل، تتعرض مدينة القدس أيضًا إلى سياسة المصادرة والتهويد بغية السيطرة عليها تمامًا، وقد بدأت الهجمة الصهيونية على القدس عشية سقوط القدس الشرقية بعد هزيمة يونيو من العام 1967م. ففي 28 يونيو من العام 1967م أعلن وزير الداخلية الصهيوني عن توسيع حدود بلدية القدس لتمتد حتى رام الله شمالًا، وبيت لحم جنوبًا، وكانت مساحة أمانة القدس الشرقية في ذلك الوقت زادت بهذا القرار إلى 70 كيلومترًا مربعًا لتصبح مساحة القدس الموحدة 108 كيلومترات، ثم توالت التوسعات حتى بلغت اليوم أكثر 123 كيلومترًا مربعًا.

وأكد الباحث والخبير المقدسي المتخصص في شؤون الخرائط والاستبيان الأستاذ خليل التفكجي أن حدود بلدية القدس الكبرى ستمتد من حدود مستعمرة معاليه أدوميم في الشرق حتى غور الأردن، والجزء الثاني يمتد باتجاه الشمال الغربي للمدينة من مستعمرة جيفعات زئيف إلى الجنوب الغربي من أجل تحقيق مبدأ التغيير الجغرافي والديمغرافي لمصلحة سلطات الاحتلال الصهيوني على حساب الأرض والشعب الفلسطيني.

وفي نفس السياق قال الخبير خليل التفكجي إن سلطات الاحتلال الصهيوني تسعى جاهدة من خلال هذه المشاريع الاستيطانية فصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها؛ لأن الكتلة التي تمتد باتجاه الشرق كتلة معاليه أدوميم وتضم ثمان مستعمرات بعرض حوالي 15 كم وعمق يصل حتى غور الأردن، أما المنطقة الشمالية والجنوب الفلسطيني سيكون حتمًا تحت سيطرة الاحتلال الصهيوني.

نعم، لقد استهدفت هذه القرارات والإجراءات الصهيونية ضم أكبر مساحة من الأرض بأقل عدد من السكان العرب من جانب، وضم مستوطنات ومناطق يهودية مأهولة، وبالتالي تحقيق أغلبية سكانية يهودية مأهولة في القدس بعد تنفيذ ما يسمى مشروع البوابات للمجرم شارون الذي يقصد منه إقامة البؤر الاستيطانية في الأحياء العربية الفلسطينية.

وتوالت بعد ذلك الإجراءات الصهيونية التعسفية بحق القدس، ففي 29 يونيو من العام 1967م، اتخذت الحكومة الصهيونية قرارًا بحل مجلس أمانة القدس العربية ونقل جميع أملاكها ووضع جميع موظفيها تحت تصرف بلدية القدس اليهودية المحتلة.

وقد صادرت سلطات الاحتلال الصهيوني أكثر من 25 ألف دونم من أراضي القدس الشرقية بين الأعوام 1967 و1997م، منها 1430 دونمًا بعد اتفاقية أوسلو، وفي العام 1982م تم الإعلان عن مشروع >القدس الكبرى< أو ما يسمى بـ>مشروع المركز لتنظيم القدس< بمساحة تصل إلى 279 ألف دونم تقريبًا، ويشمل 49 مدينة وقرية و7 مخيمات لاجئين، حيث أعطى المشروع 17% من هذه المساحة للإسكان اليهودي و13% للإسكان العربي، والبقية للخدمات العامة، ويمتد المشروع شمالًا حتى مستعمرة بيت إيل قرب رام الله وبعمق 45 كيلومترًا حتى قرية بيت فجا جنوبًا و أريحا شرقًا، وبيت شميس غربًا، حيث يستوعب أكثر من 70% من إجمالي عدد المستوطنين اليهود في الضفة الغربية. وفي الوقت نفسه اتخذ الصهاينة من الإجراءات التعسفية والوحشية ما أدى إلى تفريغ المدينة من معظم سكانها العرب بعد الاستيلاء على أملاكهم وأموالهم، ووضعت الدولة العبرية شروطًا تعجيزية لكل من يريد ترميم بيته، مطالبة بدفع 25 ألف دولار رسومًا.

سياسة التفريغ من السكان

قامت سلطات الاحتلال بتطبيق قوانين الدفاع البريطانية لعام 1945م ضد السكان العرب، وتشمل العقوبات الجماعية، وهدم المنازل، ومنع التجول، والاعتقال من دون محاكمة، بل تحت غطاء قانوني مما يسمى بمحكمة العدل العليا التي تلعب دورًا رئيسًا في تنفيذ سياسة تفريغ القدس من سكانها العرب من خلال التصديق على قرارات مصادرة الأراضي وهدم المنازل وقرارات حارس أملاك الغائبين، وسحب هويات المقدسيين، ويمكن رصد أهم ما يجري في هذا الصدد فيما يلي:

ـ مصادرة أكثر من 25 ألف دونم من أراضي القدس في الفترة من العام 1967 حتى العام 1997م، منها 1430 دونمًا بعد اتفاق أوسلو.

ـ في 30 يوليو من العام 1980م صدر قرار >الكنيست< بجعل القدس الموحدة عاصمة

لدولة إسرائيل المزعومة

- إخضاع التعليم العربي للمناهج الصهيونية ولإشراف وزارة التعليم، لكن المقدسيين خاضوا معركة كبرى لوقف هذه الإجراءات، مما اضطر الصهاينة إلى التراجع عن تدريس المناهج الإسرائيلية في المدارس العربية.

ـ منذ احتلال المدينة عقب عدوان العام 1967م قامت سلطات الاحتلال بترحيل 435 عائلة مقدسية بعد أن هدمت الجرافات منازلهم. كما لم تسمح بتسجيل 750 ألف مقدسي كانوا يعيشون خارج فلسطين المحتلة إما للتعليم أو العلاج أو الزيارة، إضافة إلى 50 ألفًا كانوا يعيشون خارج أمانة القدس حسب الزعم الإسرائيلي.

ـ خلال وجود حكومة >نتنياهو< تم سحب 2083 بطاقة إقامة من فلسطينيين مقيمين في القدس.

وتقوم سلطات الاحتلال الصهيوني بحملات دهم منتظمة للقرى المحيطة بالقدس لمطاردة المقدسيين حاملي الهوية المقدسية، وقد قامت بمصادرة هويات ما بين 50 إلى 60 ألف مقدسي.

والجدير ذكره أن من يفقد هوية الإقامة بالقدس لا يستطيع العيش في مدينته مرة أخرى، بل يكون عليه الاختفاء عن أعين السلطات؛ لأنه سيكون عرضة للاعتقال لأنه لا يحمل هوية! ومن يجازف بالبقاء من دون هوية يحرم من كل حقوق المواطنة، بدءًا من الرعاية الصحية والتعليم وانتهاءً بالسفر.

وقد كانت نتيجة كل هذه الإجراءات العدوانية أن أصبح الفلسطينيون أقلية في القدس الموحدة (الغربية والشرقية)، إذ أصبحت نسبتهم 30% من إجمالي السكان، أي نحو سبعين ألفًا مقابل 400 ألف يهودي.

سياج المستوطنات:

وقد تم إحاطة القدس الشرقية بسياج من المستوطنات يزيد من حصار المدينة، حيث زرع العدو 29 مستوطنة حول المدينة فصلتها عن محيطها وعن بقية المدن الفلسطينية، ويعيش فيها يهود يزيد تعدادهم على تعداد الفلسطينيين داخل القدس.

ولم يخف قادة العصابات الصهيونية أهدافهم من تفريغ القدس من سكانها العرب، وتهويدها تمامًا، فهذا وزير الداخلية الأسبق >إيلي سويسا< يزعم في خطاب علني قائلًا: >على من يريد البقاء في مدينة القدس الالتزام بالقوانين الإسرائيلية، وأن يستكمل شروط بقائه، كما يجب زيادة الأغلبية اليهودية في القدس إلى 80%<.

ويقول >يوفال جينبار< أحد مسؤولي منظمة >بتسليم الإسرائيليين لحقوق الإنسان< إن الحكومة الإسرائيلية غير مضطرة لأن تستأجر الطائرات والحافلات، ولا داعي لسيارات الجيب والشاحنات العسكرية لترحيل أهل القدس من بيوتهم، لأن هذه الإدارة وضعت نظام إبعاد جماعي بطيئًا ومتطورًا، استخدمت فيه بنجاح نظام المعلومات.

وهناك الكثير من الشواهد التي تثبت هذا الإجماع اليهودي على القدس ماضيًا وحاضرًا، ومنها: ما ذكرته صحيفة معاريف في 8/6/1967م من أن >موشى ديان< وزير الحرب الصهيوني الأسبق وقف عند حائط البراق المسمى زورًا بحائط المبكى وقال: >لقد وحدنا من جديد القدس المبتورة عاصمة إسرائيل المشطورة، رجعنا إلى قدس أقداسنا، عدنا إليها ولن نتركها إلى أبد الآبدين.

وفي 31/10/1995م ذكرت الصحيفة نفسها أن >إسحاق رابين< قال أمام جمع من طلاب المرحلة الثانوية: >أنا وضعت لنفسي سلم أفضليات، أولًا وقبل كل شيء القدس والحفاظ على وحدتها وتعزيز هذه الوحدة، إن القدس فوق أي اعتبار<.

الصحيفة نفسها ذكرت أيضًا في 16/5/1996م: >إن شيمون بيريز أكد أمام الكنيست أن حكومته تؤكد على وحدة القدس، وأنها لن تقسم ولن تكون يومًا من الأيام عاصمة للدولة الفلسطينية، وستظل تحت السيادة اليهودية<.

وقد حرمت سلطات الاحتلال أكثر من خمسين ألفًا من مواليد القدس من العيش في مدينتهم. كل تلك المخططات والإجراءات العدوانية بحق القدس والمسجد الأقصى تؤكد بما لا يدع مجالًا للشك، أن حريق الأقصى قبل حوالي 44 عامًا، كان حلقة في سلسلة من الاعتداءات الإجرامية المدبرة لتدمير الأقصى وتهويد القدس.

ومنذ حريق الأقصى وحتى اليوم، وفلسطين كلها تعيش حريقًا كبيرًا وممتدًا، على يد زعماء العصابات الصهيونية واحدًا تلو الآخر، وذلك عبر حملات القتل والاجتياحات والتدمير والحصار والتجويع والاعتقالات والإبعاد وغيرها من جرائم الحرب بحق أبناء شعبنا، ماضين في مخطط إهلاك البشر والشجر والحجر، ولم يرحموا حتى قبور الأموات ومقابرهم التي تعرضت للتجريف والانتهاك، كما حصل في مقبرة مأمن الله المقدسية التي تضم رفات الشهداء من الصحابة والقادة الفاتحين وغيرها من المقابر المقدسة.

الخاتمة:

**ويمكننا أن نجمل أهداف هذه الهجمة الاستيطانية في عدة نقاط، منها قطع الطريق أمام الحلول المتجزأة الهزيلة، ومنها ما سمي بحل الدولتين الهادف إلى التخلي عن فلسطيني 48 وإسقاط حق العودة، ومن ثم إيهام الشعب الفلسطيني أنه قد فات الأوان على استرجاع مدينة القدس، فقد تهودت بالفعل وأصبح المقدسيون أقلية بسيطة حتى في شرقي المدينة، وباتوا لا وزن لهم ولا اعتبار، ما "سيجبر" السلطة الوظيفة على القبول برام الله أو أبو ديس عاصمة لهذه الدولة.

وفي الختام علينا جميعًا أن نتقاسم فيما بيننا جهود العمل لخدمة القضية الفلسطينية عامة والقدس والأقصى خاصة، وأن نجعل أعمالنا ونشاطاتنا تدور حول محاور أهمها: إدامة حركة الاحتجاج الشعبي اليومي وعلى كل الصّعد والميادين من خلال الهبات الشعبية كمقدمة لانتفاضة شعبية ثالثة، وإحياء وتشجيع المقاطعة الشاملة لكل ما يمكن أن يتصل بشكل أو بآخر بالكيان الصهيوني وعلى كافة المستويات والمجالات. ومقاطعة المؤسسات والشركات التي لا تزال تستثمر أموالها مع الكيان الصهيوني في فلسطين أو خارجها. ورفع كافة أشكال الدعاوى الحقوقية والمظالم الإنسانية على سلطات الكيان ومؤسساته المباشرة وغير المباشرة لدى كافة الجهات والمؤسسات القانونية الدولية، وفي مقدمتها محكمة جرائم الحرب الدولية لمحاكمة مجرمي الحرب عن كل الجرائم التي ارتكبت بحق شعبنا الفلسطيني قبل وبعد اغتصاب فلسطين عام 1948 حتى جرائم العدو في قطاع غزة المحاصر إلى اغتيال الوزير زياد أبو عين شهيد الزيتون وما بعدها من جرائم طالما بقي الاحتلال في فلسطين المحتلة، بالإضافة لذلك لا بد من التأكيد على خيار المقاومة المسلحة كخيار استراتيجي لمواجهة سلطات الاحتلال الصهيوني، بعدما أثبتت الوقائع أن العدو لا يفهم إلا لغة القوة، وخاصة بعد انتصار المقاومة في قطاع غزة المقاوم وجنوب لبنان والعراق بدعم أحرار الأمة والعالم لدحر الغزاة الصهاينة وتحرير فلسطين كل فلسطين والجولان وكل ذرة تراب مقدسة ما زالت محتلة في الجنوب اللبناني.**

الأمة العربية المهرولة، وخاصة اللقاءات السرية والعلنية مع مجرمي الحرب الصهاينة، والتي تمهد لطرح مبادرة الرئيس الأمريكي أوباما في اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة لحل ما يسمى الدولتين نهاية أيلول الحالي، كمقدمة لعقد مؤتمر دولي في شرم الشيخ لشطب وتصفية القضية الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني، وفي مقدمتها حق عودة أكثر من سبعة ملايين لاجئ في الشتات، بعد الضغوط الصهيو-أمريكية على هذه الأنظمة المعتلة للاعتراف بيهودية الكيان الصهيوني وحسم موضوع القدس كعاصمة أبدية للكيان الصهيوني المصطنع في فلسطين المحتلة، وفي مقدمتها سلطة معازل أوسلو، مقابل كيان فلسطيني هزيل في معازل مقطعة الأوصال وبلا سيادة على 40% من أراضي الضفة الغربية المحتلة، وهذا حاجة صهيونية أمريكية ضرورية وملحة للخروج من المأزق الأمني والسياسي والاقتصادي المتفاقم الذي فرضته عليهم قوى المقاومة الباسلة بصمودها الأسطوري من فلسطين إلى لبنان إلى العراق وأفغانستان بدعم ومساندة كل شرفاء الأمة وأحرار العالم.

المراجع:

1- كما ورد في السفر الخامس من كتاب صبح الأعشى في كتابة الإنشا في الصفحة / 26.

2- ورد في كتاب الكنعانيون / فلسطين والفلسطينيون تكوين الاسم / والوطن والشعب ليصدر عام 2003 / ص 20 - 32 عن دار النشر في بيروت د. عصام سخنيني.

3- كما ورد في معجم بلدان فلسطين للكاتب محمد محمد شراب.

4- مجلة فلسطين المحتلة / أعداد من مجلة القدس / محمد شراب، معجم بلدان فلسطين، دمشق 1987 ص 601 أبواب القدس.

5- *مجلة فلسطين المحتلة عدد خاص صدر 1/11/1978 / فلسطين في الأمم المتحدة.

6- الكاتب الأمريكي أرنست مارتن الذي قال بجرأة إن الهيكل لا وجود له بالحرم القدسي كما تزعم التوراة، وهو أستاذ علم اللاهوت في الدراسات الكتابية، الهيئة العلمية للدراسات الكتابية عام 1985. أهم كتبه (الهيكل الذي نسبته للقدس)

كما نفى الأستاذ ليستر كروب رواية الهيكل الثاني المزعوم بشكل قاطع، وهو أستاذ محاضر في علم اللاهوت في جامعة hill البريطانية، ومن جهة ثانية نفت هذه الرواية حكمة ابن سيراح.

7 معجم بلدان فلسطين - محمد شراب ص 750.

8 صحف صهيونية من أهمها كل من معاريف وهآرتس.