Menu

المستوطن يفعل... والأمم المتحدة توثّق ونحن ندين ونستنكر

يونس العموري

بوابة الهدف

حين يصبح الاعتداء على قرية خبرًا عاديًّا، وحين يحرق المستوطن بيتًا ثم نبحث نحن عن العبارة المناسبة لوصف الحريق، فثمة شيء أكثر من الاحتلال يجري فوق هذه الأرض. ثمة اعتياد سياسي على الهزيمة، وثمة جهاز كامل من الخطابات والبيانات والاجتماعات يعمل بكفاءة مذهلة كلما اقترب الخطر من الأرض، لكنه يتوقف عن العمل تمامًا عندما يحين وقت الفعل.

المستوطن لا يحتاج إلى مؤتمر صحفي كي يعلن مشروعه. يذهب إلى الأرض، يحرق، يقتلع، يعتدي، يغلق طريقًا، يستولي على قطعة أرض، ثم يعود إلى بيته مطمئنًّا. أما نحن فنحتاج إلى اجتماع عاجل، ثم بيان شديد اللهجة، ثم تصريح يؤكد أن المجتمع الدولي مطالب بتحمل مسؤولياته، ثم تصريح آخر يؤكد أن الصمت الدولي يشجع الاحتلال، ثم ننتظر جميعًا أن يكتشف العالم فجأة ما اكتشفناه نحن بعد عقود.. أن هناك احتلالًا.

والأكثر إثارة للسخرية أن كل طرف عندنا يملك تفسيرًا جاهزًا للعجز. السلطة لديها حساباتها، والفصائل لديها أولوياتها، والعالم لديه قوانينه، والعرب لديهم قممهم، والمجتمع الدولي لديه مخاوفه، والمنظمات لديها تقاريرها، والاحتلال لديه مشروعه. وحده صاحب الأرض لا يملك ترف الانتظار حتى تنتهي هذه المؤسسة الدولية العظيمة من دراسة المأساة.

نحن أمام مشهد عبثي بكل معنى الكلمة. المستوطن يتقدم على الأرض، والسياسي يتقدم في تصريحاته. الأول يغير الوقائع، والثاني يغير صياغة البيان. الأول يحفر في الأرض، ونحن نحفر في الخلافات. الأول يقتلع شجرة، ونحن نقتلع من بياناتنا عبارات الإدانة القديمة لنضع مكانها عبارات إدانة جديدة أكثر قوة، وكأن المشكلة كانت دائمًا في ضعف المفردات لا في غياب الفعل.

ولعل أكثر ما يثير المرارة أننا اعتدنا المشهد إلى درجة أصبح معها السؤال ليس.. كيف وصلنا إلى هنا؟ بل.. ماذا سنقول هذه المرة؟ وكأن وظيفة السياسة الفلسطينية لم تعد منع الكارثة أو مواجهتها، وإنما إنتاج الرواية المناسبة لها بعد وقوعها. وكأن المطلوب من الضحية أن تكون جيدة في وصف الجريمة، وأن تكون فصيحة في تقديم الشكوى، وأن تختار بعناية الكلمات التي لا تزعج أحدًا في هذا العالم الذي يبدو أنه فقد حاسة السمع منذ زمن...

المشكلة ليست أن العالم لا يعرف. العالم يعرف. والمشكلة ليست أن البيانات قليلة. البيانات أكثر من اللازم. والمشكلة ليست أن صور الاعتداءات لا تصل. الصور تصل، والتقارير تصل، والشهادات تصل، وكل شيء يصل، باستثناء شيء واحد يبدو أنه عالق في الطريق.. الإرادة السياسية التي تستطيع أن تجعل لهذا كله ثمنًا...

أما نحن، فنواصل إدارة الكارثة كما لو كانت شأنًا موسميًّا. نحصي الاعتداءات، نحصي الضحايا، نحصي المنازل، نحصي الأشجار، ثم نحصي البيانات التي صدرت احتجاجًا على كل ذلك. وفي نهاية اليوم يكون لدينا رقم جديد، وبيان جديد، واجتماع جديد، بينما تكون الأرض قد خسرت شيئًا جديدًا...

هكذا يصبح الاحتلال صاحب المبادرة، ونحن أصحاب التعليق. هو يصنع الحدث ونحن نفسره. هو يفرض الوقائع ونحن نختلف على توصيفها. هو يذهب إلى المستقبل عبر الأرض، ونحن نعود إلى الماضي عبر الخطب.

ولذلك ربما لم يعد السؤال الأكثر قسوة هو.. لماذا يعتدي المستوطن؟ فهذا السؤال يعرف جوابه الجميع. السؤال الذي ينبغي أن يطاردنا هو.. لماذا يبدو المستوطن واثقًا إلى هذا الحد، بينما تبدو قضيتنا مرتبكة إلى هذا الحد؟ لماذا يعرف مشروعه طريقه، بينما لا تزال مؤسساتنا تتجادل حول الطريق؟ ولماذا أصبح المعتدي يملك شجاعة الفعل، بينما لا نملك نحن في كثير من الأحيان سوى شجاعة الاستنكار؟ هذه ليست أزمة أرقام، بل أزمة سياسة. وليست أزمة بيانات، بل أزمة إرادة. وليست أزمة العالم وحده، بل أزمة ذات سياسية اعتادت أن تحمل العالم مسؤولية كل شيء، ثم تنسى أن تسأل نفسها عن مسؤوليتها في حماية ما تبقى من الأرض وما تبقى من المشروع الوطني. وإذا كان هناك من يعتقد أن كثرة البيانات يمكن أن توقف مستوطنًا، فليستعد على الأقل لإصدار بيان جديد يشرح لنا لماذا لم تنجح البيانات السابقة...

لكن لحظة، هناك مؤسسة أخرى تستحق نصيبها من هذا العبث، بل ربما تستحق فصلًا مستقلًّا في كتاب الكوميديا السياسية السوداء.. الأمم المتحدة. تلك المؤسسة التي يفترض أن تكون واحدة من أدوات حماية السلم والأمن الدوليين، تبدو في هذه القضية وكأنها اكتشفت أخيرًا وظيفة جديدة تليق بعصرنا.. أن تصبح أكبر مركز أبحاث ميداني في العالم... الأمم المتحدة تراقب. والأمم المتحدة توثّق. والأمم المتحدة تصنّف. والأمم المتحدة تعدّ. والأمم المتحدة تصدر تقريرًا بعد تقرير. أصبحنا ننتظر منها عدد الاعتداءات، وعدد المصابين، وعدد المنازل المتضررة، وعدد العائلات التي نزحت، وعدد الأشجار التي قطعت، وكأن المطلوب في النهاية ليس وقف الجريمة، بل ضمان أن يكون ملفها الإحصائي مكتمل الأركان... والمثير للإعجاب حقًّا أن المؤسسة الدولية باتت تعرف تفاصيل المأساة أكثر مما يعرفها كثير من أصحاب القرار. تستطيع أن تخبرنا كم اعتداء وقع، ومتى وقع، وأين وقع، وما الذي تضرر، ومن الذي نزح، وربما تستطيع أيضًا أن تخبرنا عدد الخطوات التي مشاها المعتدي قبل أن يصل إلى البيت. لكنها، بعد كل هذا الجهد العلمي المذهل، تقف عند السؤال الأكثر أهمية وكأنها وصلت إلى نهاية صلاحياتها.. وماذا بعد؟.. لا شيء تقريبًا. تقرير آخر... وهكذا تحولت المأساة إلى مشروع توثيق طويل الأجل. كلما ارتفع عدد الاعتداءات، ارتفع مستوى الدقة في التقرير. كلما احترق بيت، أضيف سطر. كلما اقتلعت شجرة، أضيف رقم. كلما نزحت عائلة، حُدِّثت قاعدة البيانات. وكأن وظيفة الأمم المتحدة ليست أن تمنع التاريخ من تكرار نفسه، بل أن تساعد المؤرخ مستقبلًا على معرفة عدد المرات التي تكرر فيها... وهذه مفارقة تستحق التوقف.. في زمن التكنولوجيا والأقمار الصناعية والهواتف الذكية وقواعد البيانات العملاقة، أصبحنا نملك قدرة مذهلة على معرفة الجريمة لحظة وقوعها، لكننا لا نملك الإرادة الدولية الكافية لمنعها. العالم يعرف قبل أن يبرد الرماد، والأمم المتحدة توثّق قبل أن يجف الدم، ثم يبدأ البحث عن العبارة المناسبة التي تعبر عن (القلق البالغ)...

ولعل كلمة (القلق) نفسها تحتاج إلى لجنة أممية لدراسة أسباب استمرار استخدامها. فقد أصبح القلق مؤسسة قائمة بذاتها، له بياناته، ومفرداته، ومناسباته، وربما يحتاج مستقبلًا إلى ميزانية مستقلة. قلق بالغ، قلق عميق، قلق شديد، قلق متزايد، قلق إزاء التصعيد... ولا يزال المستوطن، على ما يبدو، شديد الارتياح أمام كل هذا القلق الدولي.

المفارقة أن الأمم المتحدة تعرف أن الاستيطان ليس ظاهرة طبيعية، وتعرف أن التهجير ليس حادثًا عابرًا، وتعرف أن الاعتداءات ليست حوادث منفصلة عن سياق سياسي وعسكري واستيطاني واضح. لكنها تظل في كثير من الأحيان أسيرة الدور الذي رسم لها.. راقب، وثّق، سجّل، ارفع التقرير، ثم انتظر. وكأن هناك اتفاقًا غير مكتوب بين الواقع والبيروقراطية الدولية.. الاحتلال يتولى صناعة الوقائع، والأمم المتحدة تتولى أرشفتها. وإذا كان هذا هو سقف الفعل الدولي، فلماذا لا نذهب إلى النهاية المنطقية للفكرة؟ لماذا لا تفتح الأمم المتحدة كلية متخصصة في توثيق الاعتداءات؟ لماذا لا تمنح شهادات عليا في علم المستوطنين؟ لماذا لا تنشئ مختبرًا دوليًّا لتحليل بقايا المنازل المحروقة؟ ولماذا لا تعقد مؤتمرًا سنويًّا تحت عنوان (التطورات الجديدة في عدد الاعتداءات)..؟ وبالتأكيد يمكن في نهاية المؤتمر إصدار توصية تاريخية تدعو جميع الأطراف إلى ضبط النفس.

السخرية هنا ليست من الأمم المتحدة باعتبارها فكرة، بل من المسافة الهائلة بين ما يفترض أن تكون عليه وما انتهت إليه في كثير من الأحيان. مؤسسة دولية بحجم الأمم المتحدة لا يفترض أن تكون مجرد شاهد على الجريمة. لأن الشاهد الذي يكتب كل شيء ولا يستطيع تغيير شيء قد يصبح، من حيث لا يريد، جزءًا من نظام إدارة الجريمة لا من نظام منعها.

لكن المسؤولية لا يمكن أن نضعها كلها على باب الأمم المتحدة ثم نعود إلى بيوتنا مرتاحين. الأمم المتحدة ليست قوة سحرية، والدول التي تتحكم في مجلس الأمن ليست جمعيات خيرية، والقانون الدولي لا يعمل وحده. هناك مصالح، وهناك فيتو، وهناك حسابات، وهناك دول تستطيع أن توقف قرارًا دوليًّا قبل أن يصل إلى الورق. وهذا هو الوجه الحقيقي للمشكلة.. العالم ليس عاجزًا عن الفعل، بل كثيرًا ما يكون غير راغب في دفع ثمن الفعل... وهنا نعود مرة أخرى إلينا... فالاحتلال يعرف ذلك. والمستوطن يعرف ذلك. يعرف أن أقصى ما قد يواجهه هو تقرير جديد، وإدانة جديدة، وربما إدراج حادثته في ملف سيكبر مع الزمن. ولذلك يصبح التقرير، مهما كان دقيقًا، غير كافٍ. يصبح توثيق الجريمة ضروريًّا، لكنه لا يكفي. يصبح تسجيل التاريخ مهمًّا، لكنه لا يحمي الأرض.

وهذا هو الفارق الذي يجب ألّا نضيعه وسط الضجيج.. نحن لا نحتاج إلى عالم يعرف أكثر، بل إلى عالم يفعل أكثر. لا نحتاج إلى تقرير جديد يخبرنا أن البيت احترق، بل إلى إرادة تمنع إحراق البيت التالي. لا نحتاج إلى رقم جديد يخبرنا أن عائلة نزحت، بل إلى سياسة تمنع تهجير العائلة القادمة...

أما إذا كان كل ما تستطيع المنظومة الدولية فعله هو توثيق الخسارة، فربما علينا أن نكون صريحين معها ومع أنفسنا.. لا تحولوا أنفسكم إلى مركز أبحاث عملاق يراقب انهيار قرية بعد قرية، ثم يقدم لنا في نهاية كل شهر تقريرًا ممتازًا عن حجم الانهيار... لأن الأرض لا تحتاج إلى باحثين أكثر. الأرض تحتاج إلى سياسة... والضحايا لا يحتاجون إلى من يخبرهم كم أصيب منهم. هم يعرفون. والبيت المحروق لا يحتاج إلى تقرير يثبت أنه احترق. الرماد يعرف... والشجرة المقتلعة لا تحتاج إلى جدول إحصائي يثبت أنها كانت هنا. جذورها تعرف...

وإذا استمر المشهد على هذا النحو، فليس مستبعدًا أن يأتي يوم تنجح فيه الأمم المتحدة في توثيق اختفاء آخر شجرة، وآخر بيت، وآخر عائلة من قرية ما، بدقة مذهلة، وبصياغة قانونية رصينة، وبقلق بالغ، ثم تغلق الملف بعد أن تتأكد أن جميع الأرقام صحيحة... عندها فقط سيكون العالم قد نجح تمامًا في توثيق الجريمة، وفشل تمامًا في منعها... أما نحن، فنواصل إدارة الكارثة كما لو كانت شأنًا موسميًّا. نحصي الاعتداءات، نحصي الضحايا، نحصي المنازل، نحصي الأشجار، ثم نحصي البيانات التي صدرت احتجاجًا على كل ذلك. وفي نهاية اليوم يكون لدينا رقم جديد، وبيان جديد، واجتماع جديد، بينما تكون الأرض قد خسرت شيئًا جديدًا... وهكذا تستمر المسرحية، مع فارق بسيط.. أن المسرح هذه المرة ليس خشبة، بل قرية، والديكور ليس مصنوعًا من الخشب والكرتون، بل من بيوت تحترق وأشجار تقتلع وأرض تضيق على أصحابها يومًا بعد يوم. أما الجمهور، فهو نحن، أو من بقي قادرًا على الجلوس ومشاهدة العرض حتى نهايته...

والعالم الخارجي ليس أفضل حالًا. هناك دائمًا قلق عميق، وإدانة بالغة، ودعوة إلى ضبط النفس، وتأكيد على ضرورة احترام القانون الدولي. يبدو أحيانًا أن القانون الدولي كائن شديد الحساسية، يصاب بالدوار كلما وقعت جريمة، ثم يستعيد عافيته بمجرد أن تنتهي المؤتمرات الصحفية. أما المستوطن، فيبدو أنه لا يعاني من هذه الحساسية إطلاقًا. لا يحتاج إلى تفسير القانون، ولا إلى قراءة القرارات الدولية، ولا إلى انتظار بيان من مجلس الأمن. لديه خارطة، ولديه قوة، ولديه حماية، ولديه وقت.

وهنا تكمن المفارقة الكبرى. نحن نعيش في زمن يستطيع فيه العالم أن يعرف اسم القرية، واسم الضحية، واسم المعتدي، ونوع السلاح، وعدد البيوت، وتاريخ الحادثة، ثم يبقى عاجزًا عن إنتاج نتيجة سياسية واحدة توقف تكرارها. المعرفة كاملة، والقدرة على التوثيق مذهلة، أما القدرة على المنع فتبدو في إجازة مفتوحة.

ولعل أكثر ما يستحق السخرية أننا أصبحنا نتعامل مع التهجير باعتباره نتيجة جانبية، ومع الاعتداء باعتباره حادثًا، ومع الاستيطان باعتباره تطورًا في الميدان، ومع فقدان الأرض باعتباره رقمًا جديدًا في تقرير. ومع الوقت قد نصل إلى المرحلة التي يصبح فيها اختفاء قرية كاملة خبرًا عاجلًا، ثم خبرًا عاديًّا، ثم فقرة صغيرة في تقرير، ثم مجرد سطر في كتاب التاريخ، بينما يكون المستوطن قد انتقل إلى القرية التالية.

المسألة إذن ليست في المستوطن وحده. المستوطن جزء من مشروع يعرف ما يريد، لكن الخطر الأكبر أن تتحول مواجهته إلى وظيفة موسمية لدى مؤسساتنا، تظهر كلما ارتفع عدد الاعتداءات، ثم تختفي عندما تهدأ العناوين. الأرض لا تعمل بالمواسم، والاحتلال لا يأخذ إجازة، والمشروع الاستيطاني لا ينتظر حتى ننتهي من خلافاتنا الداخلية. وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة.. ماذا بقي من السياسة إذا كانت الأرض تتغير والسياسة لا تتغير؟ ماذا بقي من فكرة المشروع الوطني إذا كان كل طرف يتحدث عن الوطن بلغته الخاصة، ثم يترك الوطن نفسه يدفع ثمن هذا التعدد في الرؤى والمصالح والحسابات؟ وماذا بقي من معنى المقاومة إذا أصبحت مجرد شعار يستعاد في المناسبات، بينما تتحول الأرض تدريجيًّا إلى مساحة اختبار لقدرة الاحتلال على فرض وقائعه؟

لا أحد يطلب بطولة خارقة، ولا أحد يتوقع معجزة سياسية. المطلوب فقط أن نتوقف عن الكذب على أنفسنا. أن نعترف أن هناك خللًا عميقًا في طريقة إدارتنا للصراع، وأن الاعتداءات المتزايدة ليست مجرد نتيجة لقوة الاحتلال، بل أيضًا نتيجة لغياب استراتيجية قادرة على تحويل كلفة الاحتلال من مجرد كلمات إلى واقع سياسي.

فالمشكلة ليست أن المستوطن يملك الجرأة. المشكلة أن المستوطن يعرف أن الجرأة لن تكلفه كثيرًا. يعرف أن هناك مسافة هائلة بين الجريمة ورد الفعل، وأن هذه المسافة هي أفضل حليف له. يعرف أن الضحية ستوثق، والسلطة ستدين، والفصائل ستتهم، والمنظمات ستصدر تقريرًا، والعالم سيعرب عن القلق، ثم يعود الجميع إلى مواقعهم، بينما يعود هو إلى الأرض.

وهذا بالضبط ما يجب أن يقلقنا أكثر من أرقام الاعتداءات نفسها. أن يشعر المعتدي أن الزمن يعمل لمصلحته، وأن يشعر صاحب الأرض أن كل ما يستطيع فعله هو انتظار جولة جديدة من البيانات. عندها لا يصبح الاحتلال مجرد قوة تفرض نفسها بالسلاح، بل يتحول إلى عادة سياسية، والعادة أخطر من الصدمة لأنها تجعل الجريمة قابلة للتكرار دون أن تفقد قدرتها على إنتاج اللامبالاة.

ولذلك ربما آن الأوان لأن نكف عن السؤال.. كم اعتداء وقع؟ وأن نسأل بدلًا منه.. ماذا فعلنا بعد الاعتداء الأول؟ ثم الثاني؟ ثم العاشر؟ ثم المئة؟ لأن الرقم، مهما كان صادمًا، لا يغير شيئًا إذا تحول إلى مجرد مادة للاستهلاك السياسي. الذي يغير هو الفعل، والفعل يحتاج إلى قرار، والقرار يحتاج إلى إرادة، والإرادة تحتاج إلى قيادة تعرف أن حماية الأرض ليست بندًا في خطاب، وأن المشروع الوطني ليس لافتة تعلق فوق المنصة ثم تطوى بعد انتهاء المؤتمر...

أما إذا استمر الحال كما هو، فلا بأس. سنصدر بيانًا جديدًا. هذه المرة سيكون أشد لهجة. وسنطالب المجتمع الدولي بتحمل مسؤولياته كاملة. وسنؤكد أن الصمت الدولي يشجع الاحتلال. وسنحذر من التداعيات الخطيرة. وسنؤكد أن كل الخيارات مفتوحة... ثم نغلق البيان، ونترك الأرض مفتوحة.