Menu

بين هرمز وباب المندب.. حكاية أمة

موسى جرادات

بوابة الهدف

ما بين مضيق هرمز وباب المندب، لا تجري اليوم مجرد مواجهة عسكرية عابرة، ولا تدور المعركة حول ممرات مائية ذات أهمية اقتصادية فحسب، إنما تتشكل أمام أعيننا واحدة من أكثر اللحظات دلالة في تاريخ المنطقة الحديث. فالمضائق التي ظلت طوال عقود طويلة جزءًا من منظومة السيطرة الدولية على طرق التجارة والطاقة، تتحول اليوم إلى أدوات في صراع أكبر بكثير من حدود الجغرافيا، صراعٍ يتصل بمسألة السيادة والاستقلال والتحرر الوطني، وبإعادة تعريف علاقة المنطقة بالقوى التي حكمت العالم ومقدراته طوال القرون الماضية.

لقد أظهرت التطورات الأخيرة أن باب المندب لم يعد مجرد ممر بحري تعبره السفن في طريقها بين آسيا وأوروبا، كما لم يعد مضيق هرمز مجرد نقطة عبور لنسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية. كلاهما بات جزءًا من معادلة سياسية وعسكرية جديدة، تتداخل فيها الجغرافيا مع الاقتصاد، والطاقة مع الأمن، والقضية الفلسطينية مع مستقبل النظام الدولي نفسه.

ومن هنا تحديدًا تأتي أهمية ما يجري في اليمن. فجماعة أنصار الله، التي استطاعت خلال سنوات طويلة من الحرب والحصار أن تتحول من قوة محلية إلى طرف إقليمي مؤثر، وجدت نفسها اليوم أمام اختبار تاريخي يتجاوز حدود اليمن. إن القدرة على التأثير في حركة الملاحة في باب المندب، وفي الحسابات الأمنية المرتبطة بهذا المضيق، تعني عمليًّا أن المنطقة لم تعد مستعدة لتقبل المعادلة القديمة التي كان الغرب يحدد بموجبها من يملك البحر، ومن يملك البر، ومن يملك حق استخدام طرق التجارة والطاقة، ومن يملك حق منع الآخرين من استخدامها. وهنا تكمن المفارقة الأساسية.

فالذين اعتادوا الحديث عن حرية الملاحة عندما تكون هذه الحرية في خدمة مصالحهم، وجدوا أنفسهم أمام واقع جديد يقول إن حرية الملاحة لا يمكن فصلها عن حرية الشعوب وسيادتها وحقها في الدفاع عن مصالحها. والذين تعاملوا مع الممرات البحرية باعتبارها جزءًا من منظومة الهيمنة العالمية، اكتشفوا أن هذه الممرات يمكن أن تتحول، في لحظة تاريخية معينة، إلى أوراق قوة في يد الشعوب والقوى التي كانت حتى وقت قريب خارج حسابات القوة الدولية.

باب المندب ليس مجرد مضيق

من الخطأ النظر إلى باب المندب باعتباره مجرد نقطة جغرافية تفصل بين البحر الأحمر وخليج عدن. فهذا المضيق كان على الدوام جزءًا من الصراع على طرق التجارة العالمية. ومن يقرأ تاريخ المنطقة يدرك أن السيطرة على البحار والموانئ والممرات البحرية كانت واحدة من أهم أدوات القوى الاستعمارية في بناء نفوذها العالمي.

لم تكن الإمبراطوريات الغربية بحاجة دائمًا إلى احتلال كل أرض كي تفرض هيمنتها عليها. كان يكفيها في كثير من الأحيان أن تسيطر على الموانئ، والممرات البحرية، ومصادر الطاقة، وأن تضع الأنظمة السياسية المحلية في موقع التابع الذي يحمي مصالحها.

ومن هنا فإن الحديث عن باب المندب هو في جوهره حديث عن واحدة من أهم حلقات منظومة السيطرة العالمية.

لقد عاشت المنطقة العربية طوال عقود طويلة ضمن معادلة اختلت فيها موازين القوة بصورة هائلة. النفط موجود في أراضيها، لكن القرار النفطي ليس بيدها. الممرات البحرية تمر عبر جغرافيتها، لكن أمنها لا تحدده شعوبها. الثروات موجودة تحت أرضها، لكن الشركات الكبرى هي التي تحدد شروط استثمارها. وحتى الحروب التي خاضتها المنطقة لم تكن منفصلة عن هذه المعادلة.

اليمن نفسه كان نموذجًا صارخًا لهذه الحالة

بل إن الحرب الطويلة على اليمن لم تكن مجرد حرب داخلية، كما حاول البعض تصويرها، وإنما كانت جزءًا من صراع إقليمي ودولي معقد على مستقبل اليمن وموقعه الجغرافي ودوره في المنطقة. ومنذ سنوات، دفع الشعب اليمني ثمنًا هائلًا من أجل كسر المعادلة التي أرادت أن يبقى فيها اليمن دولة ضعيفة، محاصرة، وممنوعة من امتلاك قرارها المستقل.

اليمن والتحرر من الهيمنة

إن فهم التحول اليمني الراهن لا يمكن أن يتم بعيدًا عن تاريخ العلاقة بين اليمن والمنظومة الإقليمية والدولية التي أحاطت به.

لقد عاش اليمن عقودًا طويلة تحت تأثير مباشر وغير مباشر لقوى إقليمية، وفي مقدمتها السعودية، التي امتلكت على مدى سنوات طويلة أدوات سياسية واقتصادية وأمنية للتأثير في القرار اليمني. ثم جاءت الحرب والحصار لتكشف بصورة أكثر وضوحًا طبيعة هذه العلاقة.

لكن السنوات الأخيرة أظهرت أن اليمن لم يعد هو اليمن الذي كان قبل الحرب.

لقد دفعت الحرب المجتمع اليمني إلى إعادة اكتشاف قدراته، وأعادت تشكيل موازين القوة داخله. وبغض النظر عن الموقف السياسي من أنصار الله أو من طبيعة النظام السياسي اليمني، فإن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها هي أن اليمن أصبح لاعبًا لا يمكن تجاوزه في معادلات البحر الأحمر. وهذه نقطة بالغة الأهمية.

فالقوة التي كانت تُنظر إليها في السابق باعتبارها قوة محلية محاصرة، أصبحت قادرة على التأثير في حسابات قوى كبرى. وهذا بحد ذاته تطور استراتيجي في المنطقة.

إن ما يجري لا يعني أن اليمن أصبح قوة عظمى بالمعنى التقليدي، إنما يعني أن مفهوم القوة نفسه بدأ يتغير. فالدول الكبرى تمتلك حاملات الطائرات والقواعد العسكرية والأساطيل الضخمة، لكنها قد تجد نفسها أمام قوة أقل إمكانات، تستطيع باستخدام الجغرافيا والإرادة السياسية وبعض القدرات العسكرية أن ترفع تكلفة الحرب إلى مستويات لم تكن محسوبة في السابق.

وهنا يصبح البحر الأحمر جزءًا من معادلة الردع الجديدة.

ما بين هرمز وباب المندب

إذا كان باب المندب يمثل البوابة الجنوبية للبحر الأحمر، فإن هرمز يمثل البوابة الأساسية لخليج عربي غني بالطاقة. وما يجمع بينهما أكبر من مجرد الموقع الجغرافي.

كلاهما يقع في منطقة أصبحت فيها الطاقة أحد أهم عناصر القوة السياسية. وكلاهما يرتبط بشكل مباشر بمصالح القوى الصناعية الكبرى. وكلاهما يكشف هشاشة النظام الذي حاول طوال عقود أن يجعل أمن الطاقة العالمي مرتبطًا حصرًا بالوجود العسكري الغربي.

لقد اعتاد الغرب أن يتعامل مع النفط العربي والإيراني بوصفه جزءًا من منظومة اقتصادية عالمية لا يجوز أن تتأثر بالإرادة السياسية للدول المنتجة. لكن الأحداث الراهنة أعادت طرح السؤال من جديد: ماذا يحدث عندما تتحول الطاقة من مجرد سلعة إلى ورقة سياسية؟

وهنا تظهر أهمية ما بين هرمز وباب المندب. فالنفط والغاز والممرات البحرية لم تعد مجرد عناصر اقتصادية، وإنما أصبحت أدوات تفاوض ومساومة في صراع سياسي واسع. وهذه المسألة يمكن أن تغير الكثير من المعادلات التي ظلت قائمة طوال قرن كامل.

لقد جرى على مدى عقود إقناع شعوب المنطقة بأن ميزان القوة محسوم إلى الأبد، وأن الغرب قادر على فرض شروطه في أي وقت، وأن المنطقة لا تستطيع إلا أن تتكيف مع إرادته. لكن الأحداث الأخيرة تقدم صورة مختلفة.

صورة تقول إن القوة ليست دائمًا في حجم الجيش، ولا في عدد الطائرات، ولا في حجم الاقتصاد فقط. القوة قد تكون أيضًا في القدرة على تعطيل جزء من المعادلة التي يقوم عليها النظام الدولي.

الغرب أمام خيارين

من الواضح أن القوى الغربية تجد نفسها أمام خيارات شديدة الصعوبة.

الخيار الأول: هو التصعيد العسكري وتوسيع نطاق المواجهة في المنطقة. وهذا الخيار، وإن كان يبدو منطقيًّا بالنسبة إلى القوى التي اعتادت استخدام القوة لحماية مصالحها، إلا أنه يحمل كلفة هائلة، ليس فقط من الناحية العسكرية، إنما من الناحية السياسية والاقتصادية أيضًا.

فأي مواجهة واسعة في منطقة تمتلك هذا العدد من بؤر التوتر، وتضم مضائق استراتيجية ومصادر ضخمة للطاقة، يمكن أن تتحول بسرعة إلى حرب يصعب التحكم بمساراتها.

ولا أحد يستطيع أن يضمن أن الحرب ستبقى ضمن الحدود التي يرسمها أصحاب القرار في واشنطن أو العواصم الغربية.

أما الخيار الثاني: فهو القبول بالأمر الواقع ومحاولة إدارة الخسائر. وهذا الخيار ليس أقل صعوبة من الأول، لأنه يعني عمليًّا الاعتراف بأن مرحلة كاملة من السيطرة الغربية على المنطقة بدأت تتآكل. فالقبول بأن تصبح المضائق الاستراتيجية أوراق قوة في يد قوى إقليمية يعني أن قواعد اللعبة القديمة لم تعد تعمل بالطريقة نفسها. وهنا تحديدًا تظهر المعضلة.

إذا تدخل الغرب عسكريًّا، فإنه يرفع تكلفة المواجهة ويخاطر بتوسيعها. وإذا لم يتدخل، فإنه يسمح بترسيخ معادلة جديدة قد يصعب التراجع عنها لاحقًا.

وبين الخيارين تعيش المنطقة لحظة تاريخية شديدة الحساسية.

انهيار وهم الهيمنة المطلقة

لقد قامت المنظومة الغربية خلال القرون الماضية على فكرة أساسية مفادها أن السيطرة على البحر تعني السيطرة على التجارة، والسيطرة على التجارة تعني القدرة على التحكم في الاقتصاد العالمي، ومن ثم التحكم في القرار السياسي. وقد نجحت هذه المعادلة إلى حد بعيد.

لكن العالم يتغير

فالقوى الصاعدة اقتصاديًّا وسياسيًّا، وتطور وسائل الحرب، وانتشار التكنولوجيا العسكرية، وصعود الفاعلين غير الدولتيين، كلها عوامل جعلت احتكار القوة أكثر صعوبة.

لم تعد حاملات الطائرات وحدها قادرة على ضمان أمن الممرات البحرية. ولم تعد القواعد العسكرية المنتشرة في المنطقة تعني بالضرورة أن كل شيء تحت السيطرة.

لقد أثبتت السنوات الأخيرة أن قوة عسكرية صغيرة نسبيًّا تستطيع أن تفرض حسابات جديدة على قوة عظمى، وأن الجغرافيا التي ظن البعض أنها أصبحت هامشية يمكن أن تعود فجأة إلى مركز التاريخ. وهذا ما يحدث في البحر الأحمر.

القضية الفلسطينية في قلب المشهد

قد يكون من أكثر الجوانب دلالة في هذه المعركة أن القضية الفلسطينية لم تعد منفصلة عن بقية ملفات المنطقة.

فالاحتلال الإسرائيلي كان طوال عقود جزءًا من منظومة إقليمية ودولية متكاملة، ولم يكن استمرار الاحتلال ممكنًا بمعزل عن شبكة الدعم السياسي والعسكري والاقتصادي التي وفرها الغرب له.

لكن الحرب الأخيرة كشفت أن القضية الفلسطينية لا تزال قادرة على إعادة ترتيب المشهد الإقليمي بأكمله.

لقد أصبح البحر الأحمر مرتبطًا بالحرب على غزة، وأصبح أمن الملاحة مرتبطًا بالحرب، وأصبحت مواقف القوى الإقليمية جزءًا من معادلة أوسع تتصل بمستقبل القضية الفلسطينية. وهذا أمر لا ينبغي التقليل من شأنه.

فإذا كانت القضية الفلسطينية طوال سنوات قد جرى دفعها إلى هامش النظام السياسي العربي والدولي، فإن التطورات الأخيرة أعادتها إلى قلب الصراع.

ولذلك فإن الحديث عن هرمز وباب المندب لا يمكن أن يكون حديثًا عن النفط والملاحة فقط. إنه حديث عن فلسطين أيضًا.

الإعلام العربي ومعركة الرواية

في مقابل التحولات الميدانية والسياسية، تجري معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة الرواية.

الإعلام العربي المرتبط بالمنظومة الغربية يحاول في كثير من الأحيان تقديم ما يجري باعتباره مجرد اضطراب أمني، أو تهديد للملاحة، أو أعمالًا منفصلة عن السياق السياسي العام.

لكن هذه القراءة تتجاهل السؤال الأساسي: لماذا أصبحت الملاحة في البحر الأحمر جزءًا من الصراع؟

لماذا لم يكن العالم الغربي مهتمًّا بهذه الدرجة بالدمار الذي تعرض له اليمن طوال سنوات الحرب، بينما أصبح أمن السفن والممرات البحرية قضية عالمية بمجرد أن أصبحت مصالحه الاقتصادية مهددة؟

ولماذا يجري الحديث باستمرار عن حرية الملاحة، بينما يجري تجاهل حق الشعوب في الحرية والسيادة والاستقلال؟

إن هذه الأسئلة لا يمكن تجاوزها بالخطاب الإعلامي التقليدي. فالمشكلة ليست في الملاحة وحدها، إنما في النظام الذي يريد أن تكون حرية الملاحة حقًّا للقوى الكبرى، بينما تكون حرية الشعوب خاضعة لشروط هذه القوى.

معركة لم تُحسم بعد

ومع ذلك، فإن القول إن المعركة حُسمت لصالح قوى المقاومة سيكون سابقًا لأوانه.

المعركة ما زالت مفتوحة، والقوى الغربية ما زالت تمتلك إمكانات عسكرية واقتصادية وسياسية هائلة. كما أن المنطقة لا تزال تعيش حالة من التعقيد الشديد، ولا يمكن اختزال كل ما يجري في معادلة انتصار سريع لطرف وهزيمة طرف آخر. لكن ما يمكن قوله بثقة هو أن شيئًا أساسيًّا قد تغير.

لقد انتهى، أو بدأ ينتهي، ذلك الزمن الذي كانت فيه المنطقة تتلقى الأحداث ولا تصنعها.

اليمن اليوم حاضر في المعادلة. و إيران حاضرة في المعادلة. وفلسطين، رغم كل ما تعرضت له، حاضرة في قلب المعادلة. والقوى التي كانت تُعامل باعتبارها أطرافًا هامشية أصبحت قادرة على التأثير في حسابات القوى الكبرى.

وهذا بحد ذاته تحول استراتيجي لا يمكن تجاهله.

لحظة تاريخية للمنطقة

ما بين هرمز وباب المندب، تجري الآن حكاية أمة بأكملها.

أمة عاشت قرنًا أو أكثر وهي ترى ثرواتها تُنهب، وأراضيها تُحتل، وحدودها تُرسم وفق مصالح الآخرين، وأنظمتها السياسية تُدعم أو تُسقط وفق الحاجة، وممراتها البحرية تُدار وفق حسابات القوى الكبرى.

لكن هذه الأمة بدأت، ولو ببطء، في اكتشاف أن التاريخ ليس قدرًا مغلقًا.

إن التحرر لا يأتي دفعة واحدة، ولا يبدأ بالضرورة من العواصم الكبرى. قد يبدأ من بلد محاصر، أو من شعب أنهكته الحرب، أو من حركة مقاومة استطاعت أن تفرض نفسها على طاولة الحسابات الدولية. وهنا تكمن أهمية اليمن.

فالمسألة ليست في أن اليمن يمتلك القوة التي تمكنه من السيطرة على العالم، فهذا ليس هو المطلوب أصلًا. المسألة في أن اليمن استطاع أن يقول إن جغرافيته ليست ملكًا للآخرين، وإن موقعه الاستراتيجي ليس مجرد خدمة مجانية للتجارة الدولية، وإن السيادة لا يمكن أن تكون انتقائية.

وإذا كانت هذه الرسالة قد وصلت إلى القوى الكبرى، فإن أثرها لن يتوقف عند باب المندب.

إنها تمتد إلى هرمز، وإلى البحر المتوسط، وإلى الخليج، وإلى كل منطقة تشعر شعوبها أن ثرواتها ومقدراتها تُدار من خارج حدودها.

لهذا فإن المعركة الراهنة ليست معركة مضيق ضد مضيق، ولا معركة يمن ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل وحدهما.

إنها جزء من صراع طويل على شكل المنطقة ومستقبلها.

صراع بين منظومة تريد استمرار الشرق الأوسط كما عرفته طوال العقود الماضية، ومنظومة أخرى تحاول، بدرجات متفاوتة وبأدوات مختلفة، إعادة تعريف مفهوم السيادة والاستقلال والقوة.

ولعل أخطر ما أدركته القوى الغربية في السنوات الأخيرة أن الشعوب التي ظنت أنها استكانت إلى الأبد، لم تستسلم كما كان يُعتقد.

لقد كانت تبحث عن لحظة. وقد تكون هذه اللحظة قد بدأت.

ومن هرمز إلى باب المندب، ومن فلسطين إلى اليمن، ومن غزة إلى البحر الأحمر، تتشكل ملامح مرحلة جديدة لم تتضح كل نتائجها بعد.

لكن المؤكد أن قواعد اللعبة القديمة لم تعد تعمل بالفاعلية نفسها.

والمؤكد أيضًا أن المنطقة لم تعد مجرد ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات الدولية.

إنها تتحول، تدريجيًّا، إلى طرف في صناعة الحسابات نفسها. وهذه هي الحكاية الأهم.

ففي نهاية المطاف، ليست المضائق هي التي تصنع التاريخ، وإنما الشعوب التي تكتشف أن موقعها الجغرافي يمكن أن يتحول من مصدر للضعف إلى مصدر للقوة، وأن الثروة التي كانت لعنة عليها يمكن أن تصبح ورقة تفاوض، وأن البحر الذي كان طريقًا لعبور الآخرين يمكن أن يصبح طريقًا لاستعادة شيء من القرار.

بين هرمز وباب المندب، لا نرى فقط سفنًا تنتظر، ولا أساطيل تتحرك، ولا أسواقًا تراقب أسعار النفط.

نرى بداية صراع طويل على السؤال الأكبر: من يملك قرار هذه المنطقة؟ والإجابة عن هذا السؤال لن تحسمها معركة واحدة، ولا حرب واحدة، ولا سنة واحدة. لكنها، بكل تأكيد، بدأت تُكتب الآن.