Menu

منظمة التحرير.. قرار الشعب من التذمر إلى استعادة القرار الوطني

بسّام عليّان

بوابة الهدف

ليست أزمة منظمة التحرير الفلسطينية خلافًا على أسماء أعضاء المجلس الوطني، ولا مجرد اعتراض على آلية تعيين هنا أو تشكيل هناك. إنّها أزمة أعمق تتصل بجوهر القضية الفلسطينية: من يملك القرار الوطني؟ ومن يحق له أن يمثل الشعب الفلسطيني؟ وكيف تُصان حقوق شعبٍ لم يتخلَّ عن أرضه، ولم يتنازل عن حقه في تقرير مصيره؟

إنّ البيانات الرافضة للإقصاء والتفرد، وآخرها البيان الذي صدر عن عدد من الفصائل والقوى الفلسطينية، تعكس قلقًا وطنيًّا مشروعًا من استمرار الخلل في إدارة المؤسسة الوطنية. لكن أهمية الموقف لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الرفض؛ فالسؤال الذي يفرض نفسه اليوم هو: ماذا بعد؟

لقد كثرت البيانات، وتعددت الاجتماعات، وتكررت الدعوات إلى الإصلاح، فيما ظلّ الشعب الفلسطيني ينتظر مؤسسة وطنية تستمد شرعيتها من إرادته، لا من موازين القوى داخل دوائر سياسية مغلقة.

إنّ المطلوب ليس بيانًا جديدًا يضاف إلى أرشيف الاعتراض، بل مبادرة وطنية جادة تضع استعادة القرار الفلسطيني في مقدمة أولوياتها.

منظمة التحرير أكبر من أي سلطة

منظمة التحرير الفلسطينية ليست مؤسسة محلية نشأت لخدمة سلطة محدودة الصلاحيات، بل هي الإطار الوطني الذي ارتبط تاريخيًّا بتمثيل الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، وبحمل قضيته وحقوقه الوطنية.

أما السلطة الفلسطينية، فقد نشأت في سياق سياسي مختلف، وارتبطت باتفاقات أوسلو وبواقع الاحتلال والقيود التي فرضتها تلك المرحلة.

ومن هنا، فإنّ الخلل لا يكمن في وجود السلطة بوصفها واقعًا سياسيًّا، بل في انقلاب العلاقة بين المؤسستين؛ بحيث تصبح المنظمة، التي يفترض أن تكون المرجعية الوطنية العليا، خاضعة عمليًّا لقيود السلطة ومصالحها وتوازناتها الداخلية.

كيف يمكن لمؤسسة يُفترض أن تمثل شعبًا موزعًا بين الوطن والمنافي أن تُدار بعقلية سلطة محلية، أو أن تبقى قراراتها رهينة دائرة سياسية ضيقة؟

إنّ استقلال منظمة التحرير ليس ترفًا سياسيًّا، بل شرط أساسي لحماية استقلال القرار الوطني الفلسطيني.

القرار الوطني حقّ للشعب

الشعب الفلسطيني ليس الضفة الغربية وحدها، ولا غزة وحدها، ولا الفلسطينيين في الداخل وحدهم. إنّه شعب واحد، له حقوق وطنية غير قابلة للتصرف، أينما وجد.

ومن حق الفلسطيني في القدس ، وفي الضفة وغزة، وفي الأراضي المحتلة عام 1948، وفي المخيمات الفلسطينية، وفي الأردن وسورية ولبنان والعراق ومصر ودول الخليج وأوروبا والأمريكيتين وسائر أماكن وجوده، أن يكون شريكًا في تقرير مستقبل قضيته.

إنّ حق تقرير المصير ليس منحة من قيادة، ولا امتيازًا لفصيل، ولا ورقة تفاوضية قابلة للتعليق. إنّه حق أصيل للشعب الفلسطيني، لا يجوز لأي جهة أن تصادره أو تتصرف به منفردة.

كما أنّ حق العودة، وحق إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، وحق الشعب في مقاومة الاحتلال وفق القانون الدولي، وسائر الحقوق الوطنية، ليست ملكًا لأشخاص أو مؤسسات، بل حقوق للشعب الفلسطيني كله.

ولهذا، فإنّ أي إصلاح للنظام السياسي الفلسطيني يجب أن ينطلق من قاعدة واضحة: لا شرعية كاملة لمؤسسة لا تضمن مشاركة الشعب في القرار الذي يخص مصيره.

من مجلسٍ مُعيّن إلى مجلسٍ وطني حقيقي

إنّ المجلس الوطني الفلسطيني يجب أن يعود إلى طبيعته بوصفه برلمان الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، لا مجلسًا يُعاد تشكيله وفق تفاهمات مغلقة أو قوائم معدّة مسبقًا.

والمطلوب ليس مجرد تغيير أسماء، بل إعادة بناء حقيقية تقوم على:

إجراء انتخابات حيثما أمكن، وفق ظروف كل تجمع فلسطيني.

اعتماد التمثيل النسبي الديمقراطي، بما يضمن التعددية السياسية.

إشراك الفلسطينيين في جميع أماكن وجودهم، وعدم اختزال التمثيل في الجغرافيا الخاضعة للسلطة.

ضمان تمثيل المخيمات والتجمعات الفلسطينية.

إشراك القوى السياسية كافة، على أساس الشراكة الوطنية لا الإقصاء.

فتح المجال أمام الكفاءات الوطنية والمستقلين.

ضمان حضور الشباب والمرأة والمثقفين والنقابات ومؤسسات المجتمع الفلسطيني.

وضع معايير شفافة للتمثيل، بعيدًا عن الولاءات الشخصية والمحاصصة.

إنهاء التعامل مع عضوية المجلس الوطني باعتبارها مكافأة سياسية أو امتيازًا تنظيميًّا.

إنّ المجلس الوطني ليس ملكًا لفصيل، ولا لرئيس، ولا لعائلة سياسية، ولا لمجموعة من المتنفذين. إنّه ملك الشعب الفلسطيني، وشرعيته تستمد من الشعب لا من مراكز النفوذ.

القيادة الوطنية ليست إرثًا سياسيًّا

من أخطر ما يهدد العمل الوطني الفلسطيني تحويل المؤسسات الوطنية إلى ساحات نفوذ شخصي، أو التعامل مع المواقع القيادية باعتبارها امتيازات قابلة للتوريث السياسي.

إنّ منظمة التحرير لا تحتاج إلى وكلاء عن الأشخاص، ولا إلى ممثلين عن مراكز النفوذ، بل إلى قيادة وطنية تمتلك الكفاءة، والاستقلالية، والنزاهة، والقدرة على تمثيل الفلسطينيين جميعًا.

ولهذا، فإنّ انتخاب رئيس منظمة التحرير، وأعضاء لجنتها التنفيذية، يجب أن يكون جزءًا من عملية وطنية ديمقراطية شفافة، لا نتيجة لتفاهمات مغلقة أو توزيع للمواقع بين المتنفذين.

إنّ المرحلة التي تمر بها القضية الفلسطينية أكبر من أن تُدار بعقلية الحاشية السياسية، أو بعقلية حماية المواقع والمصالح.

فمنظمة التحرير ليست ملكًا لسلطة أوسلو، وليست إرثًا سياسيًّا لأحد، وليست شركة خاصة يديرها المتنفذون.

من الاعتراض إلى المبادرة

إنّ البيان الأخير للفصائل والقوى الفلسطينية مهم في تشخيص جانب من الأزمة، لكنه يجب ألا يكون نهاية الموقف.

فالشعب الفلسطيني ينتظر من القوى التي تملك تاريخًا سياسيًّا ونضاليًّا وقاعدة شعبية أن تسأل نفسها بصدق:

هل نكتفي بالرفض؟ أم نبدأ ببناء البديل الوطني؟

إنّ المطلوب اليوم من الفصائل والقوى الوطنية والإسلامية، ومن الشخصيات المستقلة والمؤسسات الشعبية، أن تبدأ حوارًا عمليًّا حول إعادة بناء النظام السياسي الفلسطيني.

لا حوارًا جديدًا للاستهلاك الإعلامي، ولا اجتماعًا ينتهي بصورة جماعية وبيان ختامي، بل مشروعًا سياسيًّا واضحًا بجدول زمني ومسؤوليات محددة.

مشروعًا يتضمن:

استعادة استقلال منظمة التحرير عن أي هيمنة سياسية أو إدارية، بما في ذلك هيمنة السلطة الفلسطينية.

إعادة الاعتبار للمنظمة بوصفها المرجعية الوطنية العليا للشعب الفلسطيني كله.

تشكيل هيئة وطنية انتقالية مستقلة للإعداد لإعادة بناء المؤسسات الوطنية، على أساس التوافق والشراكة.

وضع قانون انتخابي موحد للمجلس الوطني الفلسطيني، يضمن التمثيل النسبي والتعددية.

إشراك الفلسطينيين في جميع أماكن وجودهم، وعدم اختزال التمثيل في دائرة جغرافية واحدة.

انتخاب قيادة وطنية على أساس الكفاءة والتمثيل والشراكة، لا على أساس المحاصصة والولاء.

وضع استراتيجية وطنية فلسطينية موحدة تحمي حق العودة وتقرير المصير، وتواجه الاحتلال والاستيطان والتهجير، وتستند إلى الحقوق الوطنية والقانون الدولي.

حماية القرار الوطني من التبعية لأي طرف إقليمي أو دولي، مع الانفتاح على كل دعم يخدم الحقوق الفلسطينية ولا يصادر استقلالها.

إنّ هذه ليست دعوة إلى إلغاء أي فصيل، ولا إلى مصادرة دور أي قوة سياسية، بل إلى إعادة بناء المؤسسة الوطنية على قاعدة الشراكة، بحيث يكون الجميع شركاء في القرار، لا تابعين له.

القضية أكبر من المتنفذين

إنّ القضية الفلسطينية ليست ملكًا لأشخاص، ولا لفصيل، ولا لسلطة، ولا لمجموعة من المنتفعين الذين حوّلوا المواقع الوطنية إلى امتيازات سياسية واقتصادية.

لقد دفع الشعب الفلسطيني دماءً ودموعًا ومنافي ومخيمات وتشريدًا، كي تبقى فلسطين قضية شعب، لا قضية نخبة متنفذة.

ومن حق الفلسطيني في غزة، وفي مخيم اليرموك، وفي عين الحلوة، وفي الأردن، وفي القدس، وفي الضفة، وفي أوروبا والأمريكيتين، أن يكون شريكًا في القرار الوطني.

إنّ المنظمة التي لا تضمن تمثيل الفلسطينيين جميعًا تحتاج إلى إعادة بناء. والقيادة التي لا تأتي بإرادة الشعب تحتاج إلى مراجعة. والمجلس الذي يُصنع بالتعيين لا يمكن أن يدّعي تمثيل أمة مشتتة في أنحاء العالم.

إنّ الشرعية الوطنية لا تُقاس بعدد البيانات، ولا بطول سنوات البقاء في الموقع، ولا بحجم النفوذ، بل بمدى الالتزام بحقوق الشعب الفلسطيني، وبقدرته على تمثيل إرادته الوطنية.

الوقت ليس للتذمر

لقد آن الأوان لأن تدرك الفصائل الفلسطينية أنّ البيانات وحدها لا تغيّر الواقع.

الشكوى من الإقصاء لا تكفي. والتنديد بالتفرد لا يكفي. والاجتماعات التي تنتهي دون قرار عملي أصبحت جزءًا من الأزمة، لا من الحل.

إنّ المطلوب اليوم هو الانتقال من سياسة رد الفعل إلى سياسة المبادرة.

فإذا كانت القوى الفلسطينية تؤمن حقًّا بأنّ منظمة التحرير الفلسطينية تعاني من احتكار القرار، فإنّ مسؤوليتها التاريخية ليست إصدار بيان احتجاج، وإنّما العمل على إنقاذ المؤسسة الوطنية وإعادتها إلى أصحابها الحقيقيين: الشعب الفلسطيني.

إنّ استعادة منظمة التحرير ليست انقلابًا على الشرعية الوطنية، بل محاولة لإنقاذ الشرعية الوطنية من الاحتكار.

وليست خروجًا على الوحدة الفلسطينية، بل محاولة لبناء وحدة حقيقية لا تقوم على الإقصاء والتبعية.

إنّ فلسطين اليوم تحتاج إلى منظمة تحرير حقيقية، مستقلة القرار، واسعة التمثيل، ديمقراطية البناء، وطنية الهوية، وقادرة على حمل قضية شعبها في الوطن والشتات.

أما استمرار الصمت أو الاكتفاء بالبيانات، فلن يؤدي إلا إلى منح المتنفذين مزيدًا من الوقت لإعادة إنتاج أنفسهم داخل المؤسسات الوطنية.

فمنظمة التحرير الفلسطينية ليست ملكًا لسلطة أوسلو، وليست إرثًا سياسيًّا لأحد، وليست شركة خاصة يديرها المتنفذون.

إنّها ملك الشعب الفلسطيني.

ومن أراد الدفاع عنها، فعليه أن يبدأ الآن، لا غدًا، باستعادتها للشعب.

كفى تذمرًا... ولتبدأ المبادرة الوطنية.