Menu

تقريرالمنظومة تشهد على جرائمها.. "نازا" يكشف منظومة القتل "الإسرائيلية" بالذكاء الاصطناعي

أحمد زقوت

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

من أروقة المنظومة الأمنية والعسكرية "الإسرائيلية" إلى سماء قطاع غزة، دخل الذكاء الاصطناعي على نحو متزايد في منظومة الاستهداف والقتل خلال حرب الإبادة التي بدأت في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، عبر تقنيات تجمع كميات هائلة من البيانات وتحللها لتحديد الأشخاص والمواقع والأهداف.

وتكشف تحقيقات صحفية واستقصائية نشرتها مجلة "+972" ومنصة Local Call" " وسائل إعلام دولية عن منظومة متعددة المراحل، تبدأ بجمع البيانات وتصنيف الأشخاص، ثم تتبع مواقعهم وتحديد الأهداف المادية، وصولًا إلى تقدير الخسائر المدنية المتوقعة.

ومن أبرز الأنظمة التي تناولتها التحقيقات "لافندر" لتصنيف الأشخاص، و"الإنجيل" أو "حبسورة" لتوليد الأهداف المادية، و"أين أبي؟" لتتبع مواقع الأشخاص، إلى جانب بنية رقمية وسحابية لمعالجة البيانات على نطاق واسع.

وفي أحدث ما كُشف، تناول وثائقي "نازا"، الذي عُرض في مهرجان البندقية في سبتمبر/أيلول 2026، شهادات 24 من العاملين في جيش الاحتلال والاستخبارات "الإسرائيلية" حول آليات الاستهداف واستخدام أنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، وتقدير أعداد المدنيين المتوقع سقوطهم في بعض الهجمات.

في المقابل، تقول المؤسسة العسكرية "الإسرائيلية" إنّ هذه التقنيات تساعد محللي الاستخبارات، وإنّ اعتماد الأهداف يخضع لمراجعة بشرية وقواعد تتعلق بالتناسب والاحتياطات الخاصة بالمدنيين.

في رده على "نازا"، رفض جيش الاحتلال ما ورد في الفيلم، مشيرًا إلى صعوبة التحقق من هوية أصحاب الشهادات المجهولة ووظائفهم.

من البيانات إلى الشخص

تبدأ هذه المنظومة من تدفق واسع للمعلومات، تشمل الاتصالات والصور الجوية والأقمار الصناعية والمعلومات الاستخبارية والبيانات البيومترية والنشاط الرقمي وإشارات الطائرات المسيّرة. ومع دمجها، يمكن ربط الأشخاص بأماكنهم وتحركاتهم وعلاقاتهم، وتحويل البيانات المتفرقة إلى مؤشرات تدخل في مراحل لاحقة من الاستهداف.

في هذا السياق، يصف المختص في تحليل البيانات علي عبد الوهاب، في حديثه مع "بوابة الهدف"، العملية بأنها أشبه بـ "مصنع خوارزمي"، تبدأ من وجه التقطته كاميرا، وإشارة أرسلها هاتف، وموقع رصده برنامج، وأنماط تواصل تراكمت على أشهر.

ويقول إنّ البيانات تمر بمحطات من التنقية والربط والتصنيف، حتى تخرج على هيئة رقم يُترجم إلى توصية يمكن أن يعتمد عليها إنسان، لتتحول الإشارات المتفرقة إلى مخرجات تدخل في القرار.

آلاف الأسماء في وقت قصير

تظهر وظيفة "لافندر" في إحدى أبرز حلقات هذه السلسلة؛ إذ في أبريل/نيسان 2024، كشفت "+972" و"Local Cal""، استنادًا إلى شهادات ستة ضباط استخبارات، عن استخدام النظام لتصنيف فلسطينيين يُشتبه بانتمائهم إلى المقاومة الفلسطينية.

وبحسب التحقيق، صنّف النظام في الأسابيع الأولى للحرب نحو 37 ألف فلسطيني بوصفهم أهدافًا محتملة، وكان قادرًا على إنتاج أعداد كبيرة من الأسماء خلال وقت قصير، فيما تحدثت المصادر عن مراجعة بشرية سريعة لبعض المخرجات، وصلت في حالات إلى نحو 20 ثانية، مع الإقرار بوجود أخطاء في النتائج.

ويرى عبد الوهاب أنّ أهمية "لافندر" تتجاوز سرعة عمله إلى حجم المخرجات التي ينتجها خلال فترة قصيرة؛ إذ تصبح مراجعة كل نتيجة على حدة أكثر صعوبة مع ارتفاع عدد الأسماء، فيما تزداد أهمية المعايير التي بُني عليها التصنيف وكيفية التعامل مع نتائجه.

وهنا تنتقل البيانات من مرحلة الجمع والتحليل إلى مخرج يمكن أن يدخل في مراحل الاستهداف، لتصبح المسألة مرتبطة أيضًا بمدى اعتماد القرار البشري على هذه المخرجات.

من التصنيف إلى تتبع الهدف

بعد تحديد الشخص، تنتقل المنظومة إلى سؤال آخر: أين يوجد؟، حيث تتحدث التحقيقات عن نظام "أين أبي؟"، الذي قالت مصادرها إنّه يُستخدم لتتبع وجود الأشخاص المستهدفين داخل منازلهم، فيما تناولت تحقيقات عبرية نظام "الإنجيل" أو "حبسورة" باعتباره أداة تساعد في توليد أهداف مادية، مثل المباني والمنشآت. ووفق التحقيق، تعمل هذه الأدوات ضمن مراحل متتابعة من عملية إنتاج الأهداف.

وهكذا تتكامل وظائف الأنظمة داخل السلسلة؛ فـ "لافندر" يصنف الشخص، و"أين أبي؟" يتتبع وجوده، فيما تساعد "حبسورة" في تحديد الهدف المادي المرتبط به، لتنتقل المنظومة من سؤال: من هو الشخص؟ إلى أين يوجد؟ ثم ما الموقع المرتبط به؟

ويرى عبد الوهاب أنّ هذه النقلة تزيد المسافة بين المعلومة ونتيجتها، فالرقم أو التصنيف الظاهر في النظام يخفي خلفه طبقات من البيانات والمعايير والافتراضات التي أسهمت في إنتاجه، موضحًا أنّ دقة كل مرحلة تؤثر في المرحلة التالية؛ إذ يمكن لمعلومة غير دقيقة عن شخص، أو ربط خاطئ بينه وبين مكان، أن تنتقل من مرحلة التصنيف إلى التتبع ثم إلى تحديد الهدف.

"نازا".. عندما تصل البيانات إلى لحظة الضربة

إذا كانت التحقيقات السابقة قد كشفت كيف يجري تصنيف الشخص وتحديد موقعه والهدف المرتبط به، فإن "نازا" ينتقل إلى المرحلة التالية: ماذا يدخل في الحسابات عندما تصبح الضربة قريبة؟

الفيلم، الذي عُرض في مهرجان البندقية في سبتمبر/أيلول 2026، يستند إلى شهادات 24 من العاملين السابقين والحاليين في جيش الاحتلال، ويتناول آليات الاستهداف وأنظمة مدعومة بالذكاء الاصطناعي، إلى جانب تقدير أعداد المدنيين المتوقع سقوطهم في بعض الهجمات.

ويحمل الفيلم اسم مصطلح عسكري "إسرائيلي" يُستخدم للإشارة إلى عدد المدنيين المتوقع مقتلهم في الغارة، كما تتحدث شهادات الفيلم عن استخدام بيانات الهواتف والاتصالات في تحديد مواقع الأشخاص داخل منازلهم، فيما أوردت "رويترز" شهادة عن إمكان استخدام إشارة من هاتف طفل مؤشرًا على وجود والده في المنزل.

كما يتناول الفيلم تقديرات للخسائر المدنية المتوقعة، بينها شهادة تتحدث عن احتمال مقتل 500 مدني مقابل استهداف شخص واحد؛ وهي روايات منسوبة إلى مصادر مجهولة داخل الفيلم.

وهنا تلتقي حلقات السلسلة في مسار واحد؛ تبدأ بإشارة هاتف أو معلومة استخبارية، ثم تُستخدم في تصنيف الشخص وتحديد موقعه وربطه بمبنى أو هدف، وصولًا إلى تقدير الخسائر المتوقعة قبل تنفيذ الضربة.

ويضع عبد الوهاب هذه العملية في إطار مختلف؛ فالرقم الذي يظهر في النظام لا يمثل مجرد قيمة حسابية، وإنما تختفي خلفه قصة إنسان ومكان وعلاقات وبيانات جُمعت عبر مراحل متعددة.

ويشير إلى أنّ التحول الأخطر يحدث عندما تنتقل هذه المعطيات من واقع إنساني معقد إلى مؤشرات قابلة للمعالجة، ثم تدخل في قرار عسكري؛ عندها تصبح البيانات التي جُمعت في الأصل عن حركة الأشخاص واتصالاتهم ومواقعهم جزءًا من حسابات مرتبطة بما قد يحدث داخل موقع معين عند استهدافه.

السحابة.. ما وراء الخوارزمية

هذا الحجم من المعالجة يحتاج إلى بنية تقنية قادرة على تخزين البيانات وربطها وتحليلها بسرعة، لذلك تعتمد هذه الأنظمة على شبكات الحوسبة والتخزين والخدمات السحابية.

ويرتبط مشروع "نيمبوس" بخدمات سحابية تقدمها "غوغل" و"أمازون"، فيما كشفت تحقيقات عن استخدام جيش الاحتلال خدمات "مايكروسوفت في تخزين ومعالجة كميات كبيرة من البيانات الاستخبارية.

ويرى عبد الوهاب أنّ فهم المنظومة يتطلب النظر إلى ما هو أبعد من الخوارزمية نفسها؛ فهي تحتاج إلى بيانات وبنية تحتية وجهات تطورها وتشغلها، وصولًا إلى المؤسسات التي تحدد كيفية استخدام مخرجاتها، لذلك تمتد المسؤولية عبر السلسلة كاملة، من البيانات والمعايير إلى البنية التكنولوجية والجهات التي تعتمد نتائجها.

الإنسان داخل حلقة القرار

يقول المختص في تحليل البيانات إنّ الإنسان "ما زال في حلقة القرار"، موضحًا أنّ الأنظمة تساعد محللي الاستخبارات، فيما يبقى اعتماد الأهداف بيد البشر، ومؤكدًا أنّ استخدام مخرجات هذه الأنظمة في تصنيف الفلسطينيين وتحديد مواقعهم وربطهم بأهداف يجعلها جزءًا من سلسلة الاستهداف، حتى مع بقاء القرار النهائي بيد الإنسان.

ويضيف أنّ فهم المسؤولية يتطلب النظر إلى السلسلة كاملة، من البيانات والمعايير والبرمجيات والجهات التي تطورها وتشغّلها، وصولًا إلى من يعتمد مخرجاتها في القرار النهائي.

عندما يصبح الإنسان رقمًا

في هذه السلسلة، يمكن أن تنتقل حياة الإنسان من صورة أو إشارة هاتف إلى سجل، ثم إلى تصنيف وموقع وهدف، وصولًا إلى رقم يدخل في حسابات الضربة، كما تكشف الأنظمة مجتمعة عن تحول أوسع؛ إذ تكمن قوتها في قدرتها على تحويل كميات هائلة من الوقائع البشرية إلى مخرجات سريعة تدخل في قرارات عسكرية على نطاق واسع.

ويختصر عبد الوهاب في حديثه مع "بوابة الهدف" جوهر المسألة في أسئلة تتجاوز قدرة الآلة نفسها: من يحدد حدود استخدامها؟ ومن يراقب مخرجاتها؟ ومن يتحمل المسؤولية عندما تتحول هذه المخرجات إلى قرارات تمس حياة البشر؟

في النهاية، تختفي أسماء الأنظمة وقواعد البيانات والخوادم، ويبقى أثر القرار في المكان الذي وصل إليه القصف، وبين الإشارة الأولى والضربة الأخيرة تمتد سلسلة من البيانات والبرمجيات والقرارات البشرية، يتحول خلالها الإنسان من شخص يعيش في مكان إلى رقم يدخل في حسابات الاستهداف.