ما أن يذكر اسم " صبرا وشاتيلا " حتى تنبش الذاكرة واقعاً مؤلماً وهي تبكي على أحبة طالتهم يد الإجرام والإرهاب الصهيو- كتائبي في ليلة خريفية حزينة على خروج أبطال المقاومة الفلسطينية من لبنان عبر البحار ليتوزعوا على عدة دول عربية " سورية، تونس، اليمن " وليتحولوا من مقاومين يمتشقون السلاح وينفذون العمليات الفدائية ضد العدو الصهيوني إلى أفراد يمارسون العمل السياسي في الساحات التي انتقلوا إليها ! ..
اطمأنت قيادة " م ت ف " أن الشعب الفلسطيني اللاجئ في لبنان – في المخيمات تحديداً - سيكون آمناً بضمانة أمريكية وحماية قوات حفظ السلام الدولية وسيتم التعامل معهم وفق القوانين والأعراف الدولية لكن هذه القوات انسحبت فور مغادرة المقاومة يوم 30/ 8 / 1982 وباتت المخيمات بمسؤولية الجيش الصهيوني المحتل !.. ومع خلو المخيمات من المقاومة وسلاح الدفاع حتى الفردي , جهزت قوات الاحتلال الصهيوني يوم 16/9/1982 أجواء الحماية لجيش لبنان الجنوبي والقوات اللبنانية " حزب الكتائب " الذين كانت يد غدرهم جاهزة للضغط على الزناد , توزعت الأدوار بينهم حيث اعتلى وزير الدفاع الصهيوني آنذاك " أرييل شارون " سطح سفارة فارغة ليراقب مجريات المجزرة .. ثم أطبقت دبابات الجيش الإسرائيلي الحصار المحكم على مخيمي صبرا وشاتيلا لمنع الأهالي من الفرار.. وتم قطع الماء والكهرباء عنهما.. تسللت قوات الكتائب وجيش لبنان الجنوبي تحت جنح الظلام بأسلحتهم المنوّعة "الرشاشات،المسدسات , البلطات , السكاكين , السواطير " لزوم تنفيذ المجزرة المروّعة التي حصلت على مدى ثلاثة أيام ضد أهل المخيمين المدنيين العزّل .. كان القتل عشوائياً فلم يميّز بين الفلسطينيين واللبنانيين من النساء والأطفال والمسنين والمرضى، نُفّذت المجزرة بوحشية دلّلت عليها الأشلاء المنتشرة بين الأزقة، والأجنّة التي انتزعت من الأرحام المبقورة و تركت بين الركام , رائحة الدماء تزكم الأنوف .. جثث منتفخة وأخرى مشوّهة كان من الصعوبة التعرف عليها إثر انتهاء المجزرة بعد ثلاثة أيام بلياليها وفك الحصار و انسحاب المجرمين من المخيمين ومستشفى عكا - المحاذية لهما – التي اختُطِف منها العديد من الممرضين والكادر الطبي وتمت تصفيتهم حتى لا يكونوا شهوداً على الجريمة النكراء بحق اللاجئين العزّل بإشراف مباشر من شارون و إيلي حبيقة – مسؤول مليشيات حزب الكتائب حينها - .. ُقدّر عدد ضحايا المجزرة بين " 3000 و 7000 " شهيد وشهيدة -فلسطيني ولبناني - , لم يُعرف العدد الحقيقي للضحايا نتيجة تعدد الجهات التي دفنتهم .. فالمجرمون دفنوا البعض بمقابر جماعية أو تحت أنقاض البيوت المدمرة لإخفاء معالم الجريمة البشعة.. والبعض الآخر دفنهم الأهالي و الصليب الأحمر.. إضافة لاختطاف المئات الذين تم اقتيادهم لأماكن مجهولة ولم يعرف مصيرهم حتى الآن رغم مرور عشرات السنين على جريمة لم يُعاقَب مرتكبوها نتيجة القصور الدولي بملاحقة الجُناة والتحقيق معهم وتقديمهم للمحاكم لينالوا عقابهم , و رغم تشكيل المحامي والسياسي الأيرلندي شون ماكبرايد و مجموعة رجال قانون من " أمريكا , بريطانيا , فرنسا, ألمانيا , أيرلندا " لجنة تحقيق مستقلة آنذاك " لجنة ماكبرايد " و إصدار التقرير الذي يفضح الممارسات الصهيونية وخرق القانون الدولي و تحميلها المسؤولية القانونية والتخطيط و التحضير للمذابح وتسهيل مهمة التنفيذ للميليشيات اللبنانية الطائفية وجيش لبنان الجنوبي العميل, لكن الجهات الدولية المعنية بالمتابعة والمحاسبة والعقاب لم تحرك ساكناً و تجاهلت الموضوع كما طَوَتْ القوات الصهيونية التحقيق الداخلي ولم تحاسب الضباط الإسرائيليين المشاركين بالمذبحة !.. و في العام 2001 رفع ناجون من المجزرة "فلسطينيون ولبنانيون " دعوى لدى القضاء البلجيكي ضد شارون وغيره من المجرمين، لكن ضغط اللوبي الصهيوني ساهم بتغيير القانون البلجيكي تفادياً لقبول القضية وبهذا نجا المتورطون من العقاب كون الضحايا فلسطينيين ولبنانيين !..
طبعاً لم تكن مجزرة " صبرا وشاتيلا " هي الأولى ولا الأخيرة بل سبقها و تلاها مئات المجازر على يد العصابات الصهيونية بحق أبناء الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجده ومنها " 50 " مجزرة فترة النكبة " 1947 -1948 " , وعلى سبيل المثال لا الحصر مجزرة دير ياسين ,الدوايمة , عيلبون , قبية , كفر قاسم , الطنطورة , خان يونس , يافا , مخيم جنين ,و غيرها من المذابح التي حصلت بعيداً عن الإعلام والتصوير الذي يكشف مدى الإجرام والإرهاب الذي يتعرض له المدنيون الفلسطينيون على يد الإرهابيين الصهاينة لهذا طُمست العديد من الجرائم نتيجة لذلك !. والتي أكثرها دموية هي المجازر المتتالية في غزة منذ ما يقارب 3 سنوات حيث أخذت طابع الإبادة الجماعية والتطهير العرقي واستخدام مصايد الموت التي اتبعتها الحكومة الصهيونية بحق المجوّعين طالبي المساعدات.. وقد تجاوز عدد الشهداء " 75" ألفاً منهم أكثر من" 20 " ألف طفل إضافة لفقدان " 9 " آلاف مدني تحت الأنقاض , مازالت المجازر مستمرة حتى اليوم مع نجاة المجرمين من العقاب الرادع رغم نقلها على الهواء مباشرة بالصوت والصورة كشاهد دامغ على تلك الجرائم !.. بل على عكس المأمول فقد عوقب مسؤولون بالمحكمة الجنائية والعدل الدولية بسبب قرار ملاحقة نتنياهو كمجرم حرب مسؤول عن الإبادة الجماعية للفلسطينيين !..
• شهادة حية :
هل تقتصر صفة ضحايا المجازر على من قتلوا وسط الحدث ؟ أم يمكن اعتبار من قضوا نحبهم بسببها أيضاً – ضحايا - ؟ تساؤل مشروع طرحته إحدى السيدات الفلسطينيات بعد فقدان والدها بسبب رؤيته مجزرة " صبرا وشاتيلا " عبر التلفاز .. وتقول :" كنت أتابع الأخبار مع والديّ وعند نقل المشاهد المروّعة للضحايا عبر الأزقة وإذ بوالدي ينتفض وتصيبه حالة من الرجفة بكامل جسمه والتواء شقه الأيمن من الوجه ولم يعد يستطيع الكلام ثم أغمي عليه .. ومن لحظتها بدأت رحلة العلاج بين سورية والاتحاد السوفييتي لاستعادة صحته - دون جدوى - وكان يذرف الدموع باستمرار .. لكن القدر كان أقوى وقضى نحبه يوم 17 /8/1983 أي بعد عام بالضبط من الجريمة النكراء .. ومن لحظتها احتسبته شهيداً كونه أحد ضحايا المجزرة .. رحمه الله مع كافة الشهداء !..

