Menu

بريطانيا والكيان الصهيوني: خطوات ناقصة بلا فوائد عملية واعتذار طال غيابه

عشتار حيفاوي

في الثامن من أيلول 2026، أعلن وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أمام مجلس العموم حزمة إجراءات غير مسبوقة ضد الكيان الصهيوني: حظر استيراد سلع المستوطنات، منع الشركات البريطانية من تقديم خدمات لها، رفض أي تراخيص أسلحة جديدة "تساهم ماديًّا في احتلال الضفة الغربية"، ووصف الاحتلال بأنه "غير قانوني" وتوجيه تهمة للمستوطنين بارتكاب "التطهير العرقي". وفي مساء اليوم نفسه، ردّ وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر بأربعة إجراءات انتقامية: إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية خلال 30 يومًا، طرد الممثلين البريطانيين من مركز التنسيق الأمريكي بشأن غزة، إنهاء مشاركة بريطانيا في تدريب قوات أمن السلطة الفلسطينية، ومنع دخول 12 مسؤولًا بريطانيًّا بينهم جيريمي كوربين. القنصلية البريطانية في القدس ليست مكتبًا عاديًّا، إذ يعود وجودها إلى العام 1839، وتعمل منذ اعتراف بريطانيا بفلسطين كسفارة فعلية لها.

بعد إعلان دولة الكيان في آب ٢٠٢٦ عن مناقصة لبناء ١،٢٣٤ وحدة استيطانية في منطقة (E1) شرق القدس، وهي المنطقة التي تقطع اتصال الضفة الغربية وتحول دون قيام دولة فلسطينية متصلة، والذي وصفه ميليباند بأنه "تجاوز لخط أحمر"، وقّع أكثر من ١٤٠ نائبًا عماليًّا خطابًا يطالب بمنع التبادل التجاري مع المستوطنات، استعدادًا لطرح مذكرة في مؤتمر الحزب. لذا لم يكن اختيار توقيت الإعلان قبل انعقاد المؤتمر مصادفة، في ظل الأزمات الداخلية وحاجة رئيس الوزراء البريطاني إلى إثبات جدارته. أما الدافع الثالث فكان دبلوماسيًّا: إنقاذ حل الدولتين قبل انهياره.

رغم أن الحزمة غير مسبوقة خطابيًّا، لكن أثرها المادي يكاد يكون معدومًا، حيث لم يتجاوز استيراد بريطانيا في العام الأخير 6 ملايين جنيه إسترليني من السلع المسجلة كفلسطينية المنشأ والتي تشمل سلع المستوطنات. والخطوة كما وصفها دبلوماسيون بريطانيون "بادرة رمزية إلى حد كبير" ومليئة بالثغرات، ومن أهمها ثغرة F-35 التي لا تزال مفتوحة، ولا تزال تسمح لشركات بريطانية بتصدير قطع طائرات تُستخدم في قصف غزة.

ورغم أن فرنسا وكندا أعلنتا خطوات مماثلة، فإن الرد الإسرائيلي كان انتقائيًّا ضد بريطانيا وحدها، لأن بريطانيا كانت تاريخيًّا الراعي الأول لفكرة إنشاء دولة الاحتلال، بدءًا من وعد بلفور، وهي اليوم "الحليف الأقرب" بعد الولايات المتحدة، ما يجعل هذا الشرخ في العلاقة أكثر إيلامًا على المستوى الرمزي. وقد جاء هذا التحرك في إطار بيان مشترك صادر عن تحالف يضم، إلى جانب بريطانيا، ١١ دولة غربية أخرى، أعلنت الدول عزمها فرض قيود وطنية أو دعم قيود داخل الاتحاد الأوروبي لحظر استيراد السلع والخدمات القادمة من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية، لعدم قانونيتها بموجب القانون الدولي. وقد شكّل ذلك فشلًا استخباراتيًّا ودبلوماسيًّا إسرائيليًّا، إذ فوجئت دولة الاحتلال به، باعتراف يائير لابيد.

على الجانب الآخر، فإن استطلاعات الرأي الانتخابية في الداخل الإسرائيلي قبل الأزمة أظهرت تقدّم غادي آيزنكوت على نتنياهو: ٢٢ إلى ٢٤ مقعدًا مقابل ٢١ إلى ٢٣ مقعدًا لحزب الليكود، في حين حصلت كتلة نتنياهو على ٥٢ مقعدًا، أي بعيدًا عن أغلبية ٦١ مقعدًا. لكن ما يجمع عليه جميع المرشحين البارزين في الكتل، رغم الانقسامات الحادة، هو رفضهم التام لقيام دولة فلسطينية، كما أن الحرب نفسها ليست قضية خلافية ولا ذات أهمية انتخابية، ولا أحد يتحدث عن إنهاء الاحتلال كخيار. وفي كل السيناريوهات المطروحة، سواء حكومة وحدة، أو فوز نتنياهو بخطاب "التهديد الخارجي"، أو فوز المعارضة بلا أغلبية، أو التأجيل، ليس هناك أي شريك إسرائيلي للسلام مستعد للتحرك باتجاه إنهاء الاحتلال في ضوء العقوبات البريطانية.

فقد دانت العديد من المؤسسات الرسمية في بريطانيا (مجلس نواب اليهود البريطانيين، والمجلس القيادي اليهودي في بريطانيا، والحاخام الأكبر إفرايم ميرفيس) خطوات الحكومة البريطانية، محذرة من أن تصبح هذه القرارات مقاطعة فعلية للكيان، ومن أنها "تمنح شرعية لمن يرفضون وجود إسرائيل". أما ميليباند نفسه، وهو يهودي بريطاني، فردّ بأنه يرفض الاتفاق مع الحاخام الأكبر، رغم احترامه الشخصي له، مضيفًا أن أي شخص يحمّل اليهود البريطانيين مسؤولية أفعال الحكومة الإسرائيلية "يمارس معاداة السامية، ببساطة". فمن الجانب الآخر، أعلن حاخامات بارزون من التيارين التقدمي والمحافظ دعمهم الصريح للعقوبات، وهو ما يؤكد "عدم وجود نهج يهودي بريطاني موحد تجاه الكيان".

قُدّمت عريضة قانونية في أيلول ٢٠٢٥، مؤلفة من أربعمائة صفحة، من ٤٥ نائبًا ولوردًا إلى مكتب رئيس الوزراء، توثّق انتهاكات بريطانيا للقانون الدولي في فلسطين بين عامي ١٩١٧ و١٩٤٨، والتي شملت القتل والتعذيب والتهجير وهدم المنازل، وتطالب باعتذار رسمي وتعويضات "ذات مغزى". إلا أنها، بعد مرور عام كامل، لا تزال مهملة بلا رد.

والمفارقة الكبرى هي أن بريطانيا مستعدة لوصف الاحتلال الحالي بأنه "غير قانوني"، لكنها غير مستعدة للاعتراف بجرائمها التاريخية التي مهّدت له. فهي تطالب الكيان الصهيوني بالامتثال للقانون الدولي، بينما ترفض هي نفسها الاعتراف بخرقها له. هذا ليس إهمالًا، بل اختيار سياسي واضح، لأن الاعتذار قد يفتح الباب أمام مطالب كثيرة بالتعويضات في فلسطين وغيرها.

في المحصلة، الخطوة البريطانية إيجابية لأنها تكسر حاجز الصمت بعد عقود من التواطؤ. لكنها تبقى غير كافية لأنها رمزية فحسب، فهي لا تزال تترك ثغرات، أهمها تصدير قطع غيار F-35 التي تؤكد استمرارية التواطؤ، ولا تتضمن اعتذارًا عن وعد بلفور. والأهم أن هذه الخطوة، بعد كل هذه الدماء، تبدو أقل من متواضعة، خصوصًا في غياب أي شريك إسرائيلي مستعد للسلام. فالاعتذار عن بلفور ليس ترفًا أخلاقيًّا، بل شرط أساسي لأي دور بريطاني ذي مصداقية. وبدون هذا الاعتراف، تظل كل الخطوات الأخرى هيكلًا بلا أساس. وهذا ليس سؤالًا أكاديميًّا، بل سؤال عن المسؤولية والذاكرة والعدالة التي تأخرت كثيرًا.