Menu

السلطة الفلسطينية بين فكي كماشة الإقصاء والانتظارية

جمال زقوت

أزمة السلطة الفلسطينية، والنظام السياسي السياسي برمته، ليست مجرد أزمة أداء أو خلاف على السياسات، بل أزمة أعمق تتصل بالمنطق الذي تُدار به السلطة نفسها. فمن جهة، تتواصل سياسة إقصاء القوى السياسية والاجتماعية الحية، وتضييق المجال العام، وترسيخ الانفراد بالقرار الوطني؛ ومن جهة أخرى، يجري التعويل على متغير خارجي، ولا سيما احتمال تبدل الحكومة الإسرائيلية، وكأن مستقبل القضية الفلسطينية يمكن أن يتحدد بما ستفرزه صناديق الاقتراع في إسرائيل.

هذان المساران ليسا منفصلين، بل وجهان لسياسة واحدة؛ إبقاء الوضع القائم وتأجيل استحقاق التغيير، بحيث يتحول غياب البديل إلى مبرر لاستمرار الموجود. وكلما ضاق المجال أمام الفعل السياسي الفلسطيني، اتسعت مساحة الانتظار لما قد يحدث في الخارج، فأصبح الإبقاء على الوضع القائم خيارًا أبديًا.

يبدو أن الدائرة المهيمنة على القرار الوطني تراهن على أن إقصاء القوى السياسية والمجتمعية القادرة على التأثير سيجعل السلطة أكثر قبولاً لدى واشنطن وتل أبيب. وبذلك يتحول الحفاظ على بقاء السلطة والممسكين بمفاصلها إلى هدف يعلو على الغاية التي أنشئت من أجلها. لكن السلطة لا تُقاس بقدرتها على البقاء، بل بقدرتها على تمثيل شعبها وحماية مصالحه وتعبئة قدراته. فعندما يصبح البقاء غاية بذاته، تبدأ المؤسسة بفقدان معناها السياسي.

الإقصاء واستنزاف الداخل

تكمن خطورة الإقصاء في أنه لا يستبعد خصوماً سياسيين فحسب، بل يستنزف البيئة التي تستمد منها أي سلطة قدرتها على الصمود والتجدد. فإبعاد الفصائل والقوى والشخصيات المستقلة، وتهميش المجتمع المدني والشباب والنساء والكفاءات، يحوّل المجال السياسي تدريجياً إلى دائرة مغلقة تتقلص فيها القدرة على المبادرة والاستجابة. وهنا تتشكل مفارقة خطيرة: كلما ازداد الخوف من التغيير، توسعت سياسة الإقصاء؛ ومع اتساع الإقصاء تراجعت الثقة، فازداد الخوف من فتح المجال السياسي. وهكذا تتحول الأزمة إلى حلقة مفرغة تستنزف الشرعية بدلاً من تجديدها.

وهذا أحد أبرز مظاهر البنية المتآكلة؛ مؤسسات قد تبقى قائمة من الناحية الشكلية، لكنها تفقد تدريجياً قدرتها على إنتاج الشرعية، واستيعاب التعدد، وتوليد المبادرة، واستعادة ثقة المجتمع. واتساع الفجوة بين المؤسسة والمجتمع يجعل استعادة المعنى أهم من الحفاظ على الشكل.

الانتظارية التي تكمل الإقصاء

في الخارج، يأتي الرهان على أن تغييراً في إسرائيل قد يفتح الطريق أمام مسار أو حل مختلف. ولا شك أن نتائج الانتخابات الإسرائيلية مهمة، لكن تحويلها إلى أساس للاستراتيجية الفلسطينية يعني تعليق الفعل الفلسطيني على إرادة الطرف الآخر.

فالإجماع الصهيوني، رغم الاختلافات الحادة بين اليمين المتطرف ويمين الوسط وبعض مكونات ما يسمى باليسار، لم يتحول إلى إجماع على إنهاء الاحتلال والاعتراف بالحقوق الوطنية الفلسطينية. قد تتغير الحكومات، وقد تتبدل اللغة والأساليب، لكن قضايا الأرض و القدس والاستيطان والسيادة وتقرير المصير وحق العودة لا تُحسم بمجرد انتقال السلطة من ائتلاف إلى آخر. فالسياسة الفلسطينية لا يجوز أن تكون رهينة للتحولات داخل إسرائيل. التحول الإسرائيلي قد يفتح نافذة، لكنه لا يصنع وحده الاستراتيجية الفلسطينية.

ومن هنا يتضح الترابط الجدلي بين المسارين: حين تعجز السلطة عن إنتاج مبادرة فلسطينية، يصبح انتظار التحول الإسرائيلي بديلاً عنها؛ وحين تُقصى القوى القادرة على إنتاج هذه المبادرة، تصبح الانتظارية أكثر سهولة. الإقصاء يغذي الانتظارية، والانتظار يعيد إنتاج الإقصاء.

ماذا بعد الانتخابات الإسرائيلية؟

أياً تكن نتائج الانتخابات الإسرائيلية، ستبقى أمام الفلسطينيين احتمالات متعددة. قد تستمر حكومة يمينية متشددة في مشروع الضم والاستيطان وإدارة الصراع بالقوة الغاشمة. وقد تأتي حكومة أقل تشدداً في خطابها دون تحول جوهري في طبيعة الصراع. وقد تفتح تحولات سياسية أو أمنية داخل إسرائيل نافذة لمسار مختلف، لكنه سيظل غير جوهري، وفي كل الأحوال لن يتحول تلقائياً إلى فرصة فلسطينية. فالنافذة السياسية تحتاج إلى طرف فلسطيني قادر على طرقها، ورؤية واضحة، وشرعية شعبية ومؤسساتية تمكنه من التعامل والمواجهة.

وهنا تظهر كلفة الانتظارية. فإذا ظل الفلسطينيون ينتظرون ما ستقرره إسرائيل، فقد يجدون أنفسهم في حالة من الضعف والانقسام والتآكل المؤسسي، عاجزين عن تحويل الفرصة إلى مكسب سياسي. فالفرص الخارجية لا تعوّض غياب القدرة الداخلية.

البنية المتآكلة والثمن الوطني

المشكلة، إذًا، ليست في القرارات المنفردة التي تتخذها السلطة بقدر ما تكمن في أثرها التراكمي على بنيتها ذاتها. فالإقصاء يضعف الشرعية، والانتظارية تضعف المبادرة، وتآكلهما يضعف القدرة على مواجهة الضغوط الخارجية، ويدفع إلى مزيد من الاحتماء بالوضع القائم والإقصاء. وهكذا تتحول الأزمة من أزمة سياسة إلى أزمة بنيويِّة. والبنية السياسية التي لا تتجدد من الداخل تصبح أكثر هشاشة أمام التحولات من الخارج. وما يبدو استقراراً قد يكون، في جوهره، تأجيلاً لأزمة أكبر تتراكم تحت السطح.

فلسطين أمام استحقاق مختلف

الخروج من هذه الحلقة لا يحتاج إلى انتظار نتائج الانتخابات الإسرائيلية، بل إلى قرار فلسطيني بإعادة بناء القدرة على الفعل. وهذا لا يعني إلغاء السلطة أو استبدال طرف فلسطيني بآخر، بل إعادة وضعها في مكانها داخل النظام السياسي، وتجديد شرعيتها، وبناء مؤسساتها على أساس الشراكة والمساءلة والتعددية.

المطلوب وفاق وطني لا يلغي الاختلاف، بل ينظمه في إطار سياسي مشترك؛ وتعددية لا تتحول إلى محاصصة، بل تفتح المجال أمام القوى السياسية والاجتماعية للمشاركة في صياغة المستقبل؛ وتجديد للشرعية عبر انتخابات تعيد للمؤسسات معناها التمثيلي وقدرتها على القرار.

القضية الفلسطينية لا تعاني نقصاً في الطاقات، بل في القدرة على جمعها وتحويلها إلى قوة سياسية مؤثرة. ولا يمكن أن تنتجها دائرة مغلقة تخشى التغيير، ولا استراتيجية تنتظر التغيير من خارجها.

المطلوب ليس إنقاذ الوضع القائم، بل إنقاذ القدرة الفلسطينية على صناعة المستقبل. وهذا يبدأ بكسر الحلقة التي تربط الإقصاء بالانتظارية: فتح المجال الداخلي لاستعادة حيوية السياسة، واستعادة الشرعية كي تصبح السلطة أداة للفعل الوطني، وإنهاء انتظار ما ستفعله إسرائيل كي يحدد الفلسطينيون ما يريدون فعله.

ويبدو أن الاتجاه العام يمضي نحو تأجيل، أو بالأحرى «إلغاء»، الانتخابات التشريعية. ولكي لا يتحول هذا التأجيل إلى محطة جديدة في مسار التآكل الوطني، كما حدث مع تأجيل انتخابات عام 2021، لا بد من الالتفاف حول خارطة الطريق التي تضمنتها مبادرة الجبهة الشعبية، والبدء الفوري بحوار جاد للتوافق على حكومة وفاق وطني قادرة على مواجهة تحديات المرحلة الراهنة، والعمل في الضفة الغربية وقطاع غزة انطلاقاً من أولويات الإجماع الوطني التي تضمنها إعلان بكين، وعدم السماح بالانفراد في إدارة السياسة الوطنية كما حدث على مدار السنوات الماضية، وخاصة خلال حرب الإبادة المستمرة.

القضية الفلسطينية تقف اليوم عند مفترق طرق: إما أن تنجح في تجاوز حالة الضعف والتآكل واستعادة القدرة على الإمساك برافعتي الصمود والوحدة الوطنية، وإما أن يستمر هذا المسار بما قد يفضي إلى إخراج القضية تدريجياً من دائرة الاهتمام الدولي، وحشرها باعتبارها مجرد قضية إسرائيلية داخلية، أو، في أحسن الظروف، وضعها تحت وصاية دولية مشوهة في إطار ما يسمى «مجلس السلام» الذي طرحه ترامب، بما قد يفتح الباب أمام امتداد هذه الوصاية إلى الضفة الغربية أيضاً.

المسألة ليست، مَن سيحكم إسرائيل بعد الانتخابات؟ بل، هل سيكون الفلسطينيون، عندما تتغير الظروف، قادرين على أن يكونوا طرفاً في صناعة ما سيأتي؟ هذه هي نقطة الاختبار للسلطة وللنظام السياسي الفلسطيني كله..