Menu

في الذكرى الـ(33) لتوقيع اتفاقات أوسلو: الضفة مهددة بالضم والتهجير وغزة تعيش صراع البقاء

عليان عليان

تحلّ الذكرى الـ(33) لاتفاقات أوسلو المشؤومة، والقضية الفلسطينية تمرّ في أقسى مراحلها، سواء على صعيد الضم والتهجير في الضفة الغربية (أوّلًا)، و(ثانيًا) على صعيد تدمير ما تبقى من حياة في القطاع بعد أن استولت قوات الاحتلال على أكثر من 65 في المائة من مساحتها تحت عنوان المنطقتين الصفراء والبرتقالية، واستمرار شلال الدم في القطاع، رغم وقف إطلاق النار المزعوم، وانعدام سبل الحياة فيه منذ أكتوبر 2025، في الوقت الذي تراقب فيه سلطة الحكم الذاتي المأساة، وهي تفرك أيديها فرحًا على أمل أن تحظى بحكم غزة بنفسها أو عبر أداتها "لجنة التكنوقراط"، وفي الوقت الذي بات فيه النظام العربي الرسمي يغيب مأساة القطاع بانتظار تصفية المقاومة، من خلال سكوته على عدم التزام حكومة العدو بما هو مطلوب منها في المرحلة الثانية من خطة ترامب المشبوهة، وعدم اتخاذه أي خطوة عملية في مواجهة استمرار حرب الإبادة في قطاع غزة، حيث تجاوز عدد الشهداء في قطاع غزة منذ بدء العدوان في 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023 الـ73,669، والجرحى إلى 174,652، فيما بلغ عدد الشهداء منذ اتفاق وقف إطلاق النار في 11 أكتوبر، 1,358 شهيدًا.

المقاومة في غزة: تنازلات في التكتيك وثبات على الاستراتيجية

لكن بالمقابل، رغم سكوت السلطة عمليًّا على ما يحدث في الضفة من استيلاء العدو على ما يزيد عن (42) في المائة من الضفة، ورغم استمرارها في نهج التنسيق الأمني ومحاولتها تسيير مظاهرات في القطاع لإضعاف الحكومة والمقاومة فيها، ورغم استمرار حرب الإبادة في قطاع غزة، لم ترفع المقاومة الراية البيضاء وظلت ملتزمة بنهج المقاومة، رغم بعض المواقف التكتيكية التي تستدعيها إدارة الصراع لمواجهة الحصار متعدد الأطراف، في ضوء الجغرافيا السياسية الخانقة.

وقد تمثلت هذه التنازلات التكتيكية باستعداد حكومة حماس تسليم السلطة للجنة التكنوقراط (اللجنة الوطنية لإدارة قطاع غزة)، وكذلك في اتفاق القاهرة الأخير في 29 يوليو/تموز الماضي، الذي قبلت فيه المقاومة بتخزين سلاحها، مقابل التزام العدو بوقف حرب الإبادة وبتنفيذ البروتوكول الإنساني الوارد في المرحلة الثانية من خطة ترامب، والذي ينص على فتح المعابر وإيصال المواد الغذائية والمواد والمعدات الطبية وآلاف الكرافانات والخيام والمعدات اللازمة لرفع الأنقاض بحثًا عن رفات عشرات الآلاف من الشهداء.

نحو إسقاط نهج أوسلو وإعادة الاعتبار لنهج المقاومة في الضفة الغربية

الحديث عن اتفاقات أوسلو أشبع بحثًا وتمحيصًا عبر آلاف الدراسات والمقالات وعشرات الندوات والمؤتمرات، منذ توقيعها في الثالث عشر من أيلول عام 1993، وبالتالي تبقى مهمة الحركة الوطنية الفلسطينية: إعادة الاعتبار لنهج المقاومة وحماية أبناء شعبنا الذي يرزح تحت مطرقة الاحتلال وسندان السلطة، والعمل على إشعال انتفاضة جديدة في ضوء توفر كامل عوامل اندلاعها، وكذلك إسقاط هذه الاتفاقيات المشؤومة، جراء ما تضمنته من أخطار وما نجم عنها من تداعيات لاحقة، ما جعلها تشكل محطة لتصفية القضية الفلسطينية، وليس محطة للنهوض الوطني الفلسطيني، تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية مستقلة وفق المبررات الزائفة للقيادة المتنفذة.

وبهذا الصدد يمكن الإشارة إلى الدور الخطير لقيادة السلطة وللقيادة المتنفذة في منظمة التحرير الرافض والمعادي لمعركة طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر 2023، وصمتها على حرب الإبادة الجماعية في قطاع غزة، والتزام السلطة بنهج التنسيق الأمني ونيابتها عن الاحتلال، في ضرب المقاومة في الضفة الغربية، لا سيما في جنين عندما حاصرت قوات أمن السلطة مخيم جنين لمدة (45) يومًا واشتباكها مع رجال المقاومة في المخيم حتى نفذت معظم ذخائرهم، ما سهل مهمة العدو لاحقًا في اقتحام مخيم جنين وبقية مخيمات الشمال في طولكرم (مخيم طولكرم ومخيم نور شمس) ومخيم الفارعة في محافظة طوباس.

والتطور الأخطر أن هذه السلطة منعت اندلاع انتفاضة جديدة في الضفة لتخفيف الضغط عن قطاع غزة، حين لاحت مقدمات هذه الانتفاضة عبر المظاهرات الكبيرة التي عمت رام الله وبقية الضفة الغربية عندما قصف العدو المستشفى المعمداني، حيث زجت السلطة بمئات المعتقلين في سجونها.

وفي الذاكرة التي لا تمحى كيف التزمت السلطة بشكل صارم بخطة خارطة الطريق التي وعد فيها الرئيس بوش الابن بقيام دولة فلسطينية عام 2005، ضمن معادلة التزام السلطة بسحب سلاح فصائل المقاومة، مقابل التزام الكيان الصهيوني بوقف الاستيطان، ففي حين التزمت السلطة الفلسطينية بما هو مطلوب منها، لم تلتزم (إسرائيل) بما هو مطلوب منها.

وعندما حل عام 2005، تنكر بوش الابن لوعده بقيام دولة فلسطينية، وقام بإصدار وعد مضاد ينص على عدم عودة قوات الاحتلال إلى حدود 1967، ورفضه لحق العودة للاجئين ولحق تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

لقد فتحت اتفاقية أوسلو الباب أمام مشاريع تفريطية متعددة بحق العودة، وتطرح بدائل التوطين والتأهيل مثل: وثيقة جنيف، خطة خارطة الطريق، وسري نسيبة-أيلون، والفقرة المتعلقة باللاجئين في مبادرة السلام العربية التي تخضع حق العودة للمساومة وصولًا إلى صفقة القرن الترامبية التي طرحت حل القضية الفلسطينية من خلال الجانب الاقتصادي عبر تحسين ظروف الفلسطينيين اقتصاديًّا وليس من خلال الاستجابة للحقوق الوطنية التاريخية للشعب الفلسطيني.

مشروع الضم والتهجير

أولًا: أوسلو ومشتقاتها شكلت غطاءً للتهويد والاستيطان

في الذكرى الـ(33) لاتفاقيات أوسلو، لا بد من الإشارة إلى أن اتفاقيات أوسلو وما تفرع عنها لاحقًا شكلت غطاءً للتهويد والاستيطان، عندما رحلت قضيتي الاستيطان و القدس إلى مفاوضات الحل النهائي، دون أن تسندهما بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة التي تعتبر الاستيطان وضم القدس غير شرعي وباطل قانونيًّا.

لقد بلغ إجمالي عدد المستوطنات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة نحو 592 تجمعًا استيطانيًّا حتى منتصف عام 2026، تشمل 200 مستوطنة و392 بؤرة استيطانية وفقًا لتقارير هيئة مقاومة الجدار والاستيطان.

تضاعف عدد المستوطنين في الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 بأكثر من ثلاث مرات وارتفع من 252000 قبل أوسلو إلى حوالي 834000 مستوطن اليوم؛ أكثر من نصفهم يعيشون في القدس ومحيطها.

ووفق تقرير مركز الأبحاث التابع لموقع عرب 48، فإن مساحة الأراضي التي تم الاستيلاء عليها لصالح المشروع الاستيطاني، والتي كانت تبلغ مساحتها قبل اتفاق أوسلو حوالي 136000 دونم، أصبحت حوالي 500000 دونم، أي بزيادة قدرها حوالي 368% مقارنة بما كانت عليه.

كما أنجزت حكومة العدو جدار الضم والتهجير العنصري، البالغ طوله (780) كيلو متر تقريبًا، وهذا الجدار يتلوى في مناطق الضفة الغربية، بهدف ضم كل الكتل الاستيطانية للكيان الصهيوني، ويعزل الجدار (37) تجمعًا فلسطينيًّا يقطنها (300) ألف فلسطيني، من ضمنهم (50) ألف فلسطيني تم إخراجهم خارج بلدية القدس الصهيونية، ويحاصر (173) تجمعًا فلسطينيًّا.

العدو الصهيوني يلقي باتفاقيات أوسلو في سلة المهملات

لقد أخذ العدو الصهيوني من اتفاقات أوسلو وبقية الاتفاقيات الأخرى، ما يريده منها وأبقى فقط على التنسيق الأمني، وحصر دور السلطة في أن تكون مهمتها الرئيسة وكيلًا أمنيًّا للاحتلال، وإعفاء الاحتلال من القيام بالمهام ذات الطابع الخدمي في المجالات الصحية والتعليمية والخدمية إلخ، ثم ألقى بها في سلة المهملات.

أخذ منها اعتراف قيادة المنظمة بحق الكيان الصهيوني في الوجود، وأخذ منها نبذ الإرهاب (المقاومة)، وأخذ منها ترحيل قضايا الصراع الرئيسة (المستوطنات، القدس، اللاجئين، الحدود والمياه) إلى مفاوضات الحل النهائي دون إسنادها بقرارات مجلس الأمن ذات الصلة، ما مكن العدو من تهويد القدس ومصادرة عشرات الألوف من الدونمات، وأخذ منها قبول المفاوض الفلسطيني بتقسيم الخليل، ومنحه للجانب الصهيوني السيطرة على البلدة القديمة التي يوجد بها الحرم الإبراهيمي، وأخذ منها في اتفاقيات (أوسلو 2) 1995 السيطرة الكاملة على المنطقة (ج) التي تبلغ مساحتها (60) في المائة من مساحة الضفة الغربية والتي تحتوي على كافة أحواض المياه الرئيسة، وتضم معظم الكتل الاستيطانية.

عناصر ضم الضفة الغربية وعناوينها وأدواتها

بعد أن فرغت حكومة العدو من دفن اتفاقيات أوسلو، باشرت بخطة الضم في السياق القانوني الصهيوني الكولونيالي، وبتنفيذ أدوات الضم على النحو التالي:

السياق الكولونيالي للضم:

أولًا: مصادقة الكنيست الصهيوني في 23 يوليو/تموز الماضي على مقترح يدعو إلى فرض "السيادة الإسرائيلية" على الضفة الغربية المحتلة -بما في ذلك غور الأردن– بأغلبية 71 صوتًا مقابل 13 معارضًا فقط.

ثانيًا: مصادقة ما يسمى (مجلس الوزراء الأمني الإسرائيلي) "الكابينت"، بتاريخ 9 فبراير/شباط 2026، على سلسلة قرارات تهدف إلى تغيير الواقع القضائي والمدني في الضفة الغربية المحتلة، وتعميق السيطرة الإسرائيلية في المنطقة من خلال ما يلي:

1- الكشف عن سجلات الملكية الأردنية لمواطني الضفة الغربية إبان عهد الحكم الأردني.

2- إلغاء القانون الأردني الذي استمر العمل به بعد عام 1967، والذي كان يحظر بيع العقارات لليهود.

3- نقل صلاحيات التخطيط والترخيص في الخليل، من البلدية الفلسطينية إلى مؤسسات التخطيط التابعة للإدارة المدنية، وفصل مسجد بلال أو "قبة راحيل" في بيت لحم عن بلدية المدينة، عبر إنشاء "مديرية سلطة محلية"، باعتبار ذلك خطوة لضم منطقة قبة راحيل للكيان الصهيوني.

4- إعادة تفعيل لجنة شراء الأراضي التي توقف عملها قبل نحو 20 عامًا، ما يعني عودة حكومة العدو لتكون طرفًا مباشرًا وفاعلًا في سوق العقارات بالضفة الغربية.

5- توسيع صلاحيات الرقابة في مجالات المياه، والمواقع الأثرية، والمخاطر البيئية داخل مناطق أ و ب في الضفة الغربية، بحيث يصبح من صلاحيات حكومة العدو، إصدار أوامر بوقف الأعمال، وفرض غرامات، أو تنفيذ عمليات هدم لمنشآت قائمة، ويُعد هذا التطور تدخلًا مباشرًا في مجالات يُفترض، وفق اتفاق أوسلو، أن تخضع مدنيًّا لإدارة السلطة الفلسطينية، ومن ثم فإن هذا الإجراء يشكل شطبًا لآخر سطر في اتفاقيات أوسلو.

هذه القرارات هي الأخطر منذ عام 1967، ووفق صحيفة يديعوت أحرونوت وتصريحات مجلس المستوطنات، تُعد هذه القرارات مفصلية لأنها لا تكتفي بتوسيع الاستيطان، وإنما تغيّر أنظمة الأراضي والشراء والهدم بشكل شامل، بما يرسّخ السيادة الإسرائيلية بحكم الأمر الواقع.

ثالثًا: نقل صلاحيات إنفاذ القانون للشرطة الصهيونية

إيعاز وزير الحرب الصهيوني "إسرائيل كاتس" في 14 أغسطس لجيش الاحتلال بإعداد خطة منظمة لنقل صلاحيات إنفاذ القانون، والتعامل مع المستوطنين في الضفة الغربية المحتلة إلى الشرطة الإسرائيلية، وبحيث تحل الشرطة الصهيونية محل الإدارة المدنية في الضفة الغربية التي يرأسها ضابط في جيش الاحتلال.

وينطوي هذا القرار – حسب مركز عدالة الفلسطيني وأوساط حقوقية أخرى- على أخطار عديدة منها:

1- الضم الفعلي الصامت للضفة، إذ إن نقل الصلاحيات لشرطة مدنية تعمل بموجب قوانين "الكنيست"، يعني التعامل مع الضفة كجزء من السيادة الإسرائيلية الداخلية، وليس كأرض محتلة تخضع للقانون الدولي الإنساني والإدارة العسكرية.

2- تعميق نظام الفصل العنصري (الأبارتهايد): فهذا القرار (الإجراء) يؤدي إلى تكريس نظامين قانونيين منفصلين في ذات البقعة الجغرافية؛ نظام مدني إسرائيلي يحكم المستوطنين ونظام عسكري صارم يطبق على الفلسطينيين.

3- يستهدف هذا الإجراء توسيع مصادرة الأراضي والاستيطان في إطار استراتيجية حكومة العدو المعلنة، وخلق المزيد من البؤر الاستيطانية، وتشريع البؤر الاستيطانية السابقة لتتحول إلى مستوطنات جديدة، وتسهيل شراء الأراضي.

بقي أن نشير إلى أن الاحتلال وبغطاء من اتفاقيات أوسلو تمكن من فرض سيطرته الفعلية على أكثر من 42% من مساحة الضفة الغربية، وأحكم قبضته على نحو 70% من المناطق المصنفة «ج»، فيما استحوذ على أكثر من 90% من مساحة الأغوار الفلسطينية، مستخدمًا منظومة معقدة من الأوامر العسكرية وإعلانات أراضي الدولة والمحميات الطبيعية والمناطق العسكرية المغلقة.