أسقف تشققت حوائطها، تتدلى من جنباتها أسياخ الحديد الملتوية، تلاحق الناجين من الإبادة في قطاع غزة، لكنها توصف برمقٍ أخيرٍ من الحياة، يقع بين جدرانٍ آيلةٍ للسقوط في أي لحظة، في مكان لم تترك الحرب متسعًا للنزوح، اضطر آلاف العائلات التي فقدت بيوتها كليًّا، إلى اتخاذ هذه المباني المترنحة والمهدمة مأوى أخير؛ يخوضون يوميًّا خيارًا أحلاهما مرار: إما العيش تحت خطر انهيار السقف فوق رؤوسهم، أو الالتحاق بعراء الخيام التي لا تقي حرًّا ولا قرًّا.
هذه المباني المتداعية تجاوزت كونها شواهد صامتة على ضخامة الدمار الذي خلفته الإبادة، إلى مصيدة موت موقوتة تتربص بالسكان مع كل صوت انفجار، وحتى مع حركة الرياح والأمطار، لتسجل مناطق متفرقة في القطاع حوادث انهيار متتالية تحصد أرواح العشرات بين الباحثين عن جدران تسترهم.
إن السكن بين هذا الركام فصلٌ جديد من معركة البقاء اليومية التي يخوضها غزيون حُرموا من أدنى مقومات الحياة ومواد البناء، ولم تقتصر كونها أزمة أفرزها دمار الحرب الشامل للبنية التحتية، ليصبح من يبقى حيًّا داخل بيتٍ متهدم يخوض مغامرةً قاسية تُكتب تفاصيلها كل ليلة تحت تهديد السقوط الوشيك.
فجر الأربعاء الماضي، فُجع قطاع غزة بحادث انهيار عمارة السعادة السكنية، والمكونة من 6 طوابق على رؤوس عددٍ من العائلات الذين اضطروا للإيواء بداخل جدرانها التي تصدّعت بفعل الحرب والعدوان، أكثر من 100 إنسان اتخذوا هذا المكان المدمّر ملجأ لعائلاتهم، سقطوا تحت هذه البناية التي سقطت بشكلٍ كاملٍ عليهم، حادثة أدّت لاستشهاد 21 مواطنًا وإصابة 14، ونجاة 12، فيما لا تزال عمليات البحث عن مفقودين مستمرة تحت أنقاضها.
وقال المشرف على ملف انتشال الضحايا في جهاز الدفاع المدني بغزة محمد أبو دان، إن طواقم الدفاع المدني تجري عمليات الإنقاذ باستخدام أدوات بدائية، للبحث عن ناجين وانتشال الضحايا من تحت الأنقاض.
وأوضح أبو دان، في تصريحات صحفية، أن البناية كانت قد تعرضت للقصف في وقت سابق، ما أدى إلى تصدع أساساتها وإضعاف بنيتها، قبل أن تنهار بشكل كامل.
وأضاف أن أكثر من 10 عائلات، يزيد عدد أفرادها على 70 شخصًا، لجأت إلى البناية في ظل عدم توفر أماكن إيواء، قبل أن تنهار عليهم فجر اليوم.
قنابل موقوتة تهدد آلاف العائلات
لا تشكل "عمارة السعادة" سوى رأس الجبل لظاهرة باتت تهدد سلامة عشرات الآلاف من المواطنين؛ إذ تشير المعطيات والتقديرات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي والدفاع المدني إلى وجود آلاف المباني والوحدات السكنية الآيلة للسقوط بشكل كلي أو جزئي في مختلف محافظات القطاع، باتت تُصنف قانونيًّا وفنيًّا كـ "مبانٍ غير صالحة للسكن ومشرفة على الانهيار".
ويأتي ذلك في الوقت الذي حذر فيه اتحاد البلديات في قطاع غزة من خطر انهيار آلاف المباني المتضررة في مختلف محافظات القطاع، فيما أشار المركز إلى تحذيرات الدفاع المدني من وجود مئات المنازل الآيلة للسقوط، ما يهدد بوقوع انهيارات جديدة، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء.
أكثر من 70% من العمران متضرر بين كليّ وجزئي
تكشف البيانات الصادرة عن المكتب الإعلامي الحكومي في قطاع غزة عن أرقام مهولة تعكس عمق الكارثة العمرانية؛ إذ تشير التقديرات الرسمية إلى أن أكثر من 70% من المباني والمنشآت السكنية في القطاع قد تعرضت لضرر كلي أو جزئي، ما يجعلها غير صالحة للسكن البشري بالمعايير الهندسية والأمنية.
وأوضح المكتب في بياناته الميدانية أن هناك عشرات الآلاف من الوحدات السكنية التي تصنف كـ "مبانٍ آيلة للسقوط وشديدة الخطورة"، يتركز معظمها في محافظتي غزة والشمال.
وأكد أن استمرار حصار المعابر يمنع دخول المواد الأساسية وخبراء التقييم العمراني، مما يُبقي نحو نصف مليون مواطن يعيشون في محيط هذه المنشآت المتهدمة، أو يقيمون داخلها قسرًا بانتظار حلول معدومة.
2000 مبنى آيل للسقوط
من جانبها، أكدت وزارة الأشغال العامة والإسكان أن الفحوصات الفنية الأولية التي أجرتها فرقها للمباني المتضررة تشير إلى أن الهزات الارتدادية الناتجة عن القصف المكثف أدت إلى "تعب ميكانيكي" في القواعد الخرسانية والأعمدة الرأسية للبنايات المتبقية.
وحذرت من خطورة الأوضاع الإنسانية والميدانية في قطاع غزة، في ظل وجود أعداد كبيرة من المباني المتضررة والآيلة للسقوط والتي يبلغ عددها أكثر من 2000 مبنى، وتراكم الركام، وصعوبة الوصول إلى عدد من المناطق، وما يرافق ذلك من مخاطر متزايدة على حياة المواطنين، خاصة مع اقتراب فصل الشتاء.
وشددت الوزارة على أن مواجهة هذه المخاطر تتطلب توفير الآليات والمعدات الثقيلة والوقود والمواد اللازمة، لتمكين الطواقم المختصة من إدارة وإزالة الركام، وفتح الطرق، وحصر الأضرار، ومعالجة مخاطر المباني المتضررة، إلى جانب مواصلة توفير حلول الإيواء المؤقت للعائلات النازحة والمتضررة.
وأشارت الوزارة في بياناتٍ لها إلى أن معظم المباني التي تعرضت لقصف مجاور فقدت قدرتها الإنشائية على تحمل الأحمال الجانبية والعمودية، ما يجعل انهيارها ممكنًا بفعل العوامل الجوية أو أي ثقل إضافي، فيما تصنف آلاف البنايات كمنشآت يلزم إزالتها فورًا لتشكلها خطرًا مباشرًا على المارة والنازحين، ويأتي هذا في ظل توقف مشاريع الإعمار والترميم بشكل كامل نتيجة منع دخول الأسمنت والحديد والأجهزة الهندسية الخاصة بفحص السلامة الإنشائية.
نداءات استغاثة بين العجز الرقمي والأيدي العارية
في هذا الإطار، أفاد جهاز الدفاع المدني بأن طواقمه تعاملت خلال الأشهر الأخيرة مع عشرات بلاغات الانهيار الجزئي والكلي لبنايات مأهولة بالنازحين، كان أبرزها فاجعة "عمارة السعادة".
وأكد الدفاع المدني أن قدرته الاستجابية تراجعت إلى أدنى مستوياتها بسبب خسارة أكثر من 80% من آلياته الثقيلة وحفاراته التي خرجت عن الخدمة بفعل الاستهداف المباشر أو انعدام قطع الغيار والوقود.
وحذر الجهاز من أن بقاء العائلات داخل هذه المباني يُعدّ بمثابة "انتحار قسري"، مناشدًا المؤسسات الأممية والدولية بالضغط لتوفير المعدات الثقيلة والمعدات الهيدروليكية لرفع الأنقاض، ومشددًا على أن الطواقم تُضطر لاستخدام الأدوات البدائية والأيدي العارية لإنقاذ العالقين، وهو ما يرفع نسبة الوفيات تحت الركام لتعذر إنقاذهم في الساعات الأولى للانهيار.
الخوف هنا مؤجلٌ، والبديل هو الشارع
المواطن أبو أحمد جندية، يتحدث لـ"بوابة الهدف" من أمام منزله المتآكل والذي كان يتألف من أربعة طوابق، قائلًا إن خياره هنا لم يكن للراحة، لكنه مضطر وعاجز أمام واقعٍ سدّت في وجهه كل المنافذ.
يقول جندية: "دمر الاحتلال منزلنا بالكامل في القصف الأول، ومسح معه كل ما نملك، رحلة النزوح بين الخيام أكلت أجساد الأطفال من الحر والبرد، واليوم لا نملك أثمن من كرامتنا كي نشتري خيمة جديدة أو ننساق وراء إيجاراتٍ خيالية لا أصل لها. لا كرفانات إيواء، ولا أفق لقريبٍ أو بعيد يحمل بذور إعادة الإعمار".
ويضيف جندية: "نعلم تمامًا أن السقف الذي يسترنا قد يصرعنا في أي لحظة كما حدث بكل أسف مع سكان عمارة السعادة قبل أيام، خاصة مع اقتراب الرياح والأمطار، لكن الموت تحت الركام أسرع وأحنّ من الموت المبطئ والمذل في الشارع. لم يعد لدينا ما نخسره، وتركنا مصيرنا وأقدارنا للوقت، فالبديل معدوم والوجع واحد".
"نعيش على كفّ القدر لأننا حُرِمنا الخيار"
في وسط مدينة خانيونس، تعيش الحاجة أم محمد العطار (58 عامًا)، التي تتخذ من بقايا غرفةٍ صامدة وسط بنايةٍ شبيهة بالهيكل العظمي مأوىً لأحفادها الأيتام، فتصف تفاصيل الليلة التي تحضن فيها صغارها عند كل جلبةٍ أو هزةٍ أرضية ناجمة عن انفجارٍ قريب.
تتحدث أم محمد لـ"بوابة الهدف": "بيتنا الشامخ الذي بنيناه حجرًا بحجر على مدار ثلاثين عامًا أُحيل إلى ركامٍ في ثوانٍ. عدنا بعد وقف إطلاق النار لنلتقط أنفاسنا، فوجدنا كل شيءٍ مدمرًا، ولم نجد شتاتًا يلملم أجسادنا سوى هذه الغرفة الهشة. لا تتوفر لدينا إمكانية لترميم جدار، فالأسمنت مفقود والحديد مقطوع، ولا وجود لأي حلول إيواءٍ مؤقتة تضمن لنا صون كرامة أطفالنا".
وتختم العطار كلماتها بالقول: "ننام كل ليلةٍ ونحن ندرك أننا ننام في أحضان خطرٍ محقق، ونعلم أن هذه الأبنية الموت بينها أقرب من الحياة، ولكن إلى أين نذهب؟ نحن لا نغامر بحياتنا عشقًا في الخطر، لكن الاحتلال وحصار المعابر وتأخر الإعمار سلبوا منا حق الاختيار، ولم يتركوا لنا سوى التعلق بالأمل وسط هذا الموت المؤجل".
يبقى أهالي قطاع غزة معلقين عند حواف الموت المتربص بهم تحت هياكل البنايات المترنحة، تدفعهم قسوة حرب الإبادة وانعدام خيارات الإيواء إلى مجازفة يومية تحكمها الأقدار بين ركامٍ متصدع وعراءٍ يسلب الكرامة، وفي ظل إصرار الاحتلال على إغلاق المعابر وتعمّد منع دخول مواد الإعمار ومستلزمات الترميم، تزداد حبل الفاجعة اشتدادًا حول رقاب عائلاتٍ باتت متروكة لمصيرها المفجع، تجابه مخاطر الانهيار الوشيك بأجساد أطفالها وصبرها العاري، في انتظار فرجٍ يتأخر عن إنقاذ أرواحٍ تعيش كل لحظةٍ على خط فاصل بين البقاء والغياب.

