كشفت الحرب مع إيران، مرة أخرى، عن الحجم الهائل للوجود العسكري الأمريكي في منطقة الخليج والأردن، وعن شبكة القواعد والمنشآت والمواقع العسكرية الأمريكية المنتشرة في عدد من الدول العربية.
ولم يعد الأمر يتعلق بقاعدة عسكرية هنا أو منشأة هناك، ولا بمجرد اتفاقية دفاع أو تعاون عسكري بين دولتين. نحن أمام شبكة واسعة من القواعد والمطارات والموانئ ومراكز القيادة والمنشآت اللوجستية، تمتد من قطر والبحرين والكويت إلى الإمارات والسعودية والأردن، وتشكل جزءًا من منظومة عسكرية أمريكية متكاملة في المنطقة.
وتكشف بيانات أمريكية رسمية عن وجود عسكري أمريكي مستمر في منشآت رئيسية مثل قاعدة العديد في قطر، والمنشآت العسكرية الأمريكية في البحرين، إلى جانب مواقع وانتشار عسكري في السعودية والإمارات والكويت والأردن.
وهنا لا بد من التوقف أمام السؤال الذي يتجنبه كثيرون:
هل ما زال الخليج يمتلك قراره الاستراتيجي بالكامل، أم أن جزءًا من هذا القرار أصبح مرتبطًا بمنظومة عسكرية أمريكية مستقرة على أرضه؟
من قاعدة داخل الدولة إلى دولة داخل القاعدة
ربما تبدو العبارة قاسية، لكنها تعبّر عن مفارقة تستحق النقاش.
في المفهوم الطبيعي للعلاقات بين الدول، تكون القاعدة الأجنبية منشأة تقع داخل أراضي الدولة المضيفة، وتخضع لاتفاقات وشروط وسيادة الدولة التي تستضيفها.
لكن عندما تكبر القاعدة، وتتوسع مهماتها، وتتحول إلى مركز قيادة لعمليات عسكرية إقليمية، وتصبح جزءًا من استراتيجية قوة عظمى في منطقة كاملة، فإن السؤال لم يعد متعلقًا بمساحة القاعدة وحدها، بل بمدى تأثيرها في القرار الأمني والسياسي للدولة والمنطقة المحيطة بها.
خذوا قاعدة العديد في قطر مثالًا.
الولايات المتحدة تصفها بأنها من أهم منشآتها العسكرية في المنطقة، وتستضيف عناصر متقدمة من القيادة المركزية الأمريكية والقيادة الجوية الأمريكية في المنطقة، ومركز العمليات الجوية المشتركة.
وفي البحرين، تستضيف المنشأة البحرية الأمريكية مقر الأسطول الخامس الأمريكي، الذي تتولى قواته مهام واسعة في الخليج وبحر العرب والمناطق البحرية المحيطة.
أما الكويت، فتوجد فيها منشآت أمريكية رئيسية ضمن منظومة الانتشار العسكري الأمريكي في المنطقة.
إذن نحن لا نتحدث عن وجود رمزي.
نحن نتحدث عن بنية عسكرية كاملة.
عروش تحتمي بالمظلة الأمريكية
وهنا يصبح السؤال أكثر حساسية.
فالقضية ليست فقط: لماذا توجد القواعد الأمريكية؟
بل أيضًا:
لماذا تحتاج بعض الأنظمة الخليجية إلى كل هذه المظلة العسكرية الأمريكية؟
لا يمكن تجاهل أن عددًا من هذه الأنظمة يقوم على أنماط حكم استبدادية وشديدة المركزية، وأن الولايات المتحدة أصبحت، على مدى عقود، شريكًا أمنيًّا وعسكريًّا رئيسيًّا لها.
ومن الصعب تصور هذا التحالف باعتباره مجرد علاقة دفاعية متبادلة المصالح؛ فواشنطن توفر السلاح والتدريب والاستخبارات والدعم اللوجستي والدفاعات الجوية والوجود العسكري، بينما توفر الدول المضيفة القواعد وحقوق التمركز والتحليق واستخدام أراضيها في العمليات الإقليمية.
وهنا يحق لنا أن نسأل بصراحة:
هل تحمي الولايات المتحدة هذه الدول فقط من الأخطار الخارجية، أم تحمي أنظمة سياسية تخشى على استقرارها الداخلي؟
يمكن الجزم بأن عروش الخليج كانت ستسقط لولا الولايات المتحدة، والمظلة الأمنية الأمريكية أصبحت أحد أهم مرتكزات الأمن السياسي والعسكري لعدد من هذه الأنظمة.
وهذا يخلق علاقة تتجاوز التحالف التقليدي إلى نوع من الاعتماد الاستراتيجي، والتبعية.
فالذي يملك مفتاح الأمن العسكري يملك، بالضرورة، قدرًا كبيرًا من النفوذ في القرار السياسي.
من الخليج تنطلق الحروب
المشكلة لا تتوقف عند حماية الأنظمة.
فمن الأراضي الخليجية انطلقت، أو دُعمت، عمليات عسكرية أمريكية في المنطقة، واستخدمت القواعد والمجال الجوي والموانئ والمنشآت العربية في عمليات استهدفت دولًا عربية وإسلامية في المنطقة.
وهنا يجب أن نسأل حكام الخليج:
هل كانت شعوبكم طرفًا في اتخاذ قرارات تلك الحروب؟ أم هي فقط مصلحة النظام الحاكم، والمواطن العربي هو ضحية هذه القرارات؟
المفارقة أن بعض الأنظمة الخليجية تريد أن تحصل على كل مزايا التحالف العسكري مع واشنطن، ثم عندما تصل الحرب إلى أراضيها تريد أن تظهر وكأنها لا علاقة لها بالحرب.
لكن المسألة ليست بهذه البساطة.
من يسمح بتحويل أرضه إلى منصة عسكرية لقوة أجنبية، لا يستطيع أن يتجاهل النتائج الاستراتيجية لذلك.
إيران لا ترى هذه القواعد كما تراها حكومات الخليج.
وهنا نصل إلى الحرب مع إيران.
بالنسبة لطهران، القاعدة الأمريكية الموجودة في قطر أو البحرين أو الكويت أو الأردن ليست مجرد "منشأة داخل دولة صديقة".
إنها، من وجهة النظر الإيرانية، جزء من القدرة العسكرية الأمريكية التي تشارك في الحرب ضدها.
وهذا المنطق ليس جديدًا؛ فالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة جزء معلن من استراتيجية واشنطن الإقليمية، بما في ذلك ردع إيران وحماية مصالح حلفائها.
ولذلك، عندما تتعرض إيران لضربات أمريكية، فإنها لا تنظر بالضرورة إلى مصدر الطائرة أو الصاروخ فقط، بل إلى البنية العسكرية التي مكنت من تنفيذ الضربة.
ومن هنا يمكن فهم المنطق الإيراني في استهداف القواعد الأمريكية في المنطقة:
إذا كانت القاعدة تُستخدم في الحرب، فإنها بالنسبة للطرف الذي يتعرض للهجوم تصبح جزءًا من البنية العسكرية للخصم.
وبهذا المعنى، فإن إيران ترى أن ضرب القواعد الأمريكية التي تنطلق منها العمليات ضدها هو رد عسكري على مصدر الهجوم، وليس حربًا على الشعوب الخليجية.
لكن السؤال الأكبر يقع على حكام الخليج
إذا كانت هذه الدول لا تريد أن تكون ساحاتها ميدانًا للحرب بين واشنطن وطهران، فالسؤال البسيط هو:
لماذا تسمح أصلًا بتحويل أراضيها إلى منصات عسكرية أمريكية؟
لماذا توجد مراكز القيادة الأمريكية؟
لماذا توجد الطائرات الأمريكية؟
لماذا توجد السفن الأمريكية؟
لماذا توجد أنظمة الإنذار والدفاع والقواعد والمخازن والمنشآت العسكرية؟
ولماذا يصبح الخليج، الذي يفترض أن يكون منطقة أمنها لشعوبها، جزءًا من الاستراتيجية العسكرية الأمريكية العالمية؟
لا يمكن أن تحصل الأنظمة على امتيازات التحالف العسكري مع واشنطن، ثم عندما تصل الصواريخ إلى أراضيها تقول:
نحن ضحايا لا علاقة لنا بالحرب.
فهذا هو الثمن السياسي والعسكري للارتهان الأمني.
الخليج الذي يدفع ثمن الحماية
المفارقة أن المنطقة التي تستضيف هذه المنظومة العسكرية ليست بعيدة عن الحروب؛ بل كانت خلال العقود الماضية واحدة من أكثر مناطق العالم تعرضًا لتداعيات الصراعات العسكرية.
والسؤال هنا ليس اتهامًا للشعوب الخليجية، بل للخيارات الرسمية التي جعلت أمن المنطقة مرتبطًا بقوة أجنبية.
فبدلًا من بناء منظومة أمن إقليمية عربية، جرى الاعتماد على الولايات المتحدة لتوفير الردع والحماية.
وبدلًا من بناء توازن عربي مستقل، تحولت المنطقة إلى ساحة تنافس بين الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل وقوى دولية وإقليمية أخرى.
وبدلًا من أن تكون القواعد الأجنبية استثناءً مؤقتًا، أصبحت جزءًا من المشهد الدائم.
وهكذا تحولت دول الخليج، من منظور استراتيجي، إلى مواقع متقدمة في شبكة النفوذ العسكري الأمريكي.
لا نريد خليجًا أمريكيًّا
المشكلة ليست في أن تكون للدول العربية علاقات مع الولايات المتحدة.
وليست المشكلة في التعاون العسكري من حيث المبدأ.
وليست حتى في شراء السلاح الأمريكي.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الأمن العربي غير قادر على الاستمرار من دون مظلة عسكرية أجنبية.
والشعوب العربية لا تريد خليجًا أمريكيًّا.
تريد خليجًا عربيًّا يمتلك قراره.
خليجًا لا تتحول أرضه إلى منصات للحرب على دول عربية أو إقليمية.
خليجًا لا تحتاج أنظمته إلى القواعد الأجنبية كي تشعر بالأمان.
وخليجًا لا يكون فيه بقاء النظام السياسي مرتبطًا ببقاء الحماية الأجنبية، بل بالحرية والتعددية السياسية واحترام حقوق الإنسان في تقرير مصيره.
فالسيادة ليست رفع العلم فوق المباني الحكومية، ولا إصدار البيانات التي تتحدث عن الاستقلال.
السيادة أن تملك الدولة قرار الحرب والسلام، وأن تكون قادرة على أن تقول للقوة الأجنبية: هذه أرضنا، وهذا قرارنا، ولا تستخدموا أراضينا في حرب لا نريدها.
فإذا كانت الأرض عربية، والسماء عربية، والمياه عربية، والشعوب هي التي تدفع ثمن الحروب، فمن الطبيعي أن يكون القرار بشأن الحرب والسلام قرارًا عربيًّا أولًا وأخيرًا.

