Menu

فيلم «نازا» وحرب دولة الاحتلال على الشهود وتواطؤ الإعلام الغربي

جمال كنج

بوابة الهدف

قد يكون السؤال الأكثر إزعاجًا في حرب غزة ليس: كم فلسطينيًّا قُتل؟

بل: لماذا تخشى دولة الاحتلال أن يأتي العالم ليرى؟

منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023، منعت دولة الكيان الصحفيين الدوليين من دخول غزة. قالت في البداية إن السبب هو «سلامتهم»، وإن منطقة حرب نشطة لا يمكن ضمان أمن الصحفيين فيها. ثم تغيّرت الظروف، وتغيّرت الذرائع، وبقي الحظر.

في نيسان/أبريل 2026، اضطرت أربع منظمات صحفية، هي رابطة الصحافة الأجنبية ولجنة حماية الصحفيين ومراسلون بلا حدود ونقابة الصحفيين في دولة الاحتلال، إلى اللجوء إلى المحكمة العليا للمطالبة بإنهاء الحظر. وقالت المنظمات إن المبررات التي استندت إليها الحكومة لم تعد قائمة، فلم يعد هناك أسرى في غزة، ووقف إطلاق النار قائم، ولا توجد تهديدات محددة وموثقة للصحفيين. أما الحرب مع إيران، التي قدمتها الحكومة لاحقًا ذريعة لاستمرار الحظر، فقالت المنظمات إنها لا تبرر منع الصحافة من غزة. لكن الحظر بقي.

وهنا يصعب الهروب من السؤال: إذا كانت المسألة تتعلق فعلًا بسلامة الصحفيين، فلماذا لا ينتهي الحظر عندما تتغيّر الظروف التي قيل إنه فُرض بسببها؟ ربما لأن المسألة لم تكن، في المقام الأول، سلامة الصحفيين. ربما كانت المسألة سلامة رواية الاحتلال نفسها.

فمنذ بداية الحرب، اضطر الصحفيون الفلسطينيون في غزة إلى القيام بما مُنع الصحفي الأجنبي من القيام به: البقاء في المكان، وتصوير القصف، وتوثيق الجنازات، ونقل أصوات الناجين، والكتابة من وسط الأنقاض. وتقول منظمة مراسلون بلا حدود إن أكثر من 220 صحفيًّا قُتلوا في غزة منذ بدء الحرب، وإن عشرات منهم يُعتقد أنهم قُتلوا أثناء أداء عملهم أو استُهدفوا بسببه. أي أن دولة الاحتلال لم تكتفِ بإغلاق الباب أمام الصحافة.

لقد تركت الشاهد الفلسطيني وحده داخل مسرح الجريمة. ثم بدأت تقتنص الشهود.

هذا هو السياق الذي يجعل فيلم «نازا» أكثر من مجرد فيلم وثائقي مثير للجدل.

يعتمد الفيلم، الذي أخرجه الإسرائيليان يوفال أبراهام وراشيل سزور، على مقابلات مع 24 جنديًّا وعنصرًا من أجهزة الاستخبارات، عمل معظمهم في عمليات استخباراتية عن بُعد. ويتناول أنظمة المراقبة والاستهداف واستخدام الذكاء الاصطناعي في الحرب على غزة، بما في ذلك تقدير عدد المدنيين الذين قد يُقتلون في بعض عمليات الاستهداف. والعنوان نفسه ليس بريئًا.

«نازا» مصطلح عسكري إسرائيلي يشير إلى عدد الضحايا المدنيين المتوقع سقوطهم نتيجة ضربة عسكرية. أي أن قتل المدنيين يمكن، في هذه اللغة البيروقراطية، أن يتحول إلى رقم متوقع في معادلة استهداف.

وفي أحد أكثر المقاطع إثارة للجدل، يقول أحد المشاركين في الفيلم إنه جرت في إحدى المرات الموافقة على ضربة مع توقع سقوط 500 مدني.

لكن السؤال الأوسع لا يختفي.

فالفيلم لا يقدم شهادة واحدة وحسب، بل شهادات 24 شخصًا من الداخل حول أنظمة الاستهداف والقتل والمراقبة التي استُخدمت في غزة. وقد لقي الفيلم استقبالًا واسعًا في مهرجان البندقية، بينما واجه مخرجاه حملة تهديد وهجومًا سياسيًّا في الداخل.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا ليس ما إذا كان ينبغي تصديق كل كلمة في الفيلم دون فحص.

السؤال هو: لماذا لا يُسمح للصحافة المستقلة بدخول غزة وفحص الادعاءات بنفسها؟

إذا كانت رواية «نازا» كاذبة، فافتحوا غزة.

إذا كانت الأرقام مبالغًا فيها، فافتحوا غزة.

إذا كانت شهادات الجنود مضللة، فدعوا الصحفيين والمحققين المستقلين يدخلون ويختبرونها.

لا شيء يدحض الكاميرا مثل كاميرا أخرى.

لكن دولة الاحتلال اختارت شيئًا آخر: إبقاء الباب مغلقًا.

لقد كتبتُ منذ ثلاثة أعوام عن أنظمة الاستهداف المدعومة بالذكاء الاصطناعي وعن «مصنع الاغتيال الجماعي» الإسرائيلي. وتحدث الصحفيون الفلسطينيون عن هذه الأنظمة وعن عمليات الاستهداف وقتل المدنيين منذ بداية الحرب.

لكن كثيرًا من العالم لم يُصغِ.

لم تكن المشكلة نقصًا في الشهادات الفلسطينية.

كانت المشكلة أن الشهادة الفلسطينية، في أجزاء واسعة من الإعلام الغربي، بدت وكأنها تحتاج دائمًا إلى شهادة إسرائيلية كي تصبح قابلة للتصديق.

وهذه هي الفضيحة الحقيقية التي يكشفها «نازا».

لقد احتاج الأمر إلى مخرجين إسرائيليين اثنين جلسا أمام الكاميرا، وإلى 24 شاهدًا من داخل المؤسسة العسكرية والاستخباراتية، حتى بدأ بعض الإعلام الغربي يتعامل بجدية أكبر مع روايات كرّرها الفلسطينيون منذ سنوات.

كأن الفلسطيني الذي شاهد منزله يُقصف يحتاج إلى جندي إسرائيلي كي يشهد بأن القنبلة سقطت فعلًا.

كأن الأم التي دفنت أطفالها تحتاج إلى ضابط استخبارات إسرائيلي كي تصبح شهادتها «موثوقة».

كأن الصحفي الفلسطيني الذي صوّر المجزرة يحتاج إلى ختم إسرائيلي حتى تُعتبر كاميرته دليلًا.

هذه ليست أزمة معلومات. هذه أزمة تصديق.

وهنا يدخل الإعلام الدولي قفص الاتهام.

فدولة الاحتلال لم تكن وحدها من أغلق الباب.

جزء كبير من الإعلام الغربي قبل بأن يبقى خلف الباب.

على مدى قرابة ثلاث سنوات، غطّت المؤسسات الكبرى غزة من الخارج، واعتمدت بصورة كبيرة على تقارير صحفيين فلسطينيين قاموا بتنقيحها في غرف الأخبار للتخفيف من صدمة الحقيقة، ثم تعاملت مع القيود المفروضة على الصحافة الدولية باعتبارها نزاعًا قانونيًّا يمكن أن ينتظر سنوات أمام المحاكم.

وفي الوقت نفسه، واصل الصحفيون الأجانب العمل من داخل فنادق الخمس نجوم، يرسلون التقارير بينما بقيت غزة خلف السياج.

صحافة من طرف واحد.

كاميرات من طرف واحد.

رواية من طرف واحد.

ثم يأتي «نازا» ليطرح السؤال الذي حاول الحظر تأجيله:

ماذا كان سيحدث لو سُمح للصحافة العالمية بالدخول منذ اليوم الأول؟

كم رواية كانت ستُختبر؟

كم ادعاء كان سيُفنَّد؟

كم صورة كانت ستُلتقط؟

كم مقبرة كانت ستُصوَّر؟

وكم مسؤولًا كان سيضطر إلى الإجابة أمام الكاميرا؟

ربما لهذا السبب لا ينبغي النظر إلى منع الصحفيين باعتباره مجرد إجراء أمني.

إنه، عمليًّا، إجراء للسيطرة على المعرفة.

والمفارقة أصبحت الآن أكثر فجاجة.

في الأسبوع الماضي، أعلن دونالد ترامب منع CNN وMS NOW وPolitico من دخول البيت الأبيض، متهمًا المؤسسات الثلاث بنشر ما وصفه بـ«الأخبار الكاذبة». وفي 21 أيلول/سبتمبر، علّقت شبكات ABC وCBS وNBC وFox News وCNN عمل مجموعة التغطية التلفزيونية المشتركة للرئاسة احتجاجًا على استبعاد المؤسسات المحظورة.

هذا الدفاع عن حرية الصحافة ضروري.

فالسلطة السياسية لا ينبغي أن تكون قادرة على معاقبة مؤسسة إخبارية لأنها لا تعجبها تقاريرها.

لكن هنا تبدأ المقارنة التي ينبغي أن تُقلق غرف الأخبار.

عندما منع ترامب ثلاث مؤسسات من دخول البيت الأبيض، تحركت المؤسسات الأخرى.

وعندما تمنع دولة الاحتلال الصحافة الدولية من دخول غزة، أين الاحتجاج؟

عندما يحاول رئيس أمريكي التحكم في بوابة البيت الأبيض، تصبح حرية الصحافة قضية دستورية.

وعندما تمنع حكومة الاحتلال الصحافة الدولية من دخول منطقة حرب بأكملها، تصبح المسألة «إجراءً أمنيًّا».

عندما يُمنع صحفي أمريكي من دخول مبنى، تتحدث واشنطن عن حرية الصحافة.

وعندما يُقتل صحفي فلسطيني في غزة، يُكتب الخبر ثم تنتقل الصفحة إلى الخبر التالي.

هذه ليست مقارنة بين حالتين متطابقتين قانونيًّا أو سياسيًّا.

إنها مقارنة في ردّ فعل المؤسسات الإعلامية على تقييد الوصول إلى المعلومات.

والفارق صار صارخًا إلى درجة يصعب معها تجاهله.

كان ينبغي أن يكون السؤال الأول منذ تشرين الأول/أكتوبر 2023:

لماذا لا يُسمح لنا بالدخول؟

لكن السؤال الذي ساد كان:

ماذا تقول دولة الاحتلال؟

والفرق بين السؤالين هو الفرق بين الصحافة والدعاية.

الصحافة تقول: دعوني أرى.

الدعاية تقول: دعوني أخبركم بما يجب أن تروه.

الصحافة تبحث عن الشاهد.والدعاية تبحث عن الناطق الرسمي. الصحافة تذهب إلى مكان الجريمة. الدعاية تطلب من الجاني أن يصفها من خلف الميكروفون.

وعندما تغلق دولة الاحتلال غزة أمام الصحافة الدولية، ثم تتيح للإعلام العمل من جانبها من الحدود، فإنها لا تمنع الوصول إلى المعلومات فحسب.

إنها تحدد أي معلومات يمكن الوصول إليها أصلًا.

وهنا يصبح الإعلام، بقصد أو غير قصد، شريكًا في هندسة الرواية.

«نازا» لا ينبغي أن يكون نهاية النقاش.

بل بداية السؤال الذي تأخر ثلاث سنوات.

ليس: هل كل ما يقوله الفيلم صحيح؟

بل: لماذا لم نكن هناك كي نتحقق بأنفسنا؟

ليس: هل نصدّق الجندي الصهيوني أكثر من الصحفي الفلسطيني؟

بل: لماذا احتجنا إلى شهادة الجندي الإسرائيلي كي نبدأ الإصغاء إلى الصحفي الفلسطيني؟

وليس: هل تخشى دولة الاحتلال الصحافة؟

بل: لماذا تخشى الكاميرا المستقلة إلى هذا الحد؟

لأن الحقيقة، في نهاية المطاف، لا تحتاج إلى حارس على البوابة.

الجريمة هي التي تحتاج إلى حارس.

والرواية الهشّة هي التي تحتاج إلى إبعاد الشهود.

والسلطة التي تخشى الكاميرا هي التي تعرف، أكثر من غيرها، ما الذي قد تراه الكاميرا إذا دخلت.

لهذا فإن «نازا» ليس فقط فيلمًا عن غزة.

إنه فيلم عن من يُسمح له بأن يكون شاهدًا، ومن يُطلب منه أن يثبت شهادته، ومن يُمنع أصلًا من الوصول إلى مكان الجريمة.

وهذا هو الجزء الأكثر قتامة في القصة.

لم تكن غزة تفتقر إلى الشهود.

كان العالم يفتقر إلى الإرادة لسماعهم.

وحين وصل بعض الشهود الإسرائيليين أخيرًا، لم تأتِ شهاداتهم من غزة.

جاءت من داخل مؤسسة الإجرام.

عندها فقط بدأ بعض الإعلام الغربي يسمع.

وهنا يجب أن يُوجَّه السؤال الأخير إلى الإعلام نفسه:

كم فلسطينيًّا كان يجب أن يُقتل، وكم صحفيًّا كان يجب أن يُدفن، وكم كاميرا كان يجب أن تُحطَّم، قبل أن يدرك الإعلام أن منع الصحافة من دخول مكان الجريمة ليس تفصيلًا أمنيًّا؟

إنه جزء من الجريمة الإعلامية نفسها.

فالسلطة لا تحتاج دائمًا إلى إسكات الصحافة. أحيانًا يكفيها أن تمنع وصولها إلى الحقيقة.