ما يحدث اليوم على الحدود الشرقية لبولندا لم يعد مجرد تفاصيل عسكريّة في حرب تدور داخل أوكرانيا. الهجمات الروسيّة المتواصلة بالطائرات المسيّرة والصواريخ، اقتراب بعضها من الحدود البولنديّة، وإقلاع المقاتلات البولنديّة ورفع جاهزيّة الدفاع الجويّ والرادارات، كلّها مؤشّرات تجعل السؤال مشروعًا: هل نحن أمام مرحلة جديدة من التصعيد في أوروبا، أم أنَّ إجراءات الردع ستنجح في منع انتقال الحرب إلى أراضي الناتو؟
بالنسبة إلى بولندا، هذا السؤال يحمل وزنًا تاريخيًّا خاصًّا. فقد اختفت الدولة البولنديّة من خريطة أوروبا لمدّة 123 عامًا، بعد تقسيم أراضيها بين روسيا وبروسيا والنمسا، ولم تستعد استقلالها إلّا عام 1918. ولذلك فإنَّ مسألة الحدود والسيادة ليست بالنسبة إلى البولنديّين مجرّد موضوع سياسيّ، بل جزء عميق من الذاكرة الوطنيّة. ولهذا تنظر وارسو إلى الحرب في أوكرانيا باعتبارها قضيّة أمن قوميّ، وليس نزاعًا بعيدًا يمكن مراقبته من الخارج.
اليوم أصبحت الحرب قريبة جدًّا من الحدود البولنديّة. فقد اضطرت بولندا في مناسبات عدّة إلى إطلاق عمليّات جويّة احترازيّة بسبب الهجمات الروسيّة على أوكرانيا، مع رفع جاهزيّة الدفاعات الأرضيّة ووحدات الاستطلاع الراداريّ. كما عزّزت حماية المعابر والبنية التحتيّة على الحدود بعد حوادث مرتبطة بالهجمات الروسيّة القريبة من الأراضي البولنديّة.
لكن إقلاع المقاتلات البولنديّة لا يعني أنَّ بولندا دخلت الحرب، بل هو جزء من سياسة الردع وحماية المجال الجويّ. المشكلة أنَّ الخطر الحقيقي لا يكمن فقط في قرار متعمّد ببدء حرب بين روسيا والناتو، وإنَّما في احتمال وقوع خطأ أو حادث يؤدّي إلى سلسلة من الردود. صاروخ ينحرف، مسيّرة تعبر الحدود، طائرة عسكريّة تدخل مجالًا جويًّا، ثم مقاتلات تقلع للاعتراض، وبعدها يأتي ردّ سياسيّ أو عسكريّ. في مثل هذه الظروف يمكن أن تتّسع الأزمة بسرعة أكبر ممّا يتوقّع الجميع.
والسؤال الاستراتيجيّ الأهمّ هو: ماذا سيحدث إذا انتهت الحرب في أوكرانيا بانتصار روسيّ أو بتسوية تمنح موسكو مكاسب استراتيجيّة كبيرة؟ لا يمكن الجزم بأنَّ روسيا ستسيطر على الجيش الأوكرانيّ أو أنَّها ستتّجه بعدها إلى مهاجمة بولندا؛ هذه سيناريوهات افتراضيّة. لكن نتيجة الحرب ستغيّر بلا شكّ ميزان القوى في أوروبا الشرقيّة. أوكرانيا قويّة ومستقلّة تعني وجود حاجز استراتيجيّ مهمّ بين روسيا ودول الناتو الشرقيّة، بينما قد يؤدّي إضعافها إلى زيادة المخاوف الأمنيّة في بولندا ودول البلطيق وغيرها.
وفي الوقت نفسه، تتّجه بعض العواصم الأوروبيّة إلى تشديد خطابها تجاه موسكو. الرئيس الفرنسيّ إيمانويل ماكرون يتحدّث عن تصاعد التهديدات الروسيّة الهجينة وضرورة تعزيز القدرات الدفاعيّة الأوروبيّة، بينما تتبنّى بريطانيا موقفًا شديد الصرامة تجاه روسيا وتؤكّد دعمها لأوكرانيا وتعزيز أمن حلفائها. لكنَّها في الوقت نفسه تؤكّد أنَّ بريطانيا وأوروبا والناتو لا تسعى إلى صراع مباشر مع روسيا.
وهنا تكمن المفارقة: أوروبا تحتاج إلى قوّة ردع تمنع الحرب، لكنَّها تحتاج أيضًا إلى الدبلوماسيّة حتى لا يتحوّل الردع إلى سباق تصعيد. فالقوّة العسكريّة وحدها لا تضمن السلام، كما أنَّ الضعف قد يشجّع على اختبار الحدود.
الخاتمة:
بولندا تعرف أكثر من غيرها ماذا يعني أن تقرّر القوى الكبرى مصير الدول الصغيرة. فقد اختفت من الخريطة 123 عامًا، ثم عادت دولة مستقلّة ذات سيادة. واليوم تقف مرّة أخرى على خط تماس بين قوّتين، لكن الفرق أنَّ بولندا هذه المرّة ليست وحدها؛ إنَّها عضو في الاتحاد الأوروبيّ وحلف الناتو.
لذلك فإنَّ السؤال الحقيقيّ ليس فقط: هل ستندلع حرب بين روسيا والناتو؟ بل: هل تستطيع أوروبا أن تمنع اندلاعها من دون أن تتخلّى عن حقّها في الدفاع عن نفسها؟
الردع يجب أن يكون قويًّا بما يكفي لمنع العدوان، والدبلوماسيّة يجب أن تكون قويّة بما يكفي لمنع الانفجار. لأنَّ أخطر حرب هي تلك التي تبدأ بحادث لم يكن أحد يريد أن يتحوّل إلى حرب.
وأوروبا اليوم أمام مسؤوليّة تاريخيّة: ألّا تسمح بأن تتحوّل حدودها مرّة أخرى إلى خطوط تُرسم عليها خرائط الحرب، وأن تثبت أنَّ أمن الشعوب لا يُحمى فقط بالسلاح، بل أيضًا بالقدرة على منع الحرب قبل أن يصبح ثمنها أكبر من قدرة الجميع على دفعه.

