منذ اندلاع الحرب الأخيرة، التي صيغت أهدافها بما يخدم دولة الاحتلال، ظل دونالد ترامب ومعاونوه يعدون الأمريكيين بأنها لن تستغرق سوى أسابيع قليلة، وأن أسعار النفط ستعود سريعاً إلى ما دون مستويات ما قبل الحرب. لكن الوعود تبخرت واحدة تلو الأخرى. وحين اصطدمت الوعود بالواقع، لم تتغير الحرب؛ تغيّرت الرواية. لم تعد المسألة مدة الحرب أو كلفتها، بل أصبح المطلوب من الأمريكيين أن يصدقوا أن الحرب «تستحق الثمن» لأنها ضرورية لمنع إيران من أن تصبح قوة نووية.
لكن السؤال الذي لا تريد واشنطن طرحه أبداً هو: لماذا يُطلب من الأمريكيين دفع الدم والمال لمنع دولة أخرى من امتلاك قدرة نووية، بينما تُمنح "إسرائيل" استثناءً دائماً من القواعد نفسها؟
ماذا لو أصبحت إيران قوة نووية فعلاً؟ كيف سيشكل ذلك تهديداً للولايات المتحدة يفوق ما تمثله بالفعل قوى نووية مثل روسيا وكوريا الشمالية؟ وهل الخطر الحقيقي على أمريكا، أم أن المشكلة تكمن في احتمال أن تتحدى إيران الهيمنة الإقليمية لقوة نووية أجنبية هي "إسرائيل"؟
لأكثر من ثلاثة عقود، وبحسب الرواية التي يكررها قادة دولة الكيان، كانت إيران دائماً على بعد سنوات قليلة وفي بعض الأحيان أشهر من امتلاك سلاح نووي. جاء ذلك الموعد المزعوم ومرّ مرة بعد أخرى، فيما ظل بنيامين نتنياهو يعيد تدوير الكذبة نفسها منذ عام 1992. واستمر هذا الخطاب رغم أن البرنامج النووي الإيراني، خلافاً للترسانة النووية "الإسرائيلية"، خضع لرقابة وتفتيش دوليين واسعين.
انسحب ترامب، تحت ضغط نتنياهو، من اتفاق نووي يفرض بعضاً من أكثر القيود صرامة وقابلية للتحقق على البرنامج النووي الإيراني. واليوم يُطلب من الأمريكيين أن يدفعوا بالدم والمال ثمن التخلي عن اتفاق دبلوماسي أبقى البرنامج الإيراني تحت رقابة دولية غير مسبوقة، وساهم في احتواء الخطر ذاته الذي يُستخدم الآن ذريعةً للحرب.
النفاق هنا ليس تفصيلاً هامشياً؛ إنه جوهر القصة.
فقد طُلب من إيران تقديم مستويات متواصلة من الشفافية والسماح بالتفتيش، بينما بقيت الترسانة النووية الصهيونية، التي تشير تقارير وتحقيقات تاريخية إلى أن موادها الأولية سُرقت من الولايات المتحدة، خارج منظومة التفتيش الدولي. ومع ذلك، يُقدَّم للعالم احتمال امتلاك إيران قدرة نووية باعتباره تهديداً وجودياً، بينما تُعامل ترسانة دولة الاحتلال النووية كأنها غير موجودة.
هذه هي جوهر المسألة: تُفرض على إيران معايير صارمة باسم منع الانتشار النووي، بينما تُمنح دولة الكيان استثناءً دائماً من المعايير نفسها. وحين تتحول هذه الازدواجية إلى حرب أمريكية، لا يدفع ثمنها أصحاب القرار وحدهم. يدفعه المواطن الأمريكي من ماله، وأمنه، ومستوى معيشته، وربما حياته.
لكن الكلفة لا تُدفع في غرف الاجتماعات وحدها. الأمريكيون يشعرون بها عند مضخات الوقود.
لطالما كان المستهلك الأمريكي الطرف الأخير في سلسلة من الوعود والتبريرات، وهو اليوم يدفع ثمن حرب بيعت له بذرائع تتغير كلما اصطدمت بالواقع. ومن أحدث هذه الذرائع الادعاء بأن مضيق هرمز مفتوح وأن النفط ما زال يتدفق بصورة طبيعية. قال الرئيس ذلك على قناة «فوكس»، كما ادعت المتحدثة الصحفية المنتهية ولايتها باسم البيت الأبيض لبرنامج «فوكس آند فريندز» أن الولايات المتحدة تسيطر عملياً على المضيق وأنه لا يزال مفتوحاً.
إذا كان الأمر كذلك، فثمة سؤال بسيط لا يمكن الهروب منه: لماذا يدفع المستهلك الأمريكي أكثر؟
فبحسب مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني، بقيت حركة السفن التجارية عبر المضيق أقل بنحو 75 في المئة من مستويات ما قبل النزاع، فيما أُبلغ عن عشرات الهجمات الصاروخية على السفن خلال الشهرين الماضيين. انخفاض حركة الملاحة بنحو ثلاثة أرباع لا تشبه حركة ممر تجاري طبيعي. يعرف ذلك مالكو السفن وشركات التأمين والتجار، وتظهر آثاره في الأسعار التي يواجهها المستهلك عند محطة الوقود.
لقد بدأ السوق بالفعل في تسعير المخاطر، ولا يحتاج الأمريكي الذي يقف أمام مضخة الوقود إلى مؤتمر صحفي في البيت الأبيض ليفهم ذلك.
بالنسبة إلى المستهلك العادي، المضخة هي المكان الذي يتحول فيه الخطاب الجيوسياسي إلى فاتورة مباشرة. كان سعر البنزين العادي دون ثلاثة دولارات للغالون قبل أن تُجرّ الولايات المتحدة إلى حرب أخرى صيغت مصالحها بما يخدم دولة الاحتلال. اليوم تدفع العائلات أكثر للوصول إلى أعمالها، ويدفع سائقو الشاحنات أكثر لنقل البضائع، وتنتقل كلفة الوقود في النهاية إلى أسعار الغذاء والسلع والخدمات.
وفي الوقت نفسه، تسجل شركات النفط الأمريكية أرباحاً ضخمة. تنتج إكسون موبيل وشيفرون كميات قياسية من النفط من حقول داخل الولايات المتحدة، على بعد آلاف الأميال من مضيق هرمز. تكاليف إنتاج النفط المحلي لم ترتفع لأن ناقلة نفط عبرت الخليج أو لم تعبره. الذي تغير هو سعر المخاطر في السوق، والهوامش التي تسمح لشركات النفط بتحميل المستهلك كلفة الأزمة.
وسجلت شيفرون صافي أرباح فصلية بلغ 12.1 مليار دولار، فيما حققت إكسون موبيل 14.5 مليار دولار في الفصل نفسه، أي ما يقارب 160 مليون دولار يومياً. كما ارتفعت هوامش أرباح التكرير بصورة حادة، قفزت من مستويات اعتيادية تقارب 20 دولاراً إلى ما يصل إلى 60 دولاراً للبرميل الواحد.
وفي الوقت نفسه، يلوّح ترامب بصفقة مع فنزويلا باعتبارها مخرجاً محتملاً لأزمة الطاقة، بينما تعجز إدارته من السيطرة على ارتفاع الأسعار، وتستغل شركات النفط الأمريكية أزمة خارجية إلى فرصة تجارية. حيث ليس لدى الشركات حافز اقتصادي واضح لخفض الأسعار ما دامت الأزمة ترفع قيمة منتجاتها وهوامش أرباحها.
هذا هو وجه الحرب عندما تصل نتائجها إلى السوق: المستهلك الأمريكي يدفع الفاتورة، بينما يتحول اضطراب الأسواق إلى فرصة أرباح لشركات الطاقة.
وهو أيضاً وجه سياسة نووية انتقائية: تُشن الحرب باسم منع الانتشار، لكن النتيجة السياسية التي يجري الدفاع عنها هي حماية احتكار إقليمي "إسرائيلي" لا يخضع للتفتيش ولا للمساءلة.
يستحق الأمريكيون أكثر من وعود تتبدل مع تبدل الواقع. فإذا كان مضيق هرمز مفتوحاً وآمناً، كما تقول الإدارة، فلماذا لا تعكس أسعار النفط ذلك؟ وإذا كان المضيق غير آمن بما يكفي لتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، فلماذا يُطلب من الأمريكيين تصديق رواية أخرى؟
وإذا كان منع الانتشار النووي هو الهدف الحقيقي، فلماذا لا تُطبَّق القواعد نفسها على دولة الاحتلال؟ لماذا يُطلب من إيران قبول التفتيش والقيود والتهديد بالحرب، بينما تبقى الترسانة النووية "الإسرائيلية" خارج الرقابة الدولية؟ ولماذا يُطلب من الأمريكيين تمويل حرب لحماية نظام إقليمي يقوم على هذا الاستثناء؟
المواطن ليس جمهوراً ينبغي إدارة مشاعره برسائل سياسية محسوبة؛ إنه دافع ضرائب ومستهلك ومواطن من حقه أن يعرف الحقيقة الكاملة عن حرب تُشن باسمه وتُموَّل بأمواله.
منذ بدء الحرب، أملأ، مثل ملايين الأمريكيين، خزان سيارتي كل أسبوع. وما أراه عند مضخة الوقود هو أن «ضريبة الحرب الإسرائيلية» التي يدفعها المستهلك الأمريكي أصبحت أعلى مما كانت عليه قبل أسبوع.
كلا، يا سيادة الرئيس. هذه ليست مسألة أن الحرب «تستحق الثمن».
إذا كان الهدف فعلاً هو منع انتشار السلاح النووي، فلا يمكن أن يقتصر السؤال على إيران وحدها. يجب أن يشمل أيضاً الترسانة النووية "الإسرائيلية" غير الخاضعة للتفتيش الدولي، وأن تُقاس المخاطر بالمعايير نفسها على جميع دول المنطقة.
أما استخدام منع الانتشار ذريعةً لمعاقبة دولة، مع حماية دولة أخرى من أي رقابة أو مساءلة، فليس سياسة عدم انتشار. إنه ترسيخ للهيمنة تحت غطاء الأمن.
أمريكا لا تخوض الحرب فقط لمنع ايران من امتلاك المعرفه التكنولوجية، بل هي فاتورة سياسية لجعل دولة الاحتلال القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، ويدفع ثمنها المواطن الأمريكي من ماله ودمه.
وهذه ليست المرة الأولى التي تسوق فيها حرب تخدم مصالح دولة الاحتلال على أنها ضرورة للأمن الأمريكي. قبل أكثر من عقدين، قيل للأمريكيين إن الحرب على العراق ضرورة للأمن القومي. واليوم تُعاد صياغة الرواية نفسها في مواجهة إيران، تحت غطاء نووي يُستخدم لتعبئة الرأي العام وتبرير الحرب، بينما تبقى دولة الكيان خارج القواعد التي يُفترض أنها عالمية.
ربما يكون الدرس الأكثر وضوحاً في كل هذا أن السؤال لم يعد: كم ستكلف هذه الحرب؟ بل: من الذي صُممت هذه الحرب لحمايته، ومن الذي يدفع ثمنها؟

