منذ السنوات الأربع الأخيرة يتفاقم الخطر الوجودي على الشعب الفلسطيني وقضيته الوطنية على يد غلاة التطرف العنصري الصهيوني ومخططاتهم المنهجية المنسجمة مع العقيدة الصهيونية التلمودية تحت عنوان "خطة الحسم"، أي حسم الصراع مع الفلسطينيين، وتصفية الوجود الفلسطيني على الأرض الفلسطينية بشكل نهائي ولو تطلب ذلك الإبادة أو التهجير، والسيطرة على كل فلسطين وخاصة القدس والمقدسات وتهويدها وتغيير معالمها وتراثها الحضاري والروحي، وضمّها بالكامل إلى الكيان الصهيوني بسياسة القضم المتدرج، وبناء المستوطنات والتوغلات اليومية، وما يرافقها من جرائم التدمير والقتل والاقتلاع والاعتقال والتخريب الممنهج لمقومات الحياة ومصادر الرزق، وفوق كل ذلك الوحشية في التعذيب الجسدي والمعنوي والنفسي للأسرى الفلسطينيين، والعزل والتجويع والحرمان من النوم والنظافة والزيارات، والإهمال الطبي، إنه قانون الإعدام بطريقة الموت البطيء، وهذا ما يعدّ من أبشع صور التطهير العرقي والفصل العنصري.
يراقب العالم الانتخابات النصفية الأمريكية، وانعكاساتها على الصراعات الدولية والمنطقة ومدى تأثيرها على استمرار التوحش الأمريكي وسياسة الهيمنة والسيطرة على العالم.
ويترقب الشعب الفلسطيني وشعوب المنطقة الانتخابات الإسرائيلية القادمة في أواخر شهر أكتوبر 2026، وما سينتج عنها، وماذا سيكون مصير حكومة التطرف الديني الصهيوني، وخاصة ثالوث عتاة القتل والإجرام والإبادة (نتنياهو، بن غفير وسموترتش)، رغم أن استراتيجية التطرف الصهيوني العنصري تشمل معظم القوى والأحزاب الصهيونية في الحكم وفي المعارضة. أي أن الأخطار ومخططات التصفية بالإبادة أو التهجير أو الضم ستتواصل بآليات وطرق ووسائل متعددة، وربما مختلفة.
في ظل هذه الأوضاع يتابع الفلسطينيون باهتمام، وربما يتابع بعضهم بذهول واستغراب الشأن الفلسطيني الداخلي، وما يتعلق بترتيب البيت الوطني الفلسطيني، وإعادة تشكيل المجلس الوطني، والتحضيرات الجارية للانتخابات التشريعية الفلسطينية المحدد موعدها في (28 نوفمبر 2026)، وفرص إتمامها أو تأجيلها، رغم إعلان معظم الفصائل الفلسطينية المشاركة في منظمة التحرير أو غير المشاركة فيها استعدادها لخوض العملية الانتخابية، وكذلك استعدادها للمشاركة في المجلس الوطني الفلسطيني الجديد بعيداً عن أي اشتراطات سياسية مسبقة، وعلى أساس مبدأ الشراكة الحقيقة غير الشكلية.
حتى يتم جمع الشمل الفلسطيني على أساس وطني وديمقراطي، وحتى ترتقي الحالة الوطنية إلى حجم التضحيات والتحديات، قدمت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين مبادرتها الوطنية الوحدوية "خارطة طريق من أجل الإنقاذ الوطني" القائمة على مستوى عال من الشعور بالمسؤولية الوطنية إلى عموم الشعب الفلسطيني وقواه المناضلة من أجل الوحدة الوطنية، ورصد الصفوف، وإنهاء حالة الانقسام وصولاً إلى التوافق والوحدة في إطار منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني.
تردد صدى المبادرة عالياً داخل الأوساط الفلسطينية فصائل وقوى وفعاليات شعبية ونخب ثقافية وإعلامية وأكاديمية، عدا عن الأوساط الرسمية الفلسطينية في المنظمة والسلطة.
إن الدافع الرئيس للاهتمام بالمبادرة هو الحرص على الانتقال من الواقع المرير المتعلق بالانقسام وتهالك المؤسسات، وسياسية التفرد، والهيمنة الذي تعاني منه الساحة الفلسطينية، إلى خيار الوحدة الوطنية والشراكة الفاعلة والقيادة الجماعية على أساس برنامج سياسي واضح، وبناء مؤسسات على أسس ديمقراطية، وللوصول إلى هذه الحالة المتقدمة وطنياً، لا بد من الحوارات الوطنية وعلى أعلى المستويات، واجتماع الأمناء العامين للفصائل خطوة أولى على طريق التوافق الوطني، والاتفاق على الأسس السياسية والتنظيمية والمؤسساتية لإعادة ترتيب أوضاع المنظمة بمشاركة الجميع، وتفعيل مؤسسات المنظمة على قاعدة التشاركية، بما فيها المجلس الوطني الفلسطيني، وأيضاً الاتفاق على الآلية المناسبة لتشكيل المجلس، وإدارة العملية الانتخابية التشريعية في حال قرر الإسرائيليون منع إجرائها في القدس أوفي قطاع غزة، أو في بعض أجزاء الضفة.
يتعذر على الفلسطينيين المواجهة للتغول الصهيوني ضد شعبنا وأرضنا ومؤسساتنا الوطنية وتتفاقم معاناتهم وخيباتهم بدون التوافق والوحدة الوطنية، وبدون خطة وطنية أساسها المواجهة، وتعزيز ثبات وصمود شعبنا، وتلبية حاجاتهم الأساسية من إيواء وصحة وتعليم خدمات، وتوفير العمل، والشروع في إعادة الإعمار في قطاع غزة، وتقديم كل ما يلزم لرعاية وغوث المهجرين والمتضررين وخاصةً في مخيمات اللاجئين والقرى الأرياف في الضفة الغربية والقدس.
إذاً الخيار هو وحدتنا الوطنية أولاً، وما يتم التوافق عليه حول الانتخابات، أو تشكيل المجلس الوطني يجب أن يكون تعزيزاً لهذا الخيار الذي يوحّد إرادة الصمود والتحدّي ويعطي شعبنا المزيد من الطاقة الأمل.

