Menu

شعبوية أوروبية متصهينة دَيْدنها التطرّف والعنصرية!..

محمد صوان

في العقدين الماضيين أصبح "الإسلام والهجرة" مثار تخوّف العديد من أنصار اليمين الشعبوي الأوروبي، من السويد والدانمارك شمالاً، إلى إيطاليا واليونان جنوباً, مما أدى إلى تكاثر شبكات عابرة للحدود الوطنية الأوروبية بهدف معارضة "الغزو الإسلامي" الذي يزعمون بتصاعد وتيرته!..

ففي فرنسا، التي تحتل مكانة خاصة في تاريخ الحركات اليمينية المتطرفة، اجتذبت قضية "الأسلمة" تيارات ومنظمات أيديولوجية مختلفة، من النقابات العمالية إلى اليمين المتطرف التقليدي!.. ومما أثار انقسامات سياسية مدوية، فمنذ عام 2011 تصدّر حزب الجبهة الوطنية– الذي تغيّر اسمه إلى التجمع الوطني عام 2018– قيادة اليمين الفرنسي المتطرف الذي يعتقد أنصاره بأن "الإسلام هو التهديد المباشر" ويقدمون أنفسهم "كمقاومة ضد هذا الشكل الجديد من أشكال الاحتلال للبلاد"!..

وفي إسبانيا تتزايد المشاعر المعادية "للإسلام" وتتفاقم بسبب التدفق السريع للمهاجرين، وتتوسع قاعدة الحزب اليميني الشعبوي "B. O. X"، الذي تأسس عام 2013، ويحتوي برنامجه السياسي فكرة "الاسترداد الثاني لإسبانيا"، في إشارة تاريخية إلى أحداث القرن الثامن، حين "استعاد الإسبان والبرتغاليون شبه الجزيرة الأيبيرية من العرب"، عبر سلسلة من الحملات العسكرية!..

وفي السويد تأسس حزب الديمقراطيين السويديين عام 1918، ومثل كل أحزاب اليمين الشعبوي المتطرف الأخرى، دعا إلى تقييد الهجرة إلى السويد على نطاق واسع، وفي عام 2005، أصبح جيمي أكيسون زعماً للحزب– ولا يزال رئيساً له حتى اليوم– وقد حاول تغيير صورة الحزب بعد طرد العديد من النازيين الجدد من صفوفه، وصاغ برنامجه الجديد الذي يحذّر من تعاظم دور المسلمين، ففي خطاب له عام 2009 قال: "بصفتي ديمقراطياً أرى أن المسلمين في السويد يشكّلون تهديداً لنا".. ويربط هذا الحزب بين زيادة أعداد المهاجرين الأجانب، وبين ارتفاع معدلات جرائم العنف، وفي تشرين الثاني 2023، قال زعيم الحزب جيمي أكيسون: "إن المساجد التي يزدهر فيها التطرف المناهض للديمقراطية ينبغي هدمها", وفي كانون الثاني 2024 تقدم أحد ممثلي الحزب في البرلمان السويدي باقتراح يتضمن "سن تشريع يحظر الرموز الإسلامية في البلاد"!..

الصهيونية وجدت ضالّتها:

في التفاعلات الصهيونية مع تلك الظواهر– على المستوى الرسمي والشعبي– يحتل العداء للإسلام مكاناً رئيسياً، وفي هذا السياق نجد ما يسمى وزير الشتات "الإسرائيلي" عميحاي شيكلي يبادر للقاء حزب التجمع الوطني الفرنسي بقيادة جوردان بارديلا في واشنطن يوم 21/ 2/ 2025 لمناقشة "الحرب الدولية على الإرهاب الإسلامي"، كذلك المشاريع المشتركة مع كتلة "الوطنيين من أجل أوروبا" وهي تجمّع برلماني أوروبي يضم حزب التجمع الوطني والأحزاب اليمينية الشعبوية المتطرفة من النمسا والمجر وهولندا!..

إضافة لهذه الأحزاب، أقامت "إسرائيل" علاقات وثيقة مع زعيم اليمين المتطرف الهولندي- خيرت فيلدرز– الذي تعهد حزبه "الحرية" في بيانه الانتخابي عام 2023" بإغلاق المساجد والمدارس الإسلامية، وحظر الحجاب، وتجميد اللجوء، ومكافحة الهجرة"!..

كما طورت "إسرائيل" العلاقات مع "حزب الرابطة الإيطالي" انطلاقاً من الموقف المشترك من "العدو الإسلامي" وهو ما أكّده ما يسمى وزير الأمن والشؤون الاستراتيجية السابق "جلعاد أردان" حين أعلن: "نحن شركاء مع الحزب الإيطالي في مكافحة الإرهاب الإسلامي الذي يهدد أوروبا والعالم".

وفي بلجيكا يدعم حزب المصلحة الفلمنكية "V. B" اليمين القومي الديني الصهيوني والذي يعلن زعيمه أن "هناك مصلحة مشتركة بين الصهاينة والفلمنكيين للنضال ضد الإسلام في أوروبا"!.

لقد جاء فوز ترامب بالانتخابات الرئاسية الأمريكية في تشرين الثاني 2024 ليعطي شحنة كبيرة للشعبوية المتطرفة عالمياً، وأصبحت الولايات المتحدة نفسها في ظل غطرسة القوة الترامبية منارة للإمبريالية المتوحشة في جميع أنحاء العالم، ويلاحظ أن اليمين الشعبوي الأمريكي يركز اهتمامه على التحول الواسع في أوروبا ويغذيه، حيث تنمو ظاهرة الأحزاب اليمينية الشعبوية التي تشترك في رؤيتها الانعزالية ومعاداتها للهجرة والإسلام، والتي بدأت بالانضمام إلى إدارة البيت الأبيض في هجومها على حقوق الإنسان والليبرالية والعولمة!..

في هذا السياق جاء لقاء جيه دي فانس نائب الرئيس الأمريكي، بزعيمة "حزب البديل من أجل ألمانيا" قبل أسبوع من الانتخابات التشريعية الألمانية، كاسراً بذلك أحد المحرمات في السياسة الألمانية التي يطلق عليها "جدار الحماية ضد أقصى اليمين"، وبموجبه ينبغي أن يبقى الحزب المناهض للهجرة والمرتبط بالتطرف بعيداً عن أي ائتلاف حاكم في ألمانيا!..

هناك من يرون بالملياردير إيلون ماسك بأنه "يميني متطرف" يعمل بموجب أفكاره الخاصة وبدعم من الإدارة الأمريكية من أجل إضعاف التوجهات الأوروبية التي تعيق عمل الشركات الأمريكية، ومنها شركاته، بما يحقق له مزيداً من الأرباح، بجانب دعم وتوسيع نفوذ الولايات المتحدة، وجعلها القوة الأكبر في القرن القادم.. في الوقت نفسه يعتبر الرئيس ترامب حليفاً مخلصاً لـ "إسرائيل" قدم لها ما لم يقدمه رئيس أمريكي آخر، حسب تصريحه في تموز 2026: "باعتباري حليفاً مشتركاً ينبغي أن أدعم التحالف بين أقصى اليمين الأوروبي واليمين القومي الديني الصهيوني، وأن نوفر لهما المناخ الملائم لتقوية تحالفهما"!..

عقدة الذنب الأوروبية:

تربط الذاكرة الأوربية بين أحزاب أقصى اليمين الحالي والجرائم التي ارتكبتها الأنظمة اليمينية المتطرفة الأوربية في الماضي غير البعيد، مثل النازية في ألمانيا "1933- 1945" والفاشية في إيطاليا "1922 – 1945" ونظام فرانكو في إسبانيا "1939-1975".. لقد انتبهت هذه الأحزاب الصاعدة سياسياً إلى حاجتها لتبييض سمعتها والتبرؤ من الجرائم والاتهامات التي تلصق بها، خصوصاً الاتهامات الجاهزة بـ "معاداة السامية".. فذهبت نحو صناعة علاقات مميزة مع "إسرائيل" في حين استبدلت "كراهية اليهود" بأشكال جديدة من العنصرية وكراهية المهاجرين الأجانب والمسلمين!..

يمثل حزب التجمع الوطني الفرنسي نموذجاً لذلك، إذ تعمل مارين لوبان على تغيير صورة الحزب كحزب "معادٍ لليهود"، ودفعه بعيداً عن إرث والدها مؤسس الحزب الذي أدين بالتحريض على الكراهية العنصرية بسبب تصريحاته المعادية "لإسرائيل"!..

وفي إيطاليا يسعى حزب "إخوان إيطاليا" الذي يقود أول حكومة من أقصى اليمين منذ الحرب الكونية الثانية، إلى الابتعاد عن جذوره الفاشية، وأصدرت رئيسته جورجيا ميلوني توجيهات لأعضائه بالامتناع عن الإدلاء بتصريحات متطرفة، أو التلميح بالفاشية.. وخلال حملتها الانتخابية اعتبرت نفسها شريكاً استراتيجياً لـ "إسرائيل"، وعلى الرغم من أنها خففت من انحيازها للجانب الإسرائيلي، تحت ضغط الرأي العام العالمي والشارع الإيطالي، وحرب الإبادة الصهيونية في قطاع غزة، فإنها تحافظ على علاقاتها مع "الإسرائيليين"!..

لقد تلقفت "إسرائيل" تلك الرغبة لدى أحزاب اليمين الشعبوي الأوروبي، وتحاول استغلالها واللقاء مع تلك الأحزاب على قواسم مشتركة تخدم الطرفين، وفي هذا السياق أشار ما يسمى وزير الخارجية "الإسرائيلي" جدعون ساعر أن "حكومته تدرك أن بعض هذه الأحزاب لها جذور سيئة وتاريخ معادٍ لليهود ولكنها تدرك أيضاً أنها خضعت للإصلاح، وأن العبرة بالأفعال".. ويتابع ساعر حديثه: "نحن نقيّم كل حالة بعناية، على أساس معايير أربعة رئيسية هي: موقفها من إسرائيل، وموقفها تجاه المجتمعات اليهودية المحلية، وكيفية التعامل مع المجتمعات اليهودية في بلدانها، وما إذا كانت قد تخلصت من إرثها المعادي للسامية"!..

خلاصة القول:

بالرغم من الموقف التاريخي لأحزاب اليمين الأوروبي القائم على التشكيك بالروايات الصهيونية حول المحرقة النازية "الهولوكوست"، غير أن التوافق بين أقصى اليمين الأوروبي وأقصى اليمين الصهيوني كان متوقعاً.. فبين "التياريْن" أصول فكرية مشتركة قائمة على التعصب القومي والديني، كما أن بينهما أهدافاً مشتركة.. وقد جاء "إنشاء إسرائيل" في أحد جوانبه تحقيقاً لهدف اليمين الأوروبي المتطرف المتمثل في "تخليص أوروبا من اليهود" وإيجاد موطن لهم بعيداً عن القارة، وقد نجحت الحركة الصهيونية في العقود القليلة الماضية بالتفاهم مع اليمين الشعبوي الأوروبي على عدو مشترك هو "الإسلام" وكل أشكال المقاومة للمشروع الصهيوني الاستيطاني الإحلالي الكولونيالي.. وجاء صعود الشعبوية الترامبية في الولايات المتحدة ليوفر المناخ الأمثل لإعلان التحالف بين التيار الشعبوي في أوروبا والمشروع الصهيوني التوسعي!..

ومن المتوقع أن يستمر هذا التحالف لتوفّر عوامل استمراره عبر التقارب الأيديولوجي، وتوافق المصالح، ومباركة الحليف الأمريكي!..