Menu

تقريرحتى الهواء لم يعد متنفسًا.. روائح غامضة تتسلل إلى بيوت وخيام غزة

كريمة شهاب

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

في ظل استمرار العمليات العسكرية الصهيونية في قطاع غزة، يواجه السكان في مناطق متفرقة ظاهرة مقلقة تتمثل في انتشار روائح غريبة خلال ساعات الليل، تصل إلى الخيام ومراكز الإيواء والمنازل.

وخلال الأيام الأخيرة، تحدث سكان في مدينة غزة وشمال القطاع ووسطه عن روائح كثيفة وحادة، وصفها بعضهم بأنها تشبه رائحة مواد متحللة أو مركبات نفاذة يصعب تحملها، خصوصًا داخل الخيام التي لا توفر حماية كافية من الهواء الخارجي.

ويقول عدد من ساكني تلك المناطق إن ظهور هذه الروائح يتزامن، في بعض الحالات، مع تحليق طائرات مسيّرة صهيونية ومشاهدتهم أجسامًا صغيرة تسقط في محيط المناطق السكنية، دون أن يتمكنوا من تحديد طبيعتها أو محتوياتها. ومع غياب عينات خضعت لفحوص مخبرية، لا تزال هوية المواد ومصدر الروائح غير محسومين، فيما تتزايد مخاوف السكان من آثارها المحتملة على صحتهم، خصوصًا الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي.

هواء.jpeg

روائح ليلية تثير التساؤلات

يقول محمد النجار، من مدينة خان يونس، في حديث خاص لـ”بوابة الهدف”: "إن الروائح تظهر بصورة أوضح خلال ساعات الليل، وتزداد حدتها في بعض الأوقات إلى درجة تجعل البقاء في المكان صعبًا".

ويشير النجار إلى أن "السكان حاولوا في البداية تفسير الأمر بالأسباب البيئية المعتادة، مثل تراكم النفايات أو طفح مياه الصرف الصحي، في ظل التدهور الكبير الذي طال خدمات النظافة والصرف الصحي في القطاع. لكن مع ملاحظتنا وجود طائرات مسيّرة في السماء، بدأنا نتساءل إن كان هناك شيء آخر يحدث”.

ويضيف: "نحاول، عند اشتداد الرائحة، إغلاق منافذ الخيام والمنازل قدر الإمكان، إلا أن ذلك لا يمنع دخولها بالكامل، خصوصًا في الخيام التي لا توفر عزلًا كافيًا عن الهواء الخارجي".

ويعقّب بأن المقيمين في مناطق أخرى تحدثوا عن روائح مشابهة، وإن بدرجات متفاوتة، مشيرًا إلى أن شدتها تتأثر باتجاه الرياح وقرب المناطق السكنية من المواقع التي يقول السكان إن أجسامًا سقطت فيها.

ويصف النجار حالة القلق بسبب المشكلة التي لا تقتصر على الرائحة نفسها، بل تمتد إلى عدم معرفة مصدرها أو طبيعة المادة التي قد تكون وراءها وتأثيرها على الصحة، واستمرار الظاهرة من دون تفسير واضح يترك السكان في حالة ترقب، خصوصًا عندما تتكرر خلال ساعات الليل.

الهواء 0.jpeg
 

أجسام مجهولة في السماء

في حي التفاح شرق مدينة غزة، يتحدث سكانه عن مشاهدتهم أجسامًا أو عبوات صغيرة تسقط من الجو في محيط المناطق السكنية، دون أن يتمكنوا من تحديد طبيعتها.

ويقول يوسف حلس، أحد سكان المنطقة، في حديث خاص لـ”بوابة الهدف”: "شاهدنا في أكثر من مناسبة أجسامًا صغيرة تسقط من الطائرات المسيّرة، بعضها ينفجر في الجو، فيما يصل بعضها الآخر إلى الأرض. ولا نستطيع الاقتراب منها أو معرفة ما بداخلها بسبب خطورة المكان”.

ويشير حلس إلى أن انتشار الروائح يتسبب، بحسب ما يلاحظه السكان، بحالات من الهيجان والانزعاج، خصوصًا بين الأطفال وكبار السن، ما يدفع بعض العائلات إلى محاولة إبعادهم عن أماكن انتشار الرائحة أو مغادرة المكان مؤقتًا إذا أمكن.

ويقول: "إن عدم الوصول إلى مواقع سقوط هذه الأجسام يحول دون معرفة محتوياتها"، موضحًا أن ما يتوفر لدى السكان حتى الآن يقتصر على المشاهدة المباشرة، دون وجود عينات يمكن فحصها.

وبالتالي، يبقى الربط بين هذه الأجسام والروائح المتداولة ضمن روايات السكان وملاحظاتهم، يحتاج إلى توثيق ميداني وفحص علمي مستقل.

هواءء.jpeg

هل هي مادة «Skunk» أم مادة أخرى مجهولة؟

مع انتشار هذه الروايات، برزت تساؤلات بشأن طبيعة الروائح ومصدرها، وما إذا كانت مرتبطة بمادة تُعرف باسم «Skunk»، وهي مادة ذات رائحة نفاذة ارتبط استخدامها من قبل القوات الإسرائيلية في سياقات تفريق الاحتجاجات والتجمعات.

وتتميز «Skunk» برائحة شديدة النفاذية والالتصاق، يمكن أن تبقى في المكان وعلى الأسطح والملابس بعد التعرض لها. ولا تزول الرائحة عن الجلد أو الملابس بسهولة؛ إذ يمكن أن تستمر على أجساد الأشخاص لعدة أيام، وعلى الجدران والمنازل لأسابيع أو أشهر، حتى مع محاولات الغسيل المتكررة.

لكن تشابه الرائحة وحده لا يكفي لتحديد طبيعة المادة المستخدمة في الحالات التي يتحدث عنها سكان قطاع غزة، إذ إن الروائح قد تنتج عن مواد أو مركبات مختلفة. ويحتاج تحديد هوية مادة مجهولة بصورة علمية إلى الحصول على عينة منها وإخضاعها لتحليل مخبري يحدد مكوناتها وتركيزاتها.

وبناءً على ذلك، يبقى ربط الروائح التي أبلغ عنها سكان غزة بمادة «Skunk» احتمالًا يحتاج إلى التحقق والأدلة المخبرية، وليس استنتاجًا علميًا مثبتًا حتى الآن.

هوواء.jpeg

سوابق لمواد مجهولة تثير المخاوف

ولا تأتي هذه المخاوف من فراغ، إذ سبق أن أُثيرت تساؤلات بشأن استخدام مواد مجهولة الطبيعة أو التركيب في الأراضي الفلسطينية، وما قد تسببه من آثار صحية وبيئية على السكان.

وتستخدم قوات الاحتلال عدة وسائل لرش أو إطلاق هذا السائل الكريه، من بينها خراطيم المياه والقنابل الدخانية والمقذوفات التي تنفجر لنشر الرائحة النفاذة في الأحياء السكنية والمناطق المكتظة، بما يدفع السكان إلى الهجر ومغادرة منازلهم أو الابتعاد عن أماكن انتشارها.

ورغم تصنيف هذه المواد ضمن ما يُعرف بالأسلحة «غير القاتلة»، فإن التعرض لها ارتبط، وفق إفادات وتقارير سابقة، بأعراض جسدية بينها الغثيان والقيء وتشنجات المعدة وصعوبة التنفس، إلى جانب تهيج العينين واحمرار الجلد، فضلًا عن آثار نفسية مرتبطة بالتعرض المفاجئ لها.

وبحسب تقارير سابقة، بدأ استخدام هذا السائل في الضفة الغربية عام 2008، قبل أن يمتد لاحقًا إلى القدس وقطاع غزة، ضمن وسائل تفريق الاحتجاجات والتعامل مع التجمعات الفلسطينية.

وفي أواخر يونيو/حزيران الماضي، تحدثت تقارير عن ضخ مادة غريبة شبيهة بالإسمنت قرب مخيم المغازي وسط قطاع غزة، قبل أن تتسرب إلى الشوارع وبين المنازل، من دون معلومات واضحة حول طبيعتها أو مكوناتها.

كما ارتبط استخدام ما يعُرف بـ«المياه العادمة» أو «المياه القذرة» في الضفة الغربية والقدس، خلال سنوات سابقة، بتفريق احتجاجات، وسط إفادات عن روائح نفاذة وأعراض شملت الغثيان والقيء وتهيج العينين والجلد لدى بعض الأشخاص.

وتعيد هذه الوقائع إلى الواجهة مخاوف متكررة بشأن استخدام مواد ذات طبيعة غير معلومة أو مهيّجة في التعامل مع الفلسطينيين، وما قد يترتب على ذلك من مخاطر صحية وبيئية، خصوصًا في ظل غياب معلومات واضحة عن تركيب هذه المواد وآلية تأثيره.

ويشير المستشار في صحة البيئة والسموميات، الدكتور رمزي صنصور، في حديث سابق حول هذه المواد، إلى أنها كانت قريبة في طبيعتها من المياه العادمة، واصفًا إياها بأنها أشبه بـ«مياه عادمة مصنّعة»، من حيث الرائحة والخصائص التي لاحظها السكان عند تعرضهم لها.

ويضيف صنصور أن طبيعة هذه المواد لا يمكن تحديدها بصورة قاطعة اعتمادًا على الرائحة أو المظهر وحدهما، إذ إن معرفة مكوناتها وتأثيراتها الصحية والبيئية تتطلب الحصول على عينات وإخضاعها لفحوص مخبرية متخصصة.

لكن صنصور أشار أيضًا إلى عدم إجراء فحوص مخبرية فلسطينية عليها، بسبب صعوبة الحصول على عينات منها، وهو ما يعكس صعوبة الجزم بطبيعة المواد مجهولة المصدر من دون تحليل مباشر.

وتزداد أهمية هذا الجانب في ظل تكرار الحديث عن مواد أو روائح مجهولة، إذ إن التشابه في الرائحة أو الأعراض التي يشعر بها السكان لا يكفي وحده لإثبات أن المواد المستخدمة متشابهة أو أنها تحمل التركيبة نفسها، ما يجعل التوثيق الميداني والفحص المخبري خطوة أساسية لفهم طبيعتها وتقييم مخاطرها الصحية والبيئية.

ماذا يقول الطب عن الأضرار الصحية؟

إن استمرار تعرض السكان لهذه الروائح دون معرفة طبيعة المواد التي تقف وراءها، تبرز مخاوف من آثار صحية محتملة، خصوصًا لدى الأطفال وكبار السن ومرضى الجهاز التنفسي.

يتحدث الدكتور محمد رامي، في حديث لـ”بوابة الهدف” عن العواقب الصحية: "إن تقييم الأضرار الصحية بشكل دقيق يرتبط أولًا بتحديد طبيعة المادة وتركيزها ومدة التعرض لها، مشيرًا إلى أن استنشاق مادة مجهولة المصدر يستدعي الحذر، لا سيما في الأماكن المغلقة وسيئة التهوية".

ويضيف بأن بعض الأبخرة أو الغازات المهيجة قد تسبب تهيج العينين والأنف والحلق، والسعال، والصداع، وضيق التنفس، إلى جانب الغثيان وآلام المعدة والبطن، وقد تكون الأعراض أكثر حدة لدى الأشخاص الذين يعانون من أمراض تنفسية سابقة.

ويشير د. رامي إلى أن "آثار بعض المواد ذات الروائح النفاذة قد لا تزول بسهولة بالماء والصابون، وقد تبقى عالقة في الملابس أو الأسطح لفترة، ما يزيد من شعور السكان بالانزعاج ويطيل فترة التعرض للرائحة".

ويؤكد الطبيب المختص أن "ظهور أعراض صحية بعد التعرض لرائحة معينة لا يكفي وحده لتحديد نوع المادة أو إثبات سببها، مشددًا على أهمية إجراء الفحوص المخبرية للعينات، إلى جانب التقييم الطبي للحالات، للوصول إلى استنتاج علمي دقيق".

كما يحذّر من الاقتراب من الأجسام أو المواد مجهولة المصدر أو لمسها، داعيًا إلى الابتعاد عن أماكن انتشار الروائح قدر الإمكان، وطلب الرعاية الطبية عند ظهور أعراض شديدة أو مستمرة، خصوصًا صعوبة التنفس أو فقدان الوعي.

الصحة: لا معلومات مؤكدة عن طبيعة المادة

صرّح مدير دائرة صحة البيئة والسلامة المهنية في وزارة الصحة، أيمن الرملاوي، لـ"بوابة الهدف"، بأن "الوزارة تلقت شكاوى وبلاغات عن حالات تعاني من أعراض يُعتقد أنها مرتبطة بالروائح، بالتزامن مع انتشار رائحة كريهة وقوية جدًا في مناطق مختلفة من مدينة غزة وشمال القطاع".

وأوضح الرملاوي أن الجهات المختصة لا تملك حتى الآن معلومات تفصيلية بشأن طبيعة المادة التي تسببت في انتشار هذه الرائحة أو مكوناتها، مشيرًا إلى أن ضعف الإمكانيات وعدم القدرة على الحصول على عينات كيميائية حالا دون إجراء فحوص تحدد ماهيتها.

وحول مدى خطورة المادة، قال الرملاوي: "ليس مستبعدًا أن تستخدم قوات الاحتلال مواد كريهة الرائحة أو سامة أو غيرها، لكنه شدد على أن تحديد مستوى الخطورة أو طبيعة المادة لا يمكن أن يتم بدقة من دون إخضاع عينات منها للفحص المخبري، بما يسمح بتحديد نوعها وتركيبتها وتركيزها".

وفيما يتعلق باحتمال أن تكون المادة سامة، قال الرملاوي: "هذا الاحتمال لا يمكن تأكيده أو نفيه من دون تحليل مخبري"، مضيفًا أنه لا يستبعد أن يكون الهدف من إطلاقها هو نشر رائحة شديدة الكراهية وإزعاج السكان وتكدير حياتهم، أكثر من كونها مادة سامة بالمعنى الكيميائي.

حتى الهواء لم يعد متنفسًا

في غزة، حيث يعيش السكان وسط الحرب والنزوح وتدهور الخدمات الأساسية، تضيف الروائح مجهولة المصدر قلقًا جديدًا إلى حياتهم اليومية.

ومع غياب العينات والفحوص المخبرية، لا يزال مصدر هذه الروائح وطبيعة المواد المرتبطة بها غير محسومين.

فبالنسبة لمن يعيشون في الخيام والمنازل المتضررة، لا يتعلق الأمر بمعرفة مصدر الرائحة فحسب، بل بمعرفة ما إذا كان الهواء الذي يتنفسونه آمنًا.

ويبقى السؤال مفتوحًا: ما هذه الروائح، وما الذي تحمله معها؟

الإجابة لا يمكن أن تحسمها الشهادات وحدها، بل تحتاج إلى عينات، وتحليل مخبري، وتوثيق ميداني مستقل، يحدد طبيعة المادة وآثارها الصحية ويضع النتائج أمام المختصين والجهات المعنية والرأي العام.

هواء غزة.jpeg