على مسافة راعشة من كاميرا تلتقط إحدى أطفال غزة... ترفع الطفلة يداها المضرجتان بالخوف إلى السماء وفي لاوعيها أن ثمة قناصاً يتربص بها، لكن يداها الصغيرتان تطاولتا حدَّ السماء، وحسبها أنها سترفع الأنقاض -أنقاض البيوت- عما تبقى من أهلها، لا حيلة للصغيرة سوى الوقوف بصمت، مثل زمن هناك لم يعد مشغولاً بتعداد الشهداء والجرحى والمفقودين، والذين تسمروا في بضعة خيام لا تقيهم شر الصيف أو قر الشتاء، يطمئن المصور الطفلة بأنه لا يريد سوى التقاط صورة.. محض صورة، هي ليست للذكرى بل للذاكرة التي تتسع على جهات غزة، وإلى دروبها المزدحمة ببقايا البيوت وصواريخ الغزاة، ما خلا شجراً واقفاً يسند الأرض بجذوره، لعله أرواح من ذهبوا في صباحات غزة ومساءاتها، وربما نياماً ومن أدركوا المذبحة بصحوهم الطليق ظلوا في المسافات الأخرى رهائن صبر فاض عن صبره.. وحدهم من يرفعون أكفهم إلى السماء هاتفين: يا الله.
تلعثم البوح في عين الكاميرا والمصور لا ينفك على محاولة التقاط ما يستطيعه، لكن حبر المقتلة كان أكثر اتساعاً من ذاكرة صورة ما.
ترجع الطفلة بضع خطوات محسوبة وقد هدأ قلبها الصغير، هي في حيرة من أمرها هل تبتسم أم تبكي، أم تخبر المصور المندهش عن ليلة فائتة أم ليلة ستأتي ولا تجد أحداً، حسبها أن تتذكر فقط أن أهلها كانوا هنا وذهبوا بعيداً فوق السماء السابعة، لتبدأ بتذكر أسماؤهم واحداً واحداً، وكيف لم يتموا عشاءهم، يستدير المصور بكاميرته خلف حكايات الصغيرة، مقترباً من الطفلة أكثر، يغلق عين الكاميرا ويدع لعينيه أن تتسعا أكثر فثمة تخوم لا يصلها المرء إلا بالقلب وحده.

