ليست كل الآلام تُرى بالعين، فبعضها يسكن في البيوت الفارغة، على موائد لن يجتمع حولها أفراد العائلة من جديد، وفي أسرّة بقي فيها الفراغ مكان من لن يعودوا أبدًا، هناك أمهات يستيقظن كل صباح على أمل أن أطفالهن ما زالوا على قيد الحياة، وآباء يحاولون أن يبدوا أقوياء رغم أن قلوبهم لم تستطع يومًا أن تتصالح مع فقدان أعزّ ما يملكون، وأطفال تعلّموا بدلًا من أن يحلموا باللعب والمدرسة والمستقبل أن يتعرّفوا على الخوف والفراق والصمت الذي يعقب المأساة، هكذا تبدو الحياة اليومية لكثير من سكان غزة، أرض صار الألم فيها جزءًا من اليوم العادي، وباتت معركة البقاء تحتل مكان الخطط والأحلام، ف غزة ليست مجرد نقطة على الخريطة، بل هي بيت وعائلة وذاكرة وتاريخ أجيال عديدة، أماكن كبر فيها الناس وأحبوا وكوّنوا عائلات وحلموا بمستقبل أفضل لأبنائهم، واليوم تحوّل كثير منها إلى أنقاض، وخلف كل شارع مدمَّر حكايات بشرية لا يمكن أن تختصرها جملة واحدة، لكن ما يوجع أكثر هو أن مع البيوت تُهدَم الأحلام والأمان والروابط التي تربط الإنسان بماضيه، والأطفال الذين سُلِبت منهم طفولتهم، ففي غزة لم يعد عمر الطفل يُقاس بعدد السنوات التي عاشها، بل بثقل التجارب التي اضطر إلى حملها، أطفال كان يُفترض أن يقلقوا فقط على واجباتهم المدرسية واللعب مع أقرانهم يسألون عن آباء وأمهات وإخوة وأقارب اختفوا من حياتهم، وبدلًا من الرسومات الملوّنة على الجدران تمتلئ أيامهم بمشاهد الدمار والقلق على الغد والحنين إلى عالم لم يعد موجودًا، بعضهم يتذكّر صوت أمه التي لم يعد يستطيع احتضانها، وآخرون يبحثون عن أبيهم بين الأنقاض، وهناك من لا يفهم لماذا لم يعد لبيته وجود ولماذا لا يستطيع أحد أن يضمن لهم ليلة هادئة، فكيف نفسّر لطفل أن مدرسته لم تعد موجودة وأن ألعابه تحت الركام وأن المكان الذي كان يشعر فيه بالأمان أصبح مصدر خوف، وكيف ننظر في عينَي إنسان صغير لا يطلب ثروة ولا امتيازات استثنائية بل فقط أن يعيش مثل أطفال العالم الآخرين، والمأساة الأكبر ليست فقط في فقدان الأطفال لحياتهم، بل في أن أولئك الذين ينجون يضطرون إلى حمل ثقل ذكريات عبر حياتهم كلها ما كان ينبغي لأي طفل أن يحملها، وهناك بُعد آخر من مأساة غزة لا بد من قوله بصوت عالٍ: تدمير المقابر، فوفق تقرير مرصد يوروميد لحقوق الإنسان الذي نُشر في الخامس عشر من مارس عام ألفين وستة وعشرين، أدّت العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى تدمير كلي أو جزئي لثمانية وخمسين مقبرة من أصل اثنتين وستين مقبرة رسمية جرى تحليلها في قطاع غزة، وأفادت المنظمة بأن تسعًا وثلاثين مقبرة سُوِّيت بالأرض تمامًا وتسع عشرة مقبرة أخرى تعرّضت لأضرار جزئية، وهذه أرقام يختبئ خلفها شيء أكبر بكثير من شواهد قبور محطّمة، ففي المقابر الفلسطينية يرقد آباء وأمهات وأجداد وأجداد أجداد وأجيال كاملة من العائلات، يرقد فيها أناس عاشوا الحروب والتهجير وفقدان البيوت والمآسي المتتالية ورغم ذلك تركوا لأبنائهم ذكرى العائلة والأرض والجذور المشتركة، وحين تدمّر الآليات الثقيلة القبور وتتحطّم الشواهد وتختلط رفات الموتى أو تُفقد إمكانية التعرف عليها، لا يتألم فقط من رحلوا، بل يتألم أيضًا الأحياء الذين يُسلَبون القدرة على العثور على قبور أقاربهم وزيارتها ونقل ذكراهم إلى الأجيال التالية، فهل يمكن أن تُسلَب من الإنسان داره وتُدمَّر عائلته ثم يُسلَب أيضًا المكان الذي يرقد فيه أسلافه، وهل بعد تدمير الشوارع والمدارس والمستشفيات والبيوت يجب أيضًا تدمير قبور من لم يعد بمقدورهم الدفاع عن أنفسهم، فالمقبرة ليست قطعة أرض عادية، بل هي مكان للذاكرة والحداد والاحترام، وشهادة على أن أناسًا سبقونا عاشوا وأحبوا وعملوا وربّوا أطفالًا وتركوا خلفهم تاريخًا، ولا يمكن التعامل مع القبور كعقبة عادية في الأرض دون عواقب وخيمة على العائلات والمجتمعات، فالقانون الإنساني الدولي يفرض التزامات تتعلق بمعاملة الموتى بكرامة وحماية أماكن الدفن
والتعرف على الرفات، وكل تقرير عن انتهاك هذه القواعد يجب أن يُحقَّق فيه بشكل مستقل وأن يُحاسَب المسؤولون عن الأفعال غير القانونية، وفي غزة يطرح سؤال موجع: هل تدمير أماكن الدفن مجرد نتيجة أخرى من نتائج الحرب، أم أنه يؤدي في بعض الحالات أيضًا إلى محو الآثار المادية لوجود عائلات وأجيال بأكملها، ولا يجوز الحكم مسبقًا على النوايا دون تحقيق كامل في الحالات المحددة، لكن لا يجوز أيضًا تجاهل حجم الدمار ولا حق الفلسطينيين في ذكرى أسلافهم، فيمكن هدم شاهد قبر لكن لا ينبغي أن يكون ممكنًا محو تاريخ إنسان، ويمكن تدمير مقبرة لكن لا يمكن سلب عائلة حقها في الذكرى، ومع اقتراب الأول من نوفمبر عيد جميع القديسين في بولندا، يزور ملايين البولنديين المقابر التي يرقد فيها آباؤهم وأجدادهم وأجداد أجدادهم وإخوتهم وأصدقاؤهم، يشعلون الشموع ويضعون الزهور ويصلحون الشواهد ويتوقفون لحظة في صمت، يتذكرون من رحلوا لكنهم ما زالوا يعيشون في قلوبهم، فبالنسبة لكثير من العائلات في بولندا ليست زيارة المقبرة مجرد تقليد، بل تعبير عن الحب والذاكرة والاحترام، وطريقة للحفاظ على الرابط مع من رحلوا ونقل تاريخ العائلة إلى الأبناء والأحفاد، فلنتخيل الآن أمًا فلسطينية تريد زيارة قبر طفلها لكنها لا تعرف إن كان القبر ما زال موجودًا، ولنتخيل أبًا يريد إشعال شمعة على قبر والديه لكنه لا يستطيع العثور على مكان دفنهما، ولنتخيل عائلة لا تعرف أين يرقد أقاربها لأن المقبرة دُمِّرت واختفت الشواهد والرفات تحتاج إلى تعرّف، فما هو حق للعائلة البولندية في الذكرى أصبح بالنسبة لكثير من العائلات الفلسطينية صراعًا مأساويًا للحفاظ على أي أثر لمن أحبّوا، والمسألة ليست مقارنة آلام ولا ادعاء بأن كل التجارب متطابقة، بل فهم قيمة مشتركة: فبغض النظر عن الجنسية والدين ومكان الإقامة، للإنسان حق في أن يحزن على موتاه ويزور قبورهم وينقل ذكراهم إلى الأجيال التالية، بولندي أو فلسطيني أو مسيحي أو مسلم أو يهودي، كل إنسان يعرف معنى كلمات: أم، أب، جد، جدة، عائلة، وذاكرة، فهل يمكن أن نشعل الشموع على قبور أسلافنا ونبقى في الوقت نفسه غير مبالين بعائلات تُسلَب إمكانية العثور على قبور أقاربها، وهل لذكرى موتانا قيمة فقط عندما يرقدون في مقابر في مدننا وقرانا، وفي هذه الفترة بالتحديد يجب أن نتذكر بقوة أن احترام الموتى لا يمكن أن يعتمد على جواز السفر أو الدين أو الجنسية، وتدمير الذاكرة لا يمكن أن يصبح وسيلة لمحو شعب، فالفلسطينيون عاشوا عبر أجيال التهجير وفقدان البيوت والانفصال عن أرض أسلافهم، وكثير من العائلات تحتفظ بذكرى أماكن لا تستطيع العودة إليها وبيوت لم تعد موجودة وقبور أقارب تُركت بعيدًا عن مكان إقامتهم الحالي، وفي غزة هذه الذاكرة اليوم مهددة بشكل إضافي بسبب الحجم الهائل للدمار، فالبيوت يمكن إعادة بنائها والمدارس يمكن إعادة فتحها والشوارع يمكن رسمها من جديد، لكن عندما تُدمَّر القبور والوثائق والشواهد المادية لتاريخ العائلة، قد يصبح استعادة الذاكرة المفقودة أمرًا مستحيلًا، لذلك فإن حماية المقابر ليست مسألة ثانوية يمكن تأجيلها حتى انتهاء الحرب، بل هي جزء من حماية كرامة الإنسان وحقوق العائلات وتراث المجتمع بأكمله، فلكل عائلة حق في معرفة مصير أقاربها، ولكل مجتمع حق في الحفاظ على ذكرى أسلافه، ولكل شعب حق في تاريخ لا يجوز محوه بالعنف، ولا يجب الاتفاق مع كل الآراء السياسية للفلسطينيين للاعتراف بهذه الحقوق الأساسية، ولا يجب مشاركة جنسية أحد أو دينه لفهم معاناة آباء فقدوا أطفالهم وعائلات لا تعرف أين يرقد أقاربها، يكفي أن نبقى بشرًا، وغزة هي اختبار لإنسانيتنا، فعندما نسمع عن دمار جديد يسهل أن نعتاد على صور الأنقاض، تصبح الأرقام عناوين والأسماء تختفي من الذاكرة وتبدأ المآسي البشرية تشبه أخبارًا يمكن قراءتها وتجاوزها، لكن خلف كل رقم حياة محددة، وخلف كل بيت مدمَّر عائلة، وخلف كل قبر إنسان كان يومًا ما العالم كله لشخص ما، وغزة لا تحتاج إلى إعلانات فارغة جديدة، بل تحتاج إلى حماية فعّالة للمدنيين ووصول المساعدات الإنسانية واحترام القانون الدولي وإمكانية إعادة الإعمار والمساءلة عن الانتهاكات الموثقة، وتحتاج أيضًا إلى حماية المقابر وتأمين الرفات والتعرف على الموتى وتمكين العائلات من دفن أقاربها بكرامة وزيارة قبورهم، فلا يمكن بناء سلام عادل على النسيان، ولا يمكن الحديث عن مصالحة إذا كانت العائلات لا تزال لا تعرف ما حدث لأقاربها، ولا يمكن الحديث عن كرامة الإنسان إذا مُنِع حتى الموتى من الاحترام الواجب، وفي الأيام القادمة سيقف ملايين البولنديين عند قبور أقاربهم، فلتدفعنا هذه اللحظة إلى التأمل أيضًا في مصير عائلات في غزة فقدت ليس فقط من أحبّت، بل أيضًا الأماكن التي حافظت فيها عبر أجيال على ذكراهم، لأن الإنسانية الحقيقية تُعرَف ليس فقط في طريقة تعاملنا مع الأحياء، بل أيضًا في قدرتنا على احترام الموتى، فلا يضطر أي شعب إلى النضال من أجل حقه في ذكرى أسلافه، ولا ينشأ أي طفل في عالم يمكن أن تختفي فيه قبور عائلته تحت جنازير الآليات الثقيلة، ولا تضطر أي أم إلى البحث عن المكان الذي يرقد فيه طفلها، وغزة تستحق الحياة والحرية والأمان والمستقبل، والفلسطينيون يستحقون أن يعيشوا على أرضهم ويحافظوا على تاريخهم وينقلوه إلى الأجيال التالية، أما الموتى، بغض النظر عمن كانوا وأين دُفنوا، فيستحقون الكرامة والسكينة، وعندما نشعل الشموع في الأول من نوفمبر على قبور أقاربنا، فلنفكر أيضًا في أولئك الذين لم يعد لهم في غزة قبر يمكنهم البكاء عنده، فلا تنتهِ ذاكرتنا عند حدود مقبرتنا، وليكن ذكرانا شهادة إنسانية، وليكن صوتًا لمن مُنِعوا من الكلام، وليذكّر العالم بأنه لا ينبغي إجبار أي شعب على النضال من أجل حقه في تذكّر أسلافه، فالذاكرة ليست امتيازًا، بل حق، وكرامة الموتى هي مقياس احترامنا للحياة.
عمر فارس

