Menu

تقريرأكتوبر ليس ورديًا في غزة.. وحش خبيث يلتهم صحة النساء في صمت الانتظار

مرح عطالله

مريضات سرطان الثدي في مشفى الشفاء بغزة..

خاص _ بوابة الهدف الإخبارية - قطاع غزة

في قسم الأورام بمستشفى الشفاء الطبي تجلس مريضات سرطان الثدي على كراسٍ بلاستيكية وسرير تحظى به أكثرهن تعبًا، لكل واحدة منهن قصة، عائلة، ومسار تشخيصي علاجي إن اختلفت تفاصيله لا تختلف كثيرًا معاناته، يد إحداهن موصولة بالعلاج الكيماوي عبر الوريد، وباليد الأخرى تتحسس آخر حبات العلاج البيولوجي ولسانها يتمتم: "اشتقتُ لشعري".

سرطان الثدي يشكّل نحو 33% من حالات السرطان بين النساء في غزة، ونحو 18% من إجمالي حالات السرطان المسجلة. وتنتهي نحو 13% من حالات الإصابة به بالوفاة. وفي شهر أكتوبر الوردي وهو الشهر العالمي للتوعية بسرطان الثدي يتم تشجيع النساء على إجراء الفحوصات الدورية وتصوير الماموغرام لأهمية الاكتشاف المبكر في زيادة فرص الشفاء، لكن هذا الروتين لم يعد بسيطًا كما كان قبل حرب الإبادة على قطاع غزة.

عام من الانتظار

على إحدى مقاعد مشفى الشفاء بمدينة غزة، كانت تجلس السيدة نادية الزمارة، تنظر إلى جرعة الكيماوي الموصولة بوريدها وتنتظر انتهاءها بفارغ الصبر حتى تعود إلى خيمتها حيث ينتظرها أبناءها الستة، أكبرهم في الثانوية العامة. على أمل أن تنتهي هذه التجربة بالشفاء التام، إلا أن تفاصيل رحلة العلاج تحفها المصاعب من كل الزوايا.

تتحدث الزمارة لـ "بوابة الهدف الإخبارية" عن بداية اكتشاف المرض بغصة كبيرة بعدما ضاعت أشهر من عمرها وهي تحاول الوصول لتشخيص موثوق، قائلة: "في أكتوبر/ تشرين أول 2025، أي قبل عام بالتمام والكمال لاحظتُ شيئًا غريبًا في الثدي كأنه كتلة صغيرة، تسرب الخوف إلى قلبي وأردت الخضوع لفحص طبي، لكن مدينة غزة كانت تنتهي حديثًا من عملية عسكرية كبيرة، ولم يمضِ على اتفاق وقف إطلاق النار سوى أيام، لا شيء في مكانه في مدينة كانت تحت النسف والقصف العنيف لم تسلم منه المشافي ولا الكوادر الطبية".

شهر بعد شهر بقيت نادية دون فحص، فحياة الخيام معركةٌ يومية تسأل هنا وهناك في أرجاء المخيم بمنطقة الزرقاء شرقي المدينة، حتى توجهت في شهر يونيو/ حزيران الماضي إلى أحد المراكز الطبية في منطقة أخرى داخل المدينة، ومن هناك بدأت رحلة التشخيص، موعد لصورة مقطعية ثم موعد لإجراء فحص العينة وموعد آخر لتحليل العينة، أكثر من ثلاثة أشهر من انتظار تشخيص الإصابة بسرطان الثدي، لتبدأ العلاج بعد حوالي عام من إحساسها بالكتلة.

تقول نادية: "طيلة العام الماضي كنت خائفة أن يكون مصيري كمصير جارتي، والتي بقيت خلال فترة الحرب كلها دون تشخيص لمرض سرطان الثدي. من جهة، كان جهلها بالفحص الذاتي، ومن جهة أخرى كانت صعوبات النزوح، حتى اكتشفت المرض حديثًا بمرحلة متأخرة حيث لم يبقَ لها علاج مناسب في مشافي القطاع وهي تنتظر الأن على قوائم التحويلات المتكدسة بآلاف المرضى".

وتضيف: "في كل موعد لجرعة الكيماوي أستيقظ فجرًا لأستعد للمشي على الأقدام من مكان سكننا شرقي مدينة غزة إلى مستشفى الشفاء غرب المدينة، فالمواصلات من المخيم حيث نسكن بجوار منزلنا المهدوم وإلى المشفى هي فرصة شبه معدومة"، شارحةً معاناتها: "لعل أصعب المواقف كانت في بداية رحلة العلاج بعد أول جرعة كيماوي عندما حدثت معي مُضاعفات وبقيت عاجزة عن الوصول إلى المستشفى، ساعات مضت وأنا أُصارع الألم أرجو طريقة تصلني بطبيب".

أخر حبات العلاج البيولوجي المفقود
أخر حبات العلاج البيولوجي المفقود

رفوف أدوية فارغة

في المقعد المجاور، تجلس فاتن العزازي ذات الـ49 عامًا بمشاعر مختلطة ما بين أنها استطاعت تشخيص المرض مُبكرًا وأن العلاج مفقود، حيث توضح لـ "بوابة الهدف": "اكتشفت إصابتي بسرطان الثدي في مراحل متقدمة، لكن توفير العلاج البيولوجي كان أزمة، ففي بعض الأحيان انتظرت لحوالي شهر لإيجاد الدواء المُتزامن مع جرعات الكيماوي، والآن خفّض المُشرفون جرعات الدواء إلى قرصين يوميًا بينما البروتوكول العلاجي يُلزِم بتناول ست حبات دواء".

وكانت وزارة الصحة بغزة قد أعلنت في شهر مايو/ أيار 2026 نفاد مخزون نحو 47% من قائمة الأدوية الأساسية، و59% من المستهلكات الطبية، و87% من مواد الفحص المخبري. أما نسبة العجز في أدوية الأورام فقد بلغت 61%، دون تحرك جدي من المؤسسات الطبية العالمية رغم أنه يوجد في غزة نحو 11 ألف مريض يعانون من مرض السرطان.

سباق مع الوقت

يقول مسؤول التمريض في قسم الأورام بمشفى الشفاء إبراهيم زقوت لـ "بوابة الهدف": "ما من سيدة خاضت تجربة سرطان الثدي إلا وواجهت معركة بدءاً من الإحساس بالكتلة إلى التأكد من التشخيص ومعركة أخرى تخوضها للعلاج"، موضحًا: "يتطلّب تشخيص المرض إجراء سلسلة من الفحوصات كل منها يحتاج إلى وقت كبير نسبيًا، بمدة تستغرق حوالي خمسة أشهر، ويرجع ذلك لأسباب كثيرة خلفتها الحرب على غزة".

تبدأ المصاعب من قلة حملات التوعية حول المرض، وبالتالي جهل الحالات بالأعراض وتأخير الفحص الذي يتواجه مع توقف عمل مراكز الفحص المُبكر، ثم يأتي تدمير غالبية أجهزة التصوير المقطعي اللازمة كمرحلة أولى للتشخيص، وبعدها الحاجة لصورة الموجات فوق الصوتية (الالتراساوند) ثم الفحص عبر جهاز الماموغرام، والتي لم يبقَ منها سوى خمسة أجهزة من أصل 14 جهازًا كانت تعمل قبل الحرب، مع نقص حاد في أجهزة الموجات فوق الصوتية، وفقًا لقسم تجهيزات وحدة التصوير الطبي في وزارة الصحة.

ويُشير زقوت إلى أن تحليل عينة الأنسجة والخلايا كان يُجرى قبل الحرب باستخدام الأدوات الطبية الحديثة بإشراف متخصصين في علم الأمراض النسيجية "الهيستوباثولوجي"، منهم 4 اختصاصيين في مدينة غزة وحدها. أما الآن يُجرى التحليل يدويًا عبر اختصاصية واحدة بقيت في قطاع غزة، وجميع الأسباب السابقة.

رحلة علاج مهددة بالانقطاع عند كل مرحلة

يؤكد مدير مركز غزة للسرطان الدكتور محمد أبو ندى أن العلاج يعتمد على نوع الورم ومرحلته وخصائصه، وقد يشمل الجراحة والعلاج الكيماوي والعلاج الهرموني والعلاج الموجّه والعلاج الإشعاعي. لكن المشكلة في غزة أن الخطة العلاجية لا تسير دائماً كما ينبغي.

ويُردف أبو ندى: "لدينا نقص متكرر في أدوية السرطان والمستلزمات الطبية. أحياناً يتوفر دواء ويغيب دواء آخر، أو لا تتوفر الكمية اللازمة لاستكمال البروتوكول العلاجي، وهذا أمر خطير لأن العلاج الكيماوي والهرموني والموجّه ليس علاجاً يُعطى مرة واحدة، بل هو مسار متكامل، وأي انقطاع أو تأخير أو استبدال قد يربك الخطة العلاجية ويؤثر على المرضى بشكل عكسي".

حياة على قائمة الانتظار

أما عن الخدمات العلاجية المفقودة في القطاع، فقد وصفها أبو ندى بأنها أكبر مشكلات المرض اللعين، مُشيرًا: "العلاج الإشعاعي مثلاً غير متوفر داخل قطاع غزة، ولدينا مريضات يحتجن إليه بوصفه جزءاً أساسياً من علاجهن، كذلك فإن العلاج الكيماوي يعاني من نقص في كثير من الأحيان، ما يضطرنا إلى تحويل المريضات أو إحالتهن إلى خارج القطاع".

ويُكمل: "الفحوصات والتدخلات المتخصصة أو المتقدمة تتطلب الإحالة إلى خارج القطاع، وهنا نواجه سدّاً منيعاً اسمه "تحويلة العلاج بالخارج"، وبالتالي قد تكون لدينا مريضة مشخصة تحتاج إلى علاج محدد، لكنها لا تستطيع الوصول إليه في الوقت المناسب، وذلك لطول فترة انتظار السفر بعد الحصول على التحويلة والموافقة الأمنية".

ووفقًا لتقدير المركز الفلسطيني لحقوق الإنسان، فإن نحو 4,000 مريض سرطان ما زالوا ممنوعين من السفر للعلاج خارج القطاع، حيث أن نظام التصاريح العلاجية معطّل منذ أكتوبر/ تشرين أول 2023، ما يحرم المرضى من مستشفيات الضفة الغربية و القدس ، التي كانت تستقبل سنويًا ما بين 10,000 و14,000 مريضاً من غزة.

وهذا ما تؤكده أيضاً منظمة الصحة العالمية، إذ تشير إلى أن آلاف المرضى ما زالوا يحتاجون إلى رعاية متخصصة غير متوفرة محلياً، وأن مسارات الإحالة والإخلاء الطبي بحاجة إلى الاستمرار والتوسع.

تخوض مريضة سرطان الثدي في غزة معركة يومية لتصل إلى علاج قد يتأخر، أو دواء قد لا تجده، أو إحالة قد لا تتمكن من الوصول إليها، وبين النزوح وفقدان الأحبة وشحّ الاحتياجات الأساسية، تجد النساء أنفسهن في مواجهة وحش يلتهم صحتهن في صمت فرضته تداعيات حرب الإبادة.