دفع عدوان الاحتلال "الإسرائيلي" على قطاع غزة الصيادين إلى التفكير خارج الصندوق، بحثًا عن وسائل بديلة تمكّنهم من العودة إلى البحر ومواصلة مهنة الصيد، بعدما دمّرت قوات الاحتلال معظم القوارب التي كانوا يستخدمونها في الإبحار وصيد الأسماك، ما أدى إلى تعطّل عملهم وتفاقم معاناتهم في ظل ظروف إنسانية ومعيشية قاسية.
وأمام الحصار المشدد الذي يفرضه الاحتلال على القطاع، وما يترتب عليه من صعوبة الحصول على معدات الصيد ومستلزمات صناعة القوارب وصيانتها، لجأ الصيادون إلى ابتكار قوارب بوسائل ومواد غير تقليدية، في محاولة لتجاوز نقص الإمكانات واستعادة مصدر رزقهم، بعدما بات الحصول على المعدات الأساسية أشبه بأمنية بعيدة المنال.
قوارب من الفلين وأبواب الثلاجات
وعلى امتداد شاطئ غزة، تبدو في الأفق مكعبات بيضاء تتمايل فوق الأمواج، وتتلألأ تحت أضواء الليل، في مشهد يختزل حكاية صيادين دفعتهم الحرب والحصار إلى ابتكار قوارب من أبواب الثلاجات وقطع الفلين، بعدما فقدوا قواربهم التقليدية وضاقت أمامهم سبل العودة إلى البحر.
يروي الصياد جمال عياش، من مخيم الشاطئ غربي مدينة غزة، لـ "بوابة الهدف الإخبارية"، كيف دفع تدمير قوارب الصيد وشحّ البدائل الصيادين إلى ابتكار وسائل بدائية للعودة إلى البحر، باستخدام أبواب الثلاجات وقطع الفلين لصناعة قوارب تساعدهم على مواصلة العمل رغم الحصار.
ويشير عياش إلى أنّ الأزمة تمتد إلى النقص الحاد في الشباك والمحركات وقطع الغيار ومستلزمات الصيانة، مع تعذّر شراء قوارب جديدة أو إصلاح المتضررة، ما يهدد مصادر رزق الصيادين ويحدّ من قدرتهم على الاستمرار في مهنتهم.
ويؤكد أنّ خسارة قاربه دفعته إلى البحث عن بدائل تمكّنه من العودة إلى البحر، بدلًا من انتظار انفراج الأوضاع، موضحًا أنّ "تدمير القارب لا يعني الاستسلام، بل يدفعنا إلى ابتكار أي وسيلة تساعدنا على مواصلة الإبحار والعمل وإعالة أسرنا".
وعن المخاطر التي تحيط بهذه الوسائل، يبين عياش أنّ القوارب المصنوعة من أبواب الثلاجات والفلين لا توفر مستوى المتانة والتجهيزات ومعايير السلامة التي تتمتع بها القوارب التقليدية، ما يجعل استخدامها محفوفًا بالمخاطر، لكنه يظل خيارًا اضطراريًا في ظل الظروف القاسية التي يعيشها الصيادون، وحاجتهم الملحّة إلى العمل وتوفير لقمة العيش.
ويلفت الصياد إلى أنّ الاعتماد على هذه القوارب يظل حلًا مؤقتًا فرضته الظروف الراهنة، وليس بديلًا عن القوارب المجهزة، مؤكدًا أنّ الصيادين يحاولون استثمار المواد المتاحة أمامهم لتأمين مصدر رزق، في ظل تعذّر الحصول على المعدات اللازمة لممارسة مهنتهم بصورة طبيعية.
ويشدد عياش على أنّ طموح الصيادين لا يقتصر على إيجاد وسيلة تطفو فوق الماء، بل يتجاوز ذلك إلى استعادة القدرة على ممارسة مهنتهم بأمان، من خلال توفير القوارب والمعدات اللازمة، بما يضمن استمرار عملهم وتأمين احتياجات عائلاتهم بكرامة، دون أن يضطروا إلى المخاطرة بحياتهم في سبيل لقمة العيش.
لوح خشبي.. وسيلة صيد اضطرارية
أمام الدمار الذي طال مراكب الصيد وارتفاع تكاليف إصلاح ما تبقّى منها، ابتكر الصياد إبراهيم أبو عميرة وسيلة بدائية لمواصلة مهنته، مستخدمًا لوحًا خشبيًا بدلًا من القارب الذي يحتاج إليه للإبحار، في محاولة للتمسك بمصدر رزقه وإعالة أسرته، رغم الظروف القاسية التي يعيشها الصيادون في قطاع غزة.
ويقول أبو عميرة، الذي يعيش في خيمة مهترئة على شاطئ بحر غزة، إنّ "تدمير مراكب الصيد وتعذّر إصلاحها أو استبدالها دفعاه إلى البحث عن بدائل بسيطة تمكّنه من العودة إلى البحر ومواصلة العمل، في ظل شح الإمكانات وتراجع مصادر الرزق".
ويوضح أبو عميرة في حديثه مع "بوابة الهدف" أنّ الصيادين في غزة يواجهون ظروفًا قاسية في ظل الحصار وشح الإمكانات، بعدما تضررت قواربهم وفقدوا كثيرًا من معداتهم، مشيرًا إلى أنّ نقص المحركات والشباك وقطع الغيار ومستلزمات الصيانة جعل إصلاح القوارب القديمة أمرًا بالغ الصعوبة، فيما أصبح الحصول على معدات جديدة شبه مستحيل.
ويضيف أنّ "هذه الظروف أجبرت الصيادين على البحث عن بدائل من المواد المتاحة، واستخدام وسائل بدائية تساعدهم على العودة إلى البحر، رغم محدودية إمكاناتها والمخاطر التي تنطوي عليها"، مؤكدًا أنّ هذه المحاولات ليست خيارًا مفضلًا، بل ضرورة فرضتها الحاجة إلى العمل في ظل تراجع مصادر الرزق وتزايد الأعباء المعيشية.
ويتابع الصياد أنّ "خسارة القارب تعني فقدان الأداة الأساسية للعمل، وتضع الصياد أمام خيارات محدودة، لا سيما حين تكون أسرته معتمدة على ما يوفره الصيد من دخل". لذلك، يحاول الاستفادة من أبسط المواد المتاحة بدلًا من البقاء عاطلًا عن العمل، آملًا أن يتمكن من العودة إلى الصيد بوسائل أكثر أمانًا.
ويشدد أبو عميرة على أنّ القوارب البدائية لا يمكن أن تعوّض القوارب المجهزة، وأن الصيادين بحاجة إلى توفير المعدات اللازمة وتمكينهم من ممارسة مهنتهم بأمان، حتى يستعيدوا مصادر رزقهم ويتمكنوا من تأمين احتياجات أسرهم بكرامة.
ويواجه الصيادون مخاطر متواصلة جراء ملاحقتهم واستهدافهم من قبل قوات الاحتلال، بما في ذلك إطلاق النار عليهم واعتقالهم، ما أسفر عن استشهاد عدد منهم وإصابة واعتقال آخرين، وفاقم معاناتهم في ظل خسارة قواربهم ومصادر رزقهم وتراجع قدرتهم على إعالة أسرهم.
ملاحقة الصيادين ودمار القطاع
وفي قراءة أوسع لحجم الدمار الذي لحق بقطاع الصيد، يقول زكريا بكر، منسق لجان الصيادين الفلسطينيين في قطاع غزة، إنّ "أكثر من 90% من قطاع الصيد دُمّر جراء القصف البحري والجوي، بعدما طالت الأضرار مراكب الصيد ومعداته ومختلف مقومات المهنة، في تصعيد نقل الاستهداف من الحصار والملاحقة المستمرين منذ سنوات إلى التدمير الواسع خلال الحرب".
ويوضح بكر، في حديثه لـ "بوابة الهدف" أن تدمير المراكب وندرة القوارب المتاحة وارتفاع أسعارها دفعت الصيادين إلى ابتكار وسائل بدائية لاستئناف عملهم، باستخدام أبواب الثلاجات وألواح الفلين والأخشاب بديلًا عن القوارب التقليدية.
ويلفت إلى أنّهم اضطروا إلى الاستعاضة عن معدات الإنارة ببطاريات ومصابيح "ليد"، في محاولة لتجاوز النقص الحاد في المستلزمات ومواصلة الصيد بما يتوافر من إمكانات.
لكن هذه البدائل، بحسب بكر، لا توفر الحد الأدنى من الأمان الذي تتيحه القوارب المجهزة، إذ لا تصمد الوسائل المصنوعة من مواد بسيطة أمام الرياح القوية وارتفاع الأمواج، خصوصًا مع اقتراب فصل الشتاء.
ويحذر منسق لجان الصيادين من أنّ انقلاب بعض هذه الوسائل خلال رحلات الصيد أدى إلى سقوط قتلى بين الصيادين، ما يجعل محاولة تأمين لقمة العيش مغامرة محفوفة بالمخاطر.
ويشير بكر إلى أنّ معاناة الصيادين سبقت الحرب، إذ كانوا يواجهون الحصار والملاحقة وإطلاق النار والقتل والإصابة، إلى جانب مصادرة المراكب وتدميرها ومنع إدخال معدات الصيد، غير أن الحرب وسّعت نطاق هذه الانتهاكات ورفعت وتيرة تدمير المراكب والمعدات، حتى باتت غالبية مقومات القطاع خارج الخدمة، وفقد آلاف الصيادين مصادر رزقهم.
ويشدد بكر على أنّ اللجوء إلى أبواب الثلاجات والفلين والأخشاب ليس حلًا مستدامًا أو بديلًا عن القوارب التقليدية، بل استجابة اضطرارية لواقع فرضه الدمار والحصار.
ويؤكد أن الصيادين يتطلعون إلى استعادة مهنتهم بأدواتها الأساسية، عبر السماح بإدخال القوارب ومعدات الصيد ومستلزمات صيانتها، وتوسيع مساحة العمل المتاحة لهم في البحر، بما يضمن ممارسة الصيد بأمان واستعادة مصادر دخلهم.
ويشدد بكر على أن استخدام أبواب الثلاجات والفلين والأخشاب يمثل حلًا اضطراريًا فرضه الدمار والحصار، ولا يوفر بديلًا مستدامًا للقوارب التقليدية، مؤكدًا أنّ استعادة مهنة الصيد تتطلب السماح بإدخال القوارب ومعدات الصيد وقطع الغيار، إلى جانب توسيع مساحة الصيد المتاحة في البحر، بما يتيح للصيادين العمل بأمان واستعادة مصادر رزقهم.
ويرى مختصون اقتصاديون أنّ انهيار سوق العمل في قطاع غزة دفع أعدادًا واسعة من العمال إلى الاعتماد على المساعدات الإنسانية، في ظل توقف الأنشطة الإنتاجية وتدمير المنشآت الاقتصادية وتراجع فرص العمل.
وفي هذا السياق، كشفت وزارة العمل في غزة أن أكثر من 95% من السكان يعتمدون على المساعدات الإنسانية المحدودة، فيما تجاوزت معدلات الفقر 93%.
وأوضحت الوزارة أنّ أكثر من 250 ألف عامل فقدوا وظائفهم بصورة دائمة، بالتزامن مع تراجع الناتج المحلي الإجمالي بأكثر من 84%، ما يعكس حجم الانكماش الاقتصادي واتساع دائرة فقدان مصادر الدخل، ويزيد من صعوبة تأمين آلاف الأسر احتياجاتها الأساسية.
ويتمسك صيادو غزة بمهنة أنهكها الدمار والحصار، مستخدمين أبواب الثلاجات والفلين والأخشاب لتأمين أرزاقهم، فيما تبقى استعادة قطاع الصيد مرهونة بإدخال القوارب ومعدات الصيانة وتوسيع مساحة الصيد، بما يضمن عودتهم إلى البحر بأمان.

