تحت ضوء خافت ينبعث من هاتف محمول داخل خيمة في قطاع غزة، يحاول طبيب أسنان فحص فم مريضه، في مشهد يلخّص جانبًا من واقع صحي فرضته الحرب؛ حيث لم يعد الحفاظ على الأسنان الطبيعية أمرًا متاحًا للجميع، بعدما أدى نقص المستلزمات الطبية وارتفاع أسعارها إلى تضييق خيارات العلاج، ودفع مرضى إلى خلع أسنان كان من الممكن إنقاذها.
لم تعد آلام الأسنان في غزة تنتهي عند باب العيادة، بل باتت ترتبط بقدرة المريض على تحمّل تكلفة العلاج وتوافر مواده الأساسية. فمع النقص الحاد في مستلزمات الحشوات وعلاج العصب والتخدير والتركيبات، يجد المرضى أنفسهم أمام خيارات محدودة: تحمّل الألم وتأجيل العلاج، أو دفع مبالغ تفوق إمكاناتهم، أو اللجوء إلى الخلع بوصفه الحل الأقل كلفة.
ولا تقتصر تداعيات الأزمة على الألم الآني أو فقدان الأسنان، إذ تمتد إلى الصحة النفسية والمظهر والقدرة على المضغ، فضلًا عن مخاطر تفاقم الالتهابات والمشكلات الصحية التي قد تستدعي علاجات أكثر تعقيدًا مستقبلًا.
من علاج العصب إلى الخلع
في طب الأسنان، يُعد الحفاظ على السن الطبيعية أولوية علاجية، ويأتي الخلع عادةً خيارًا أخيرًا عندما يتعذر إنقاذ السن بوسائل العلاج المتاحة. لكن واقع القطاع الصحي في غزة فرض معادلة مختلفة، إذ بات نقص المواد الأساسية وارتفاع أسعارها يضيّقان خيارات العلاج أمام المرضى.
وتقول النازحة مريم النجار، وهي في الأربعينيات من عمرها وأرملة وأم لخمسة أطفال، في حديثها لـ "بوابة الهدف"، إنها اضطرت إلى خلع أحد أضراسها بعدما تجاوزت تكلفة علاج العصب 350 شيكلًا.
وتوضح أنها لم تكن ترغب في فقدان سنها، لكنها لم تستطع توفير تكلفة العلاج في ظل الظروف المعيشية الصعبة وتعدد احتياجات أسرتها الأساسية.
وأما عمار أبو نحل، البالغ من العمر 28 عامًا، فقد خرج حيًا من تحت أنقاض منزله الذي تعرض للقصف، لكنه فقد اثنين من أسنانه الأمامية جراء الحرب. وعندما لجأ إلى طبيب الأسنان لتعويضهما، فوجئ بأن تكلفة تركيب أسنان بديلة تتجاوز ثلاثة آلاف دولار.
ويقول أبو نحل لـ "بوابة الهدف " إن فقدان منزله ومصدر رزقه جعلا توفير هذا المبلغ، حتى بالتقسيط، أمرًا بالغ الصعوبة، لا سيما أنه عاطل عن العمل حاليًا.
ويضيف: "أصبحت لا أستطيع الضحك حتى لا تظهر أسناني المتكسرة، وأفكر باستمرار في كيفية تركيب أسنان بديلة، خصوصًا أنني شاب في مقتبل العمر ومقبل على الزواج، وهو ما يجعل الأمر أكثر صعوبة بالنسبة إليّ".
وتعكس الحالتان جانبًا من معاناة مرضى لا تتوقف احتياجاتهم عند معالجة الألم، بل تشمل استعادة وظائف الأسنان ومظهرها، في وقت أصبحت فيه كثير من خدمات الترميم والتركيب بعيدة عن متناولهم.

نقص المستلزمات يقيّد خيارات العلاج
ويقول طبيب الأسنان أحمد الحداد لـ "بوابة الهدف" إن عيادات الأسنان تعاني نقصًا في المواد الأساسية، ولا سيما مستلزمات علاج العصب والحشوات ومواد التخدير، موضحًا أن غياب بعض هذه المواد قد يجعل تقديم الخدمة متعذرًا، فيما يضطر الأطباء أحيانًا إلى الاستعانة ببدائل متاحة، لا تتيح جميعها مواصلة العلاج وفق المعايير والإجراءات المعتادة.
ويشير الحداد إلى أن خدمات عدة أصبحت صعبة أو غير متاحة، من بينها الحشوات الأمامية التجميلية وزراعة الأسنان وإعادة علاج العصب، خصوصًا في الحالات المعقدة التي تتطلب مواد وأدوات متعددة.
ويضيف أن ارتفاع تكاليف التشغيل وتذبذب التيار الكهربائي تسببا في أعطال متكررة للأجهزة، بالتزامن مع نقص مستلزمات الاستخدام الواحد، ما يزيد صعوبة تقديم الخدمات الطبية.
ولا تنفصل هذه المشكلات عن الأوضاع الاقتصادية التي يعيشها السكان؛ إذ ينعكس ارتفاع أسعار المواد مباشرةً على تكلفة العلاج، في وقت تراجعت فيه قدرة الأسر على الإنفاق، ما يدفع بعض المرضى إلى تأجيل العلاج أو الاكتفاء بإجراءات أقل كلفة.
ويلفت الحداد إلى تزايد حالات خلع الأسنان بدلًا من علاجها، موضحًا أن بعض المرضى يختارون الخلع لأن علاجات أخرى تتطلب مواد وجلسات متعددة لا يستطيعون تحمل تكلفتها. وفي الحالات الطارئة، ينصب التركيز على تخفيف الألم، مع تأجيل الإجراءات التي تحتاج إلى مستلزمات غير متوافرة.

مختبرات الأسنان تحت الضغط
ولا تقتصر أزمة المستلزمات على العيادات، بل تمتد إلى مختبرات الأسنان التي تعتمد عليها خدمات صناعة التركيبات والجسور وتعويض الأسنان المفقودة.
ويقول فني الأسنان ياسر مصطفى لـ "بوابة الهدف" إن المختبرات تواجه نقصًا شديدًا في المواد الأساسية، خصوصًا المستخدمة في تركيبات الزيركون، إلى جانب النقص الحاد في بلوكاته وارتفاع أسعارها، فضلًا عن نقص مواد صب المعادن والمساحيق المستخدمة في تركيبات البورسلان.
ويوضح أن نقص المواد جعل تنفيذ التركيبات والجسور بمختلف أنواعها بالغ الصعوبة، في ظل ارتفاع أسعار المواد وقطع الغيار، مشيرًا إلى أن المختبرات تواجه معادلة معقدة؛ فلا تستطيع تحميل المرضى كامل الزيادة في التكاليف، ولا يمكنها الاستمرار في العمل بالأسعار السابقة.
ويضيف أن تعطل الأجهزة يمثل تحديًا آخر، إذ قد يتوقف جهاز كامل بسبب قطعة صغيرة يصعب توفيرها أو ترتفع تكلفة الحصول عليها، ما يؤدي إلى تعطيل العمل وتأخير تسليم التركيبات.
وبحسب مصطفى، يبقى المريض المتضرر الأكبر من هذه الأزمة، إذ قد يضطر إلى الانتظار فترات طويلة أو دفع مبالغ مرتفعة للحصول على جسر أو تركيبة، رغم قدرة الفنيين على تنفيذ العلاج إذا توافرت المواد والإمكانات اللازمة.

الخلع المبكر ومخاوف على صحة الأجيال المقبلة
وتتجاوز تداعيات فقدان الأسنان الجانب التجميلي، إذ يمكن أن يؤدي تأجيل العلاج إلى تفاقم التسوس والتهابات اللثة والخراجات، وصولًا إلى فقدان أسنان كان من الممكن الحفاظ عليها، أو الحاجة إلى تدخلات علاجية أكثر تعقيدًا وكلفة.
ويحذر نقيب أطباء الأسنان، عرفان اشتيوي، من مخاطر استمرار الأزمة، موضحًا أن تأجيل علاج مشكلات الأسنان قد يؤدي إلى مضاعفات صحية يصعب التعامل معها في ظل النقص الحالي في المستلزمات.
وقال اشتيوي إن عدد عيادات الأسنان في قطاع غزة بلغ نحو 1,026 عيادة قبل الحرب، توقفت ما بين 500 و600 منها عن العمل، فيما استأنفت بعض العيادات نشاطها بصورة جزئية، وسط صعوبات تتعلق بتوافر المستلزمات والأجهزة والطاقة.
وتكتسب المشكلة أهمية إضافية عندما يتعلق الأمر بالأطفال الذين يفقدون أسنانهم في سن مبكرة، إذ قد يؤثر الفقد المبكر لبعض الأسنان اللبنية في ترتيب الأسنان الدائمة ونمو الفكين، وقد يستدعي إجراءات وقائية وعلاجية يصعب توفيرها في الظروف الراهنة.
ودعا اشتيوي المؤسسات الدولية والإنسانية والصحية إلى العمل العاجل على إدخال مواد طب الأسنان والمستلزمات الطبية اللازمة إلى القطاع، وتمكين الأطباء من مواصلة تقديم خدماتهم للمرضى.

عيادات الخيام.. علاج في ظروف غير آمنة
لم تسلم خدمات طب الأسنان من الدمار الذي طال العيادات والمراكز الصحية خلال الحرب المستمرة منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، كما تواجه المرافق التي استأنفت عملها صعوبات في تأمين الأجهزة وقطع الغيار ومصادر الطاقة.
وفي ظل خروج عيادات عن الخدمة، اضطر بعض الأطباء إلى مواصلة عملهم داخل خيام تفتقر إلى التجهيزات الأساسية، في ظروف تحدّ من قدرتهم على تقديم العلاج وفق المعايير الطبية المعتادة.
ويقول عضو مجلس نقابة أطباء الأسنان في غزة، حسن مقداد، لـ "بوابة الهدف" إن عيادات الخيام تفتقر إلى أدنى مقومات التجهيز، موضحًا أن كراسي الأسنان المتخصصة استُبدلت بمقاعد بلاستيكية عادية أو مقاعد سيارات تالفة، فيما يضطر الأطباء إلى تثبيت رؤوس المرضى يدويًا أثناء الفحص والعلاج.
ويضيف أن غياب الإضاءة الطبية المركزة يدفع الأطباء إلى الاعتماد على كشافات الهواتف المحمولة لرؤية تجويف الفم، في ظل بيئة مفتوحة تتسلل إليها الأتربة والغبار.
وتبرز مشكلة التعقيم بوصفها أحد أخطر التحديات داخل هذه العيادات. فبحسب مقداد، يعتمد طب الأسنان على أجهزة التعقيم بالبخار تحت الضغط، المعروفة باسم «الأوتوكلاف»، لضمان تعقيم الأدوات الجراحية والحد من انتقال العدوى.
لكن غياب هذه الأجهزة أو تعذر تشغيلها يضطر بعض العاملين إلى اللجوء إلى وسائل بدائية، مثل غلي الأدوات فوق مواقد الحطب أو استخدام محاليل كحولية، وهي إجراءات لا تضمن بالضرورة تحقيق مستوى التعقيم المطلوب.
ويحذر مقداد من أن غياب المياه النظيفة ووسائل التعقيم المناسبة، إلى جانب العمل في بيئة مفتوحة، يزيد مخاطر انتقال العدوى عبر الدم والأدوات الملوثة، مؤكدًا أن الأطباء يواصلون تقديم ما يستطيعون من خدمات لتخفيف آلام المرضى، رغم محدودية الإمكانات.
ويقول: “الطائرات الحربية والمسيّرة تهدر فوقنا، والغبار يتسلل إلى كل أداة جراحية. التعقيم يمثل هاجسًا مرعبًا، فنحن نجاهد بالحد الأدنى من غلي الماء والكحول، لكننا نعلم أن البيئة المفتوحة للخيمة لا يمكن أن تكون بيئة جراحية آمنة بنسبة 100 في المئة، لكن ألم الناس يمنعنا من التوقف”.
مواد بأسعار تفوق الذهب
في غزة، لم تعد أزمة طب الأسنان مقتصرة على نقص المستلزمات، بل امتدت إلى أسعار مواد بات الحصول عليها يفوق قدرة كثير من المرضى، فيما تجاوزت أسعار بعضها قيمة الذهب، وفق تقديرات متداولة في السوق المحلية.
وبين شحّ المواد وارتفاع تكلفتها، يجد المرضى أنفسهم أمام خيارات قاسية، تبدأ بتأجيل العلاج وتنتهي أحيانًا بفقدان أسنان كان من الممكن إنقاذها، بينما يحاول الأطباء مواصلة عملهم بإمكانات محدودة لا تتيح لهم تقديم العلاج المطلوب في كثير من الحالات.
وهكذا، لا تترك الحرب أثرها في أسنان الغزيين فحسب، بل تنتزع من كثيرين فرصة الحفاظ عليها، ليصبح علاج الألم امتيازًا لا يملكه الجميع.

