Menu

فرنسا تغلي… أزمة اجتماعية واقتصادية تتفجر في الشوارع

عمر فارس

بوابة الهدف

ما تشهده فرنسا ليس مجرد احتجاجات طلابية عابرة، بل تعبير عن أزمة عميقة تتداخل فيها المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية، وتكشف عن اتساع الفجوة بين السياسات الحكومية واحتياجات قطاعات واسعة من المجتمع.

بدأت التحركات بمبادرة من طلاب المدارس الثانوية، ثم اكتسبت بُعداً سياسياً أوسع مع انضمام قوى اليسار، وفي مقدمتها حركة «فرنسا الأبية». ولم يعد الغضب مقتصراً على الطلاب، بل امتد إلى فئات تعاني غلاء المعيشة وارتفاع أسعار الكهرباء والوقود، وصعوبة الحصول على السكن، وتراجع القدرة الشرائية.

الأزمة تبدأ من المدرسة، لكنها لا تنتهي عند أبوابها. فبعض المدارس تعاني اكتظاظ الفصول وضعف التجهيزات، حيث تصبح الحرارة الشديدة صيفاً والبرودة شتاءً عائقاً أمام التعلم. أما الجامعات، فتواجه ضغوطاً في استيعاب الخريجين وتوفير المسارات التعليمية المناسبة لطموحاتهم. وهكذا يجد الشباب أنفسهم أمام مستقبل غامض، يبدأ بصعوبات التعليم ويمتد إلى العمل والسكن والاستقلال المادي.

وتزداد الصورة تعقيداً مع الأزمة المالية والاقتصادية. فقد تجاوز الدين العام الفرنسي 3.6 تريليون يورو في منتصف عام 2026، فيما تواجه الصناعة الفرنسية تحديات تنافسية متزايدة، خصوصاً أمام التوسع الصناعي والتصديري الصيني. ورغم أن الصين ليست السبب الوحيد للمشكلات التجارية الفرنسية، فإن صعودها يضع قطاعات أوروبية عديدة أمام اختبار صعب يتعلق بالإنتاج وفرص العمل والقدرة على المنافسة.

أما أزمة السكن، فتكشف جانباً آخر من الاختلال الاجتماعي. إذ اقترب عدد الأسر المنتظرة للسكن الاجتماعي من 2.9 مليون أسرة في نهاية عام 2025. وهذا يعني أن ملايين الأسر تعيش بين ارتفاع الإيجارات وطول الانتظار، بينما يجد الشباب صعوبة متزايدة في بدء حياتهم وتكوين أسرهم.

في هذا السياق، تكتسب الاحتجاجات دلالة تتجاوز المطالب المباشرة؛ فهي تعكس شعوراً متنامياً بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد يضمن للجميع الفرص نفسها أو مستوى المعيشة الذي اعتادته أجيال سابقة.

ولعل تزامن المظاهرات الكبرى مع يوم 17 أكتوبر يضيف بُعداً تاريخياً لافتاً. ففي اليوم نفسه من عام 1961، قمعت الشرطة الفرنسية مظاهرة للجزائريين في باريس، وسقط ضحايا أُلقي بعضهم في نهر السين. ولا تتوافر أدلة كافية للجزم بأن اختيار موعد احتجاجات 2026 كان مقصوداً لاستحضار تلك الذكرى، لكن التزامن يعيد إلى الواجهة أسئلة العلاقة بين السلطة والاحتجاج والحقوق المدنية، ويذكّر بثقل الذاكرة الاستعمارية في التاريخ الفرنسي.

كما لفت حضور العلم الفلسطيني في بعض التحركات الانتباه، باعتباره رمزاً للتضامن مع المظلومين ورفض الظلم لدى قطاعات من المشاركين، في تقاطع بين الاحتجاج الاجتماعي وقضايا العدالة وحقوق الإنسان

وفي المقابل، تطرح أعمال التكسير والتخريب سؤالاً سياسياً مهماً: من يستفيد من تحويل النقاش من أسباب الغضب الشعبي إلى الفوضى والعنف؟ فمن شأن هذه الأعمال أن تحجب المطالب الاجتماعية، وتمنح السلطة مبررات لتشديد الإجراءات الأمنية، وتضعف التعاطف مع المتظاهرين. لكن احتمال الاستغلال السياسي لا يثبت أن الحكومة أو القوى اليمينية تقف وراء التخريب؛ فذلك يحتاج إلى أدلة وتحقيقات مستقلة.

إن أزمة فرنسا أعمق من أن تُختزل في مشاهد المواجهات داخل الشوارع. فحين تجتمع مشكلات التعليم والسكن وغلاء المعيشة والدين العام والتنافس الصناعي، يصبح الاحتجاج مؤشراً على خلل يحتاج إلى معالجة سياسية واقتصادية واجتماعية، لا إلى استجابة أمنية فحسب.

قد تهدأ الشوارع، لكن الأسباب التي دفعت الناس إليها لن تختفي من تلقاء نفسها. ويبقى السؤال الحقيقي: هل تستطيع فرنسا تحويل هذا الغضب إلى إصلاحات تعيد الثقة بالمؤسسات وتمنح الشباب أملاً واقعياً في المستقبل، أم ستكتفي باحتواء الاحتجاجات من دون معالجة جذور الأزمة؟