زيارة الملك السعودي الى مصر جاءت بعد عملية مد وجزر في العلاقة الثنائية منذ ان استلم الرئيس السيسي الحكم. ما تمخض عن الزيارة من اتفاقات سياسية واقتصادية وامنية. يجب النظر اليها من على قاعدة المحاولات السعودية للضغط الإيجابي على مصر من أجل مراجعة مواقفها بشأن عدة ملفات في المنطقة أهمها الملف السوري واليمني، وسحبها من منطقة الحياد الإيجابي لتأخذ موقفاً أكثر قرباً من الرؤية السعودية.
الزيارة في جوهرها تكمن في تأمين موقف مصر من أية محاولات تسعى لتغيير نظام الحكم في السعودية. فهنالك شعور بالخطر الداهم لدى الرياض. هذا الشعور يزداد يومياً من خلال بعض المؤشرات والرسائل التي تصدر من العواصم الغربية التي توحي بأنها ضاقت ذرعاً بالممارسات السعودية والتي خرجت عن إطار ما رُسم لها من قبل الولايات المتحدة وحلفائها وأصبحت هذه السياسات تُهدّد الأمن الاقليمي والدولي.
هنالك شعور تتهامسه العديد من العواصم الأوروبية مبني على الوقائع والمؤشرات, التي تؤكد يوماً بعد يوم أن السعودية وبعض الدول الخليجية تقف وراء كل موجة الإرهاب التي تعصف في المنطقة، والتي وصلت شظاياه للعواصم الأوروبية . ومؤخراً يبدو أن الأمر خرج عن إطار الهمس بين العواصم إلى إعلان بعض الصحف المتنفذة حملة تستهدف النظام السعودي ووضع حقوق الإنسان، وهي مقدمة لجأت إليها الدوائر الغربية كمقدمة لتغيير النظم الحاكمة .
ان نشر تقارير توثق انتهاكات حقوق الأنسان في السعودية يؤكد أنّ مرحلة العد العكسي للنظام السعودي قد بدأت، وما يجري من مداولات في الكونغرس الامريكي لفتح الملف المغلق المتعلق بأحداث 11 سبتمبر بعد ان كان ملف التحقيق والذي أعلن بفصل ابيض فيما يتعلق بالدور السعودي، قيل عنها في حينه انها صفحات سرية، اعلانها لا يخدم المصلحة القومية للولايات المتحدة. ان الحركة السعودية واعلانها عن تحالف الحزم او الحلف الإسلامي كلها تندرج تحت عنوان تحشيد كل امكانياتها وتحصين نفسها بتحالفات عربية اسلامية من أجل مواجهة الخطر الداهم عليها. اعلان سيادة السعودية على الجزيرتين (تيران وصنافر) اللتين شملتهما اتفاقية كامب ديفيد تضع السعودية في تماس مباشر مع "إسرائيل" وتدخلها في منظومة كامب ديفيد وهذا ما سينعكس ايجابا على العلاقات السعودية الإسرائيلية حيث سيضعها بتماس يومي مع السعودية .
ان الحركة السعودية المباشرة لكل من مصر و تركيا وباكستان واعادة تطويع الإخوان المسلمين كأداة للضغط السياسي في مكان والعسكري في اماكن أخرى، تهدف بالجوهر لحماية نظامها واحاطته ببطانة اقليمية ذات بعد مذهبي.
أما عن التلاقي السعودي التركي فيجمعهم الشعور بالخطر من الموقف الغربي والأمريكي. ان اصرار السعودية وتركيا على الضغط من اجل تأزيم الوضع على الساحة السورية واليمنية ما هو إلاّ لإرباك الموقف الأمريكي واظهار ان الأوراق في كل من سورية و اليمن تتحكم بها كل من الرياض وانقره، ولكن النجاحات السياسية السعودية في مجلس الجامعة العربية والمؤتمر الإسلامي لم تجد لها اي صدى على الجانب الاقتصادي.
حيث وجهت لها ضربة تحت الحزام في لقاء الدوحة المتعلق بأوبك. وافقدها بريق نجاحاتها السياسية. ان نتائج مؤتمر الدوحة جاءت مخيبة للآمال السعودية، ووضعتها في موقف لا يحسد عليه، وجعلتها تتجرع من ذات الكأس الذي اسقته للعراق وروسيا في الثمانيات من القرن المنصرم. ان استمرار انخفاض اسعار النفط سيؤدي الى استنزاف الاحتياطيات النقدية المستقبلية للسعودية، بسبب ارتفاع كلفة حروبها في اليمن وسوريا و ليبيا . ويجعلها عرضة للاضطرابات الداخلية ومكشوفة.
ولن تنجح في وقف عجلة التغيير والتي بدأت تعلوا اصواتها في اوروبا وامريكا. ان كانت السعودية ترى ان مجابهة التغيير تأتي من خلال المال السعودي فهذا لن ينجح لكون التغيير سيكون من داخلها ولن تفيدها المليارات التي تم توزيعها .
فالمطلوب هو تصحيح خياراتها ابتداءً من وقف العدوان على اليمن , ووقف سياساتها التدميرية للدولة السورية وفتح الحوار البناء مع ايران لتشكيل منظومة امن اقليمية والأهم هو في مصالحتها مع شعبها ومحيطها واطلاق حملة تغيير داخلية .وعدم المراهنة على تحالفاتها مع الغرب او امريكا او "وإسرائيل" ولتدرك ان اللذين يحركون القضايا ضدها في الكونغرس الأمريكي هم ذاتهم من يدعمون اسرائيل . ان اي دور عروبي يجب ان ينطلق من ان القضية الفلسطينية هي القضية المركزية وحلها يخرج المنطقة من سياسة المحاور. وان الأمن القومي العربي لا يحميه الا شعوب المنطقة وهو الطرف الذي يجب ان تراهن عليه حكومات دول المنطقة.

