لم تُعطني الحياةُ فرصتَها بعدُ لكي أقول كلَّ ما أريد، و لا أظنها عادتْ كافيةً لقول كل ما يجول في خاطري، فقد اختزنتُ و قرأتُ و درستُ و ثقفتُ نفسي، و حاولت أن أحشد ما أمكن من طاقة و جهد لقول شيء ما ، لا أعرف بالضبط ما هو حتى الساعة ، و لا أظنني سأعرف ذلك يوماً!
ذات يوم أُجبرتُ على الخوض في معسكر صيفي لمنظمة طلائع البعث، أعتقدُها كانت حديثة الولادة آنئذٍ ، وقد قيل يومها بأن من لا يشارك فيه فسوف لن يُقبل في الصف السادس الابتدائي. أذكره الآن كطيف مضى بعيداً ، كان ذاك المعسكر في الزبداني ، ما لا أذكره وهذا عجيب كيف وصلنا إلى هناك؟، بأية وسيلة نقل ، و في أي وقت، لقد تم محو ذلك تماماً من أوراق ذاكرتي المتجعدة!
بعد فترة أعتقدُها أسبوعين ، عدت إلى مخيم اليرموك ، مسقط روحي، و كان أبي ساخطاً فقد اكتشفَ أثناء خوضي غمار التجربة بأن الإجبار على المعسكر الطلائعي كان مجرد إشاعة لا علاقة لأحد بها، سوى بعض المتملقين الذين كانوا حديثي النمو في مخيم اليرموك ، و ظلوا ينمون حتى صاروا منتشرين بكثرةٍ ، لكن ، لا يقربهم أحد ، و لا يعودُهم جارٌ ، و لا يخطب بناتهم إلا من كان بلا أصول اجتماعية مرموقة ، ذلك ببساطة أنهم منافقون.
في ذاك المعسكر ، أول ما علموه لنا كان الغناء، و تلك التصفيقات التي لا زلتُ أسمعها أحياناً حتى اليوم ، كما أذكر بعض الترتيلات متقطعة الحروف، تلك التي ترافق مغادرة زائر ما ، بتقطيع كلمة نشكر " نون على شين ، شين على كاف ، كاف على ري ، نشكر نشكر نشكر هيه".
في ذلك المعسكر الصيفي ، كانت المرة الأولى التي أسمع بها أحداً يصفني بالفلسطيني ، ففي اليرموك لم يكن لأحدٍ بأن يصفك بذلك ، هم كلهم يحملون نفس هذه الصفة، لم أكن أدرك وقتها بأن ذلك وصف تمييزي لا أكثر، لكنني اليوم سأعترف بأنني أستطيب هذا الوصف، ليس لأنني أحمل عنصرية ما ، فأنا بحسب كل من زعمي وقناعتي، لا أملك حساً عنصرياً أو طائفياً تجاه نفسي أو أي أحد آخر، إلى درجة أنني أرفض مجرد التفكير بذلك باعتباره نقيصة أخلاقية ، كما أعتبر بأن العنصرية والطائفية نتاجٌ صهيوني بامتياز!
لقد فوجئتُ بأحد أصدقائي من البسطاء منذ نحو أسبوعين، أثناء جلسة حميمية في مكتبي بلا موعد مسبق، وقد ضمت الجلسة ستة أصدقاء ، عندما انبري إلي و همس بسعادة: " هل انتبهت ؟ في الجلسة مسيحيان و علويان و سنيان "!
وجدتُ نفسي أعدهم زوجين زوجين ! ، و بدوري أُصَنَّف، حاولت أن أفكر بالطريقة التخالفية، و أن استمع لما قاله " المسيحي ، و كيف رد السني، و بم أجابه العلوي" ، وجدتُ بأن الفارق الوحيد يكمن في زاوية استقرائي للأشياء ، لا في ماهية وفحوى قولها أو حدوثها فعلاً ، أي أن ما يتمأسس في آلية تفكيرك هو ما تلتقطه من معنى!
عندما أصبحت مراهقاً كنت أسمع كلمات من نوع " طبقت بنت من عندكن" و كأنها نقيصة أو عار، في بلاد الشام نسميه " كسر عين"، و ذات يوم انفجرت عصبيتي في وجه أحدهم و قلت له " يا حمار ، عندما تطبق فتاة من عندنا، فهذا يعني أنها مخلوق طبيعي و ليس مشوها مثلك".
حسناً أقول دائماً، بأنهم لا يصنفوننا بحسب الطائفة و الدين ، ليس لأننا كفرة، بقدر ما هو أن ذلك لا يستشري في المجتمع المنكوب بهويته الوطنية، و لهذا ربما أحبُّ النغمةَ الرائعة التي يناديني أحدهم من خلالها: يا فلسطيني.
هذه مرة أخرى لا أعرف ما الذي أريد قوله من خلال ما قلته في هذه السطور ، أجل أريد أن أقول أشياءَ لم تتسع الحياةُ لقولها بعدُ!

