Menu

المصيدة الفلسطينية

عبد الله السّناوي

النكبة

كأنه يقرأ كتاباً مفتوحاً للمستقبل الفلسطيني، معاناته ومصائده. قبل عقدين كتب: «سلام بلا أرض».. تلك حقيقة لا يجادل فيها أحد الآن. قال إن «الحكم الذاتي أداة للاحتلال «الإسرائيلي»». وهو ما لم يعد ممكناً إنكاره.
لم يستبعد احتراباً أهلياً: «أنا لا أتمناه، لكن واجبي يحتم عليَّ أن أواجه نفسي والآخرين بالحقيقة»، وذلك ما جرى في الانقسام الدموي ما بين غزة ورام الله و»فتح» و»حماس».

بتلخيصه: اللعبة صممت كأداة ل«التفجير الداخلي».

توقع تقويض منظمة التحرير الفلسطينية، وتفكيك وحدة الشعب والقضية، وتوسعاً استيطانياً أكثر شراسة، وتهميشاً كاملاً لقضية القدس .. وكلها باتت عناوين يومية معتادة في مرحلة ما بعد «أوسلو».

لم يكن المفكر الفلسطيني الراحل «إدوارد سعيد» وحده من عارض «أوسلو»، أو ارتفع صوته حول منتصف التسعينات ضد رهاناتها، فقد رفضت أصوات كثيرة في العالم العربي تلك الاتفاقية، لكنه كان الأشد تأثيراً ورؤيته الأكثر إحكاماً.
امتلك حماسته لقضيته، وهو يصارع المرض العضال الذي نال منه، وامتلك ما لا يمتلكه غيره من حضور دولي مؤثر، فكل أكاديمي أو مثقف غربي تأثر بدرجة أو أخرى بإسهاماته في «الاستشراق»، و«تغطية الإسلام»، و«الثقافة والاستعمار»، ويعرف قدره كأحد المفكرين الكبار في عصرنا.
فوجئ كثيرون بالنقد الجذري الذي قدمه الدكتور «سعيد» ل«أوسلو»، فقد ظل فترة غير قصيرة من أبرز مقربي الزعيم الفلسطيني الراحل « ياسر عرفات ».
اتسق «المغترب»، كما عنون مذكراته، مع ذاكرة شعبه، ووظف قدراته الاستثنائية في قراءة المصير الفلسطيني، ووصلت مساجلاته مع «عرفات» في يناير/كانون الثاني (1995) إلى ذروة حدتها.
سألته: «لا أريد أن أستفزك، ولا أبحث عن إثارة، غير أن تعليق عرفات على ما وصفته بأنه سلام أمريكي يدعو إلى التساؤل عما إذا كان هناك جانب شخصي؟». وأخذت أتلو على مسامعه نص تصريحات «عرفات» الذي وصف كتاباته بأنها «أتفه من أن يرد عليها»، وأنه «قرأها للتسلية»، واتهامات أخرى نالت من شخصه، كالقول إنه «يتعلق في حبال الوطنية من بعيد في أمريكا».
ابتسم بثقة، بادياً أمامي رجلاً إمكاناته الفكرية تسانده في ترتيب أفكاره وطرح حججه: «أنا لا أفهم أين يكمن الاتهام في مقولة إنني أعيش في أمريكا.. أنا فعلاً أعيش في أمريكا، والكثير من الجهد المتواضع الذي قمت به لنصرة قضية شعبي قمت به منطلقاً من موقعي كفلسطيني يعيش في المنفى، وهو وضع لا بد أن عرفات يعلم بأنه لا يقتصر عليّ وحدي، بل يشمل القطاع الأكبر من الفلسطينيين».. «أما عن قوله بتفاهة ما جاء في كتاباتي عن سلام أوسلو فإنني أترك للقارئ الحكم على قدرة كل منا على فهم النصوص وتفسيرها».
ورغم أي مشاحنات، لم تكن القضية شخصية كما أكد بإلحاح، والمساجلات بينهما انطوت على قراءتين مختلفتين للمستقبل الفلسطيني، ثبت تالياً أن «عرفات» خسر رهاناتها.
«إذا أمعنت في قراءة نص أوسلو فسوف تجده يقول إن من حق القوات «الإسرائيلية» أن تدخل أراضي الحكم الذاتي، لو اعتقدت أو استشعرت، أن مصالحها مهددة، وهو نص يكفل ل»إسرائيل» من الناحية الواقعية فرض سلطة الاحتلال المباشرة في أي وقت تريد وممارسة حق القتل عندما تقرر ذلك».
وقد استخدمت «إسرائيل» بالفعل «حق القتل» في التخلص من عرفات نفسه، وفي اغتيالات منهجية أخرى لقيادات سياسية وعسكرية من منظمة التحرير الفلسطينية، وداخل حركتي «حماس» و«الجهاد».

بدا «إدوارد سعيد» مقتنعاً بأننا بصدد هزيمة استراتيجية لا يصح أن تسوّق ك«إنجاز مهم وانتصار يستحق الاحتفاء به»، وأن «أوسلو» أقرب إلى خليط من «قلة الكفاءة» و«تواطؤ السياسة».
«إذا كنت تريد أن تعقد اتفاقاً مع «إسرائيل» فلابد أن تعرف أنها سوف تأخذ ما توقع عليه على محمل جاد، ولن يمكنك التراجع إلا لمزيد من التراجع».
‫«‬إن سألتني إذا ما كان بمقدور هذه القيادة أن تبلور رؤية جديدة، أو أي رؤية للمستقبل، أقول لك على الفور بالقطع لا».
«إن خطأ القيادة الأساسي أنها قبلت بالمرحلية من دون تحديد للنهايات، بمعنى أنها قبلت مشروعاً مرحلياً من دون إرساء الأسس أو السياق العام للحل النهائي. وهو الأمر الذي أدى عملياً إلى إلغاء الطموحات الفلسطينية».
الخلاف هنا في المنهج غير أنه استدعى سؤالاً حساساً طرحته على النحو التالي:
‫«‬اسمح لي يا دكتور سعيد، ألا ترى مفارقة بين موافقتك في دورة المجلس الوطني الفلسطيني بالجزائر على قرار الاعتراف بدولة «إسرائيل»، وبين معارضتك لأوسلو؟».
قال: «كيف؟». أجبته: «عندما تقرر بإرادة منفردة ومن دون تفاوض أن تعترف ب»إسرائيل».. فعليك أن تتوقع عندما تبدأ المفاوضات بموازين القوى التي تتحكم فيها أن تقدم تنازلات أخرى أفدح».
صمت قليلاً قبل أن يطلب وقتاً للتفكير، واعداً بأن يرسل الإجابة كتابة فور وصوله إلى نيويورك.
كانت إجابته نموذجاً لاستقامته الفكرية وقدرته على المراجعة بروح نقدية لا تبرر، أو تلف وتدور حول موضوعها.

كتب نصاً: «ربما كان عليّ أن أمتنع عن التصويت على قرار دورة المجلس الوطني الفلسطيني في الجزائر عام ١٩٨٨، ولكني على الرغم من موافقتي على هذا القرار أبديت معارضتي العلنية للعديد من التطورات اللاحقة.. فقد أعلنت عدم موافقتي على ما قام به عرفات في ديسمبر/كانون الأول 1988 عندما نطق في جنيف بالعبارات التي طلبتها منه الولايات المتحدة كشرط لقبول التحدث مع منظمة التحرير.. وأبديت معارضة أشد له عندما أعلن بباريس في مارس/آذار 1989 أن الميثاق الوطني الفلسطيني أصبح بالياً».

.. «أنا عندما صوتُّ في الجزائر موافقاً على مشروع الدولتين لم أكن اتصور إمكان حدوث ما جرى، ولكنني الآن في ضوء ما تكشف لاحقاً أتقبل تماماً مراجعة العديدين لما حدث عام 1988 ولا أجد غضاضة في الاعتراف بأنني قد أكون أخطأت بتصويتي آنذاك، وأن ما كنت أراه صواباً لم يكن كذلك».
في كل ما جرى بعد «أوسلو» ليست هناك مفاجأة واحدة، فقد صممت اللعبة لنصل إلى هنا ونتخبط داخل المصيدة.