Menu

عن غسان والماركسية اضاءات جديدة

أحمد مصطفى جابر

غسان

كتب غسان كنفاني دراسته عن الماركسية عام 1970، قبل استشهاده بعامين، وتحتل هذه الدراسة أهميتها من ثلاث نواح، الأولى أن كاتبها لم يعرف عنه أنه منظر أيدلوجي قبل ذلك، بل أنها بقيت مجهولة، تقريبا، فلم تعرف عنه هذه الصفة حتى بعد استشهاده، سوى للمتعمقين من قراءه ونقاده، بعضهم وليس جميعهم، الذين تمكنوا من سبر الأغوار الأيدلوجية لأدبه، واستكشاف التطبيقات الفنية للغة النظرية الجافة، في كتابة أزعم أن أحدا لم يتوصل إليها قبله. مازجت بين الفكرة والوقع، بل قطعت المسافة بين الفكرة والواقع كما يقول إدوارد سعيد في تحليله لأدب غسان.

الناحية الثانية، ان هذه الدراسة تكشف عن ثائر في الثورة إن صح التعبير، عن الماركسي المتمرد على مسلمات الماركسية، ليظهر نفسه كناقد فذ لمقولاتها وفي نفس الوقت شديد الانضباط لمنهجها وسياقاتها الأساسية.  وغسان هنا، لايتردد في الافصاح عن شكوكه وهواجسه وانتقاداته، ويكمل الطريق إلى نهايته غير مكتف بالنقد والتشكيك بل طارحا وجهة نظره وما يراه صحيحاً.

أما الناحية الثالثة، فهي أهمية قراءة غسان (النظري والأيدلوجي) في فهم أعماله الأدبية، وتجاوز الدوغما النقدية التي وضعت فيها هذه الأعمال، باعتبار أدب غسان أدب شعبي وسهل الفهم، وهذا صحيح طبعا ولكنه العميق والذي يحتاج إلى تفسير في أحيان أخرى، لعل هذا يفسر قلة الأعمال النقدية التي حظيت بها أعماله المسرحية وروايته غير المكتملة (الأعمى والأطرش)، بل لعل قراءة هذه الدراسة تجعل من الممكن تشكيل وعي أعمق وأكثر احاطة بدراساته السياسية مثل دراسته عن ثورة 1936 وكذلك تتبع تأثيراته (ما يحتاج إلى دراسة مختلفة) في وثائق الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين المبكرة، التي كان أحد أهم كتابها أعني تلك الوثائق.

في مقدمته الممتازة، للمجلد الخامس المخصص لأعمال غسان كنفاني السياسية، الصادر في الذكرى الثمانين لميلاده، يقول صديقه الأقرب والأخلص فضل النقيب أن الحكم دروزة القيادي في حركة القوميين العرب آنذاك، استدعاهما صيف 1959 (غسان وفضل) وطلب منهما كتابة اثنتي قصة، ستة لكل منهما، لنشرها في كتاب وتوزيعه في المخيمات على أوسع نطاق كما قررت قيادة الحركة. تعكس هذه القصة أمرين هامين، الأول هو وعي حركة القوميين العرب بدور الأدب والمثقفين في شحذ وتعبئة الجماهير، والأمر الثاني الذي أجده مفاجئا، هو انصياع غسان، المثقف المتمرد الشاب، لقرار الحركة، بانتاج أدب بأمر حركي مباشر، ما يعكس وعيه بالتنظيم واندماجه في الحياة التنظيمية ووعيه بأهمية قلمه من جهة أخرى، والتحام هذا الوعي بوجوده كعضو منظم في حركة في طريقها للتحول إلى حزب شارك هو شخصيا في الإعداد له واطلاقه.

جدير بالذكر أن ذلك الكتاب لم ينشر لتعقيدات وصفها النقيب بأنها سياسية  حالت دون النشر ولاأعرف إذا كانت قصص غسان نشرت في سياق آخر، يضيف فضل النقيب أن غسان قرر أن يكتب مقالة نقدية عن القصص جميعها (قصصه وقصص فضل) حال صدورها، وكان رأيه إنه إذا كان كتاب سيصدر فلا بد أن يصدر نقد عنه، هذا الخيار بالاتجاه إلى النقد والذي خاضه غسان إلى مداه بتوقيعات فارس فارس وأبو العز وعينكاف، وكلها أسماء حركية عرفناها ولم نعرف ماعداها، جعلته يرسم خريطة غير مسبوقة لواقع حال الابداع في زمنه مستخدما أسماء حركية ربما لتفادي احراجات سياسية أو أدبية وربما أمنية أيضا.

هل أدى النقد الأدبي لغسان إلى نتاجه السياسي والنقدي السياسي تحديداً أم العكس، في الحقيقة لانعرف كتابات مبكرة لغسان سابقة لانتاجه الفني كرسام أو الأدبي ككاتب قصص، لذلك يبدو أن تلاحم الأدب والسياسة بل الالتزام السياسي بأعمق معانيهأوجد عنده تلك النزعة النقدية للكتابة السياسية والايدلوجيا بما لايقل براعة عن نتاجه الأدبي.

ذلك ما يسميه فضل النقيب "عاطفة الكتابة الكاملة" "كتابة القصة ونقدها، كتابة الخبر السياسي والتعليق عليه، وصولا إلى الكتابة السرية والمنشورات الحركية والحزبية التي لم تكن تصدر باسمه إلا نادرا، كما في نصه المذهل، بغض النظر عن موضوعه الأساسي "الجبهة وقضية الإنشقاق".

لذلك نجد أن جميع شخصياته الأدبية تطل علينا من الواقع السياسي فيعيد تكوينها فنيا وصياغتها دون أن يشوهها أو يغير في انتمائها البيئي ليوصل عبرها رسالة سياسية في أجمل صورة دون التردد أو الخوف (الذي يعتري الأدباء عادة) من التنظير السياسي المباشر حول هذا الواقع.

ولكن غسان في بحثه عن الكمال كان يدرك أنه ليس كاملا، هو الرسام والأديب والسياسي، كان يريد المزيد حتى لو من خلال شخص آخر، لأنه كان يجد نفسه في الكتابةأكثر من الرسم، وبقي يبحث بهاجس الفنان الغيري بامتياز ، البعيد عن أنانية المثقفين، عما يكمله ويكمل نقصه، عمن يستطيع التعبير بالرسم أكثر من الكلام، حتى وقع صدفة على شاب صغير في عين الحلوة، عرض عليه بعض رسوماته فأخذ غسان أربعاَ منها ونشرها في الحرية ضمن مقال له بعنوان " ننتظر أن يأتي" كان اسمه ناجي العلي ، هل نجد اليوم مثل غسان، يأتي بشاب مهمش من مخيم أكثر هامشية ليضعه في الطريق الصحيح نحو قمة العمل الفني والصحفي على حد سواء؟ في ذلك المقال وصف غسان عمل اللاجئ الشاب من عين الحلوة" خطوط حادة" و" ألوان راعبة قاسية" و"تعبر عن الذي يجيش في صدره بشكل أكثر من كاف" . بعدها بسنوات قليلة سيكون الشاب الأسمر وفنان المستقبل العظيم في مقدمة مشيعي المعلم جنبا إلى جنب مع ملهمة أعظم أعماله أم حسين أو بالأصح "أم سعد".

في بداية دراسته عن الماركسية يستعير غسان مقولة جون ديوي - والذي هو للمفارقة أحد زعماء الفلسفة البراغماتية-  التي تفسر الفكرالبشري، فهو يرى أن الفكر هذا من أساسه " أداة لخدمة الحياة وأن الناس يزاولون التفكير مضطرين" أي أن تفكيرهم كما يفسر غسان هو طريقة لمواجهة صعوبات الحياة أما مقياس صحة هذا التفكير فيستقيه من مدى ما يحققه من نجاح في المضمار التطبيقي.

من الواضح لسببين أن غسان يتبنى هذا الرأي حرفيا، الأول أنه يقول "أستعير الفيلسوف جون ديوي لأروي على لسانه تفسيراَ لماهية الفكر البشري" وهذا قول يعكس تبنيا كاملا للمقولة، السبب الثاني أن أن حياة غسان كلها لم تكن سوى ربطاَ عبقريا بين الفكر والممارسة وبين التفكير ونقده وقياس تناغمه مع الحياة السياسية والواقع المعاش.

تبدو هذه الدراسة، وهي في الأساس كانت نقاشا مع صديق، حول النظرية والتطبيق، تبدو ككراس تعليمي يبدأ من ألف باء وجذور الماركسية إلى تجلياتها ونقدها وإعادة تقديم فهم لها.

مستعرضا هيغل وأطروحته حول الكون مبينا تناقضه بابطاله الجدل وانتهاؤه إلى الحق الالهي المقدس، ثم يمضي بنا كمعلم حصيف ليشرح بلغة سلسة ماهية الجدل كما تصفه الماركسية منتقلا لمحاولة تعريف الجدل وكيف ظهرت المادية الجدلية وصولا إلى المادية التاريخية.

ثم ينطلق بذات اللغة الرصينة والسهلة إلى التطبيق متتبعا انطلاق الثورة الشيوعية في ارهاصاتها الأولى، ويصطحبنا إلى تفاصيل شيقة تاريخية من يوميات تلك المرحلة. ثم المعضلات التي واجهها لينين التي لم تكن لتواجه ماركس، مستنتجا أن "ما يهمنا في الأمر هو التأكيد أن النظرية لايمكن أن تكون قدرا لايمكن تعديله".

لايتردد غسان بعد شرحه المدرسي من انتقاد كارل ماركس الذي يرى أن ليس هناك حقيقة لايمكن تطويرها وتنقيحها ، ملاحظاً أن من يقول هذا الكلام هو نفسه من قدم لنا مذهبه على أنه حقيقة نهائية خارجا عن مبدأ أساسي من مبادئه وهو أن التوكيد يستدعي النفي، متساءلا  في نقد صارخ للمجتمع السوفييتي في جرأة مبكرة لم تأخذ حقها في الالتفات إليها من الماركسيين العرب : هل يعتبر ماركس نهاية الجدل؟ وهل من الجدل في شيء أن تحد الدولة التفكير وتقف في طريقه عندما تصنع نهجاً مطلقاً تحدد فيه خطوط تفكير فلاسفتها وأن يعتبر رجال الدولة أنها يجب أن تقدم تفسيرا لكل شيء وإنها المفتاح الذي يفتح جميع الأبواب وهو "كما قيل قديما مفتاح مزيف بالضرورة"؟

يلفتنا غسان أن من الواجب ادراك أن المادية الماركسية ليست نظرية فلسفية بقدر ماهي نظرية في شرح التاريخ، وأن ما يقف قبالة المادية ليست الروحية كما هو شائع ويعتقد لأول وهلة، بل العقلية المثالية الهيغلية.

يرى غسان بعد نقاش مستفيض  أنه ليس هناك شيء مادي وشيء روحي منفصلان في صناديق معزولة، إنما هنالك الحياة التي تحتوي على المادة والروح والفكر إلى آخر ما هنالك وينظر إلى هذه الأمور على إنها متداخلة متراكبة لايستغنى عن واحد منها.

طبعا ذلك هو رأي ول ديورانت ومذهبه الحيوي الذي يتبناه غسان مستنتجاً " الإنسان أخيرا يخضع لعوامل متعددة كصدى لتعقيدات الحياة ذاتها ومن الخطأ أن نحشر تطوره عبر الأزمان في صنمية عامل واحد".

في تفسير التاريخ ينتقد غسان بشدة النظريات التي تبحث عن توكيداتها في التاريخ "إن التفسير يجب أن ينبع مما يعطيه التاريخ" محللا نظريات التفسير التاريخي وأدوار المؤرخ، يقدم لنا تحليلا (ثوريا) لفكرة الطبقات، منتقداً قصور الماركسية تجاه الثورات الوطنية والقومية، وعجزها عن فهم آليات التمرد الوطني في مجتمع تمزقه الطبقات مستعرضاً تجربة سلطان علي أوغلو أو سلطان غالييف كما هو شائع في الأوسط السوفييتية، المسلم التتري الذي طور نظرية خاصة عن ثورات المستعمرات أدت إلى إعدامه كخائن عام 1940.

ما يهمنا هو نظرة غالييف الواقعية إلى بنية المجتمع الأسيوي وكراهية المستعمر الغاصب. ليصل إلى سؤال: ماهي الطبقة؟ في انتقاد أساسي لمناهج الشيوعية العربية يرى غسان: اننا لانستطيع أن نحدد ماهية الطبقة في مجتمعنا فنحن لانملك الرصيد العمالي الضخم الذي يقف على الطرف المقابل لطبقات المجتمع الأخرى، ولاتلك الرأسمالية الناضجة التي في استطاعتها أن تخلق طبقة بعيدة عن الحساسية الوطنية إلى درجة التآمر علي الوطن.

واصلا إلى استنتاج أن شقة البعد في بلادنا ليست على تناقض حاد ويمكنها أن تتقارب حتى الاندماج في اشتراكية مبرمجة دون حاجة إلى أي ثورة ضاربا لنا مثلين لثورتين اشتراكيتين لم لم تعصفا بالسلام القومي ولم تحتاجا إلى إثارة صراع طبقي الأول في يوغوسلافيا والثاني في الصين دون الخوض في تفاصيل معروفة تاريخيا.

ويستنتج " إن المجتمع بتعقيده لايمكن أن يحشر في حتمية إذ أنه من الممكن أنتقيم مجتمعا اشتراكيا من دون حاجة إلى المرور بلرأسمالية"

ثم ينتقل بنا إلى مناقشة فكرة القومية التي لم يشهدها ماركس تتحقق محللا فيها وشارحا رأيه في تناقضات ماركس في تعريفه للأمة بأنها جماعة أناس ثابتة تألفت تاريخياً ونشأت على أساس وحدة اللغة والأرض والاقتصاد.. إلخ، ثم يعود ليقول إن التاريخ هو تاريخ صراع طبقات.

وينهي غسان دراسته اللافتة أو نقاشه لماركس  بفكرة لافتة تحتمل الكثير من النقاش" من الممكن أن تكون هذه النظرة ‘ إلى القومية والأمة هي نتاج ترسبات النفسية اليهودية في أعماق ماركس نتاج الاضطهاد الطويل الذي قاساه اليهود في التاريخ والشعور بالضياع في هذا العالم؟ ربما"

أخيرا، لابد من التويه الحازم لأمرين اثنين، يجب الانتباه لهما في قراءة نص غسان عن الماركسية، الأول ان غسان في نقاشه للقومية والطبقة، لم يهمل أن قطاعا من الامة، عبر عنه لاحقا بالقيادات الاقطاعية والرجعية المتعاونة مع الاحتلال، يحل محل طبقة رأسمالية متآمرة، مبينا انحيازه التام للفقراء والمسحوقين والعمال والفلاحين، ولكن في النهاية وكان يرى (الشعب) قبل أي شيء، كما ظهر في أدبه ونصوصه النظرية كما في مقدمته الفذه لروايته (أم سعد) أو نصه عن ثورة 1936 و كما صاغ ذلك في أدبيات الجبهة الشعبية خصوصا مهمات المرحلة، والاستراتيجية السياسية والتنظيمية التي لاشك لدينا انه كتب محتواها النظري.

الأمر الثاني أن هذا النص كتب منذ 46 عاما، أي أنه طبعا يحتمل الكثير من النقد والمراجعة لكن ليس باسقاطات زمنية تحاكم أفكار غسان بتطورات نظرية وسياسية لم يشهدها، بل استنادا إلى الواقع نفسه والاطار الزمني الذي كتب فيه هذا النص.