Menu

«بريكزيت»: اللاخيار الأوروبي

عامر محسن

لم تكن بريطانيا، يوماً، من المؤمنين بـ»روح» المشروع الأوروبي، ولا كان قادتها من آبائه المؤسسين الذين تعاملوا مع الاتحاد الأوروبي بلغة تبشيرية، بل كانت علاقة الجزيرة البريطانية مع مشروع الاتحاد نفعية بالكامل: رفضت الإنضمام الى الأسرة الأوروبية حتى الستينيات، حين بدا واضحاً أن بريطانيا لا تنمو بسرعة جيرانها، وأنها تتجه لأن تصير من «الدول الفقيرة» في القارة، فيما فرنسا والمانيا وهولندا تشهد إزدهاراً وتسبقها بمقاييس الدخل والنموّ (جرى الإنضمام رسمياً، بعد مفاوضات طويلة، عام 1973، وقد ظلّت نظرة البريطانيين تجاه المشروع الأوروبي، اجمالاً، نظرة تشكيكٍ وحذر).

اليوم، حين لم يعد «الاتّحاد الأوروبي» يمثّل تلك المنظومة الجاذبة والدينامية، ودخلت الرأسمالية الأوروبية في حالة أزمة، يعيد البريطانيون حساباتهم حول علاقتهم بأوروبا، وهم على وشك التصويت، بعد شهرٍ من اليوم، على استفتاء قد يسفر عن انسحاب بريطانيا من منظومة الاتحاد. هذه الزاوية ــــ استفتاء بريطانيا كانعكاس لأزمة المشروع الأوروبي ــــ قد تكون أهمّ عنصرٍ في الصورة، وأكثر دلالة من الجدال البريطاني حول الاستفتاء، أو حتى نتيجته.

بالمقاييس الانتخابية التقليدية، كان من المفروض أن يتقدّم خيار البقاء في أوروبا بسهولة. فقيادة الحزبين تدعمه، ورئيس الوزراء كاميرون رهن مستقبله السياسي بنجاح الاستفتاء، وواجه شريحة كبيرة في حزبه تعارض الاستمرار في الاتحاد الأوروبي (ووزارة الخزانة البريطانية نشرت دراسةً تدعم موقف البقاء، وتدّعي بأن الاقتصاد سيخسر على المديين القصير والبعيد اذا ما حصل الانسحاب). حتى في الخارج، الرئيس الأميركي اوباما يدعو المواطنين في بريطانيا الى تأييد البقاء في اوروبا، والشركات والمؤسسات العالمية تنشر رسائل تحضّ الجمهور البريطاني على عدم ترك الاتحاد وتحذّر من النتائج السلبية لذلك، وعمدة نيويورك السابق مايكل بلومبرغ كتب مقالةً يدافع فيها بحماسة عن التصويت بـ»البقاء» (وحده المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركي، دونالد ترامب، قال انه على الأرجح سيصوّت بالخروج لو كان بريطانياً). ولكنّ أصوات الجمهور، بحسب الاستطلاعات، ما زالت متقاربة الى درجةٍ يستحيل معها التنبؤ بالنتيجة، وقد تبادل موقفا «الخروج» و»البقاء» صدارة الرأي العام لعدة مرات خلال الشهور المنصرمة.

الانقسام، ايضاً، لا يمكن تفسيره على أساس طبقي أو ايديولوجي. المحافظون يميلون الى دعم خيار الخروج فيما أكثرية من العماليين تؤيد البقاء؛ الشركات الكبرى والعابرة للدول مع استمرار العضوية في الاتحاد، ولكن المصالح الصغيرة والمتوسّطة، وبعض البنوك والأعمال «البريطانية الطابع» (كمكاتب المراهنة واليانصيب) تؤيد الخروج بشدّة، وتموّل حملة الدعاية بسخاء؛ الصغار في السن يميلون الى خيار البقاء فيما الأكبر عمراً يريدون بريطانيا خارج الاتحاد، الخ… والنتيجة النهائية، كما يحصل في مثل هذه المنافسات المتقاربة، سيقرّرها حماس الجناحين في الجمهور، وأيّ منهما سيدفع أكبر نسبة من مؤيديه الى الخروج من منازلهم في يوم الاقتراع.

ولكن، رغم أن الطرفين يستخدمان حنق الناس ومخاوفهم وقلقهم (من الاقتصاد، من المهاجرين، من المستقبل...) لدفعهم الى التصويت، فإن المثير هو قلة الفرق التي سيحدثها الاستفتاء، سواء ظلت بريطانيا في الاتحاد أم تركته، وأن القرار ــــ كيفما جاء ــــ لن يعالج المشاكل الحقيقية التي يتجادل حولها طرفا الاستفتاء. الفارق الاقتصادي (سواء ايجاباً أم سلباً) سيكون ضئيلاً، حتى بحسب تقديرات وزارة الخزانة، التي تنحاز الى موقف المصارف العالمية ورئيس الوزراء وتحذّر من خيار الخروج. السياسات النيوليبرالية ستستمرّ سواء في اطار الاتحاد الأوروبي أم بقيادة النخب البريطانية. حتّى حجّة «التحرر» من التنظيمات الأوروبية وتمكين بريطانيا من سنّ سياسات قومية مستقلّة ليست واقعية، اذ تجمع التقارير أنّ بريطانيا، لو أخذت خيار الخروج، فهي ستتفاوض على «معاهدة خروج» مع الاتحاد تضعها في موقعٍ يشبه سويسرا أو النروج، حيث ستوافق بريطانيا ــــ لاستمرار التجارة بالشروط الأوروبية ــــ على تعديل قوانينها وتنظيماتها باستمرار لتتوافق مع تنظيمات الاتحاد، بل هي ستُجبر أيضاً على دفع مبالغ للاتحاد لا تقلّ كثيراً عن مساهمتها الحالية (حوالي 12 مليار دولار).

أبعد من ذلك، يشير الكاتب اليساري طارق علي الى أنّ مطلق فكرة «السيادة»، التي تحفّز العديد من كارهي الاتحاد الأوروبي، هي مجرد وهمٍ رومانسي في عالمٍِ تهيمن عليه أميركا، وتلعب بريطانيا وأوروبا فيه دوراً محدداً لها. في مقالٍ أخيرٍ، استخدم علي مثال مشروع «ترايدنت» النووي، الذي تمّ الابقاء عليه رغم كلفته الهائلة لمجرّد رمزية «أن يبقى إصبعٌ بريطاني على الزناد النووي». ولكنّ «الإصبع»، يحاجج طارق علي، سيكون دوماً أميركياً (طارق علي يؤيد الانفصال عن الاتحاد، وقد اصطدم مؤخراً مع ياني فاروفاكيس في مناظرة حول هذه المسألة، ووصف مشروع السياسي اليوناني بإنشاء جبهة يسارية لإصلاح الاتحاد «من الداخل» بأنه ينتمي الى عالم الخرافات). في أفضل تمثيلٍ ــــ غير مقصود ــــ لهذا الواقع العالمي، نجد مقالة السياسي والأكاديمي الأميركي جوزف ناي، الذي يحكم ــــ ببرودٍ وبساطة ــــ أنّ القرار البريطاني لن يغيّر شيئاً مهماً، ولكنه، بالمعنى الجيوسياسي، قد يضعف الاتحاد وبريطانيا ولو بالمعنى الرمزي، فيما «الشراكة الأطلسية» تحتاج الى الوحدة في وجه الصين وروسيا. لهذا، يحاجج ناي، من الأفضل أن تظلّ بريطانيا في الاتحاد (ولا يهمّ رأي الشعب أو حاجاته الداخلية).

الّا أن العنصر الأهمّ في القصّة، وفي أيّ حدثٍ كبيرٍ يعني أوروبا، يظلّ غائباً أو مهمشاً في أكثر هذه التحليلات (من بيكيتي الى جيجِك الى طارق علي الى غيرهم من المعلقين الأوروبيين؛ فيما آلان باديو، على الأقل، يحافظ على اتساقه بدعوته الواضحة الى الشيوعية والغاء الملكية الفردية كحلٍّ للمجتمع البشري، بدلاً من الكلام على «جبهة عالمية عابرة للحدود» غير واضحة المعنى، كما يفعل أكثر يساريي القارة). نحن هنا نقصد مسألة «الانحدار الأوروبي»؛ السّبب الحقيقي لمشاكل القارة وأزمتها وركودها، والتي قد لا يكون هناك سبيل الى عكسها. الفكرة باختصار هي أن اوروبا كانت، منذ نصف قرن أو أكثر بقليل، تتحكم بأكثر من نصف السوق العالمية، فصارت حصتها أقل من الخمس؛ وكانت تحتكر أغلب الصناعات، فأضحت بلا مزايا تنافسية؛ وكانت قوة امبراطورية تتحكم بالنظام العالمي وقادرة على حماية موقعها فيه، فتحوّلت الى اقليم تابع. هذا هو السبب الأساسي لتراجع مستوى الدخل في اوروبا و»فقدان التنافسية»؛ فالمداخيل الأوروبية، يعترف بيكيتي، لا طريق أمامها سوى الانخفاض والاقتراب من دخل الفرد في الصين والدول الصاعدة وملاقاتها في نقطةٍ وسطى. اليمين، في وجه هذه العملية التاريخية، يتمسّك بأوهام قومية وعنصرية، واليسار مشتّت ولا يملك موقفاً وخطة. يقول كاتبٌ اسمه بيتر نورفيلد إنّ حجج الطرفين توجّه الى العوارض، وليس الى أصل المشكل، وهو في المنظومة الرأسمالية العالمية وموقع اوروبا فيها. حتى التقديمات الاجتماعية التي يدافع عنها اليسار، يقول نورفيلد، ما كانت الّا نتيجة للامبريالية الأوروبية والرخاء الذي نتج عنها، وحين تخسر اوروبا امبراطوريتها ومزاياها وتقع الأزمة، فإن النّخب، بالطبع، ستقلّص الدعم والتقديمات (والمطالبة باستمرارها، في هكذا سياق، ليس خياراً يسارياً، بل خيارٌ غير واقعي، فقد انتهى عهد رشوة الطبقة العاملة في الغرب).

لا أحد يتوقّع أن تخرج الثورة من بريطانيا. هي النظام الأوروبي الوحيد الذي تمكّن، في عهد الثورة البرجوازية، من تحويل الارستقراطية الزراعية القديمة الى تجار وصناعيين، واستوعب الطبقة العاملة وأنشأ شبكة الرعاية في الخمسينيات، ثمّ استبق الموجة النيوليبرالية وفتح ــــ عبر مارغريت تاتشر ــــ مدينة لندن وسوقها المالية في الثمانينيات، لتولد طبقة كاملة من «الرأسماليين الجدد»، بريطانيين وأجانب، صاروا أعمدة النظام الليبرالي وجنوده. ولكن بريطانيا، بهذا المعنى، كانت «مجسّاً» دائماً لما سيأتي؛ وتصويت حزيران، وإن لم تكن نتيجته ذات أهمية كبرى، قد يكون فاتحة الاعتراف بالمأزق الأوروبي.

لم تكن بريطانيا، يوماً، من المؤمنين بـ»روح» المشروع الأوروبي، ولا كان قادتها من آبائه المؤسسين الذين تعاملوا مع الاتحاد الأوروبي بلغة تبشيرية، بل كانت علاقة الجزيرة البريطانية مع مشروع الاتحاد نفعية بالكامل: رفضت الإنضمام الى الأسرة الأوروبية حتى الستينيات، حين بدا واضحاً أن بريطانيا لا تنمو بسرعة جيرانها، وأنها تتجه لأن تصير من «الدول الفقيرة» في القارة، فيما فرنسا والمانيا وهولندا تشهد إزدهاراً وتسبقها بمقاييس الدخل والنموّ (جرى الإنضمام رسمياً، بعد مفاوضات طويلة، عام 1973، وقد ظلّت نظرة البريطانيين تجاه المشروع الأوروبي، اجمالاً، نظرة تشكيكٍ وحذر).

اليوم، حين لم يعد «الاتّحاد الأوروبي» يمثّل تلك المنظومة الجاذبة والدينامية، ودخلت الرأسمالية الأوروبية في حالة أزمة، يعيد البريطانيون حساباتهم حول علاقتهم بأوروبا، وهم على وشك التصويت، بعد شهرٍ من اليوم، على استفتاء قد يسفر عن انسحاب بريطانيا من منظومة الاتحاد. هذه الزاوية ــــ استفتاء بريطانيا كانعكاس لأزمة المشروع الأوروبي ــــ قد تكون أهمّ عنصرٍ في الصورة، وأكثر دلالة من الجدال البريطاني حول الاستفتاء، أو حتى نتيجته.
بالمقاييس الانتخابية التقليدية، كان من المفروض أن يتقدّم خيار البقاء في أوروبا بسهولة. فقيادة الحزبين تدعمه، ورئيس الوزراء كاميرون رهن مستقبله السياسي بنجاح الاستفتاء، وواجه شريحة كبيرة في حزبه تعارض الاستمرار في الاتحاد الأوروبي (ووزارة الخزانة البريطانية نشرت دراسةً تدعم موقف البقاء، وتدّعي بأن الاقتصاد سيخسر على المديين القصير والبعيد اذا ما حصل الانسحاب). حتى في الخارج، الرئيس الأميركي اوباما يدعو المواطنين في بريطانيا الى تأييد البقاء في اوروبا، والشركات والمؤسسات العالمية تنشر رسائل تحضّ الجمهور البريطاني على عدم ترك الاتحاد وتحذّر من النتائج السلبية لذلك، وعمدة نيويورك السابق مايكل بلومبرغ كتب مقالةً يدافع فيها بحماسة عن التصويت بـ»البقاء» (وحده المرشح الجمهوري للرئاسة الأميركي، دونالد ترامب، قال انه على الأرجح سيصوّت بالخروج لو كان بريطانياً). ولكنّ أصوات الجمهور، بحسب الاستطلاعات، ما زالت متقاربة الى درجةٍ يستحيل معها التنبؤ بالنتيجة، وقد تبادل موقفا «الخروج» و»البقاء» صدارة الرأي العام لعدة مرات خلال الشهور المنصرمة.

الانقسام، ايضاً، لا يمكن تفسيره على أساس طبقي أو ايديولوجي. المحافظون يميلون الى دعم خيار الخروج فيما أكثرية من العماليين تؤيد البقاء؛ الشركات الكبرى والعابرة للدول مع استمرار العضوية في الاتحاد، ولكن المصالح الصغيرة والمتوسّطة، وبعض البنوك والأعمال «البريطانية الطابع» (كمكاتب المراهنة واليانصيب) تؤيد الخروج بشدّة، وتموّل حملة الدعاية بسخاء؛ الصغار في السن يميلون الى خيار البقاء فيما الأكبر عمراً يريدون بريطانيا خارج الاتحاد، الخ… والنتيجة النهائية، كما يحصل في مثل هذه المنافسات المتقاربة، سيقرّرها حماس الجناحين في الجمهور، وأيّ منهما سيدفع أكبر نسبة من مؤيديه الى الخروج من منازلهم في يوم الاقتراع.

ولكن، رغم أن الطرفين يستخدمان حنق الناس ومخاوفهم وقلقهم (من الاقتصاد، من المهاجرين، من المستقبل...) لدفعهم الى التصويت، فإن المثير هو قلة الفرق التي سيحدثها الاستفتاء، سواء ظلت بريطانيا في الاتحاد أم تركته، وأن القرار ــــ كيفما جاء ــــ لن يعالج المشاكل الحقيقية التي يتجادل حولها طرفا الاستفتاء. الفارق الاقتصادي (سواء ايجاباً أم سلباً) سيكون ضئيلاً، حتى بحسب تقديرات وزارة الخزانة، التي تنحاز الى موقف المصارف العالمية ورئيس الوزراء وتحذّر من خيار الخروج. السياسات النيوليبرالية ستستمرّ سواء في اطار الاتحاد الأوروبي أم بقيادة النخب البريطانية. حتّى حجّة «التحرر» من التنظيمات الأوروبية وتمكين بريطانيا من سنّ سياسات قومية مستقلّة ليست واقعية، اذ تجمع التقارير أنّ بريطانيا، لو أخذت خيار الخروج، فهي ستتفاوض على «معاهدة خروج» مع الاتحاد تضعها في موقعٍ يشبه سويسرا أو النروج، حيث ستوافق بريطانيا ــــ لاستمرار التجارة بالشروط الأوروبية ــــ على تعديل قوانينها وتنظيماتها باستمرار لتتوافق مع تنظيمات الاتحاد، بل هي ستُجبر أيضاً على دفع مبالغ للاتحاد لا تقلّ كثيراً عن مساهمتها الحالية (حوالي 12 مليار دولار).

أبعد من ذلك، يشير الكاتب اليساري طارق علي الى أنّ مطلق فكرة «السيادة»، التي تحفّز العديد من كارهي الاتحاد الأوروبي، هي مجرد وهمٍ رومانسي في عالمٍِ تهيمن عليه أميركا، وتلعب بريطانيا وأوروبا فيه دوراً محدداً لها. في مقالٍ أخيرٍ، استخدم علي مثال مشروع «ترايدنت» النووي، الذي تمّ الابقاء عليه رغم كلفته الهائلة لمجرّد رمزية «أن يبقى إصبعٌ بريطاني على الزناد النووي». ولكنّ «الإصبع»، يحاجج طارق علي، سيكون دوماً أميركياً (طارق علي يؤيد الانفصال عن الاتحاد، وقد اصطدم مؤخراً مع ياني فاروفاكيس في مناظرة حول هذه المسألة، ووصف مشروع السياسي اليوناني بإنشاء جبهة يسارية لإصلاح الاتحاد «من الداخل» بأنه ينتمي الى عالم الخرافات). في أفضل تمثيلٍ ــــ غير مقصود ــــ لهذا الواقع العالمي، نجد مقالة السياسي والأكاديمي الأميركي جوزف ناي، الذي يحكم ــــ ببرودٍ وبساطة ــــ أنّ القرار البريطاني لن يغيّر شيئاً مهماً، ولكنه، بالمعنى الجيوسياسي، قد يضعف الاتحاد وبريطانيا ولو بالمعنى الرمزي، فيما «الشراكة الأطلسية» تحتاج الى الوحدة في وجه الصين وروسيا. لهذا، يحاجج ناي، من الأفضل أن تظلّ بريطانيا في الاتحاد (ولا يهمّ رأي الشعب أو حاجاته الداخلية).

الّا أن العنصر الأهمّ في القصّة، وفي أيّ حدثٍ كبيرٍ يعني أوروبا، يظلّ غائباً أو مهمشاً في أكثر هذه التحليلات (من بيكيتي الى جيجِك الى طارق علي الى غيرهم من المعلقين الأوروبيين؛ فيما آلان باديو، على الأقل، يحافظ على اتساقه بدعوته الواضحة الى الشيوعية والغاء الملكية الفردية كحلٍّ للمجتمع البشري، بدلاً من الكلام على «جبهة عالمية عابرة للحدود» غير واضحة المعنى، كما يفعل أكثر يساريي القارة). نحن هنا نقصد مسألة «الانحدار الأوروبي»؛ السّبب الحقيقي لمشاكل القارة وأزمتها وركودها، والتي قد لا يكون هناك سبيل الى عكسها. الفكرة باختصار هي أن اوروبا كانت، منذ نصف قرن أو أكثر بقليل، تتحكم بأكثر من نصف السوق العالمية، فصارت حصتها أقل من الخمس؛ وكانت تحتكر أغلب الصناعات، فأضحت بلا مزايا تنافسية؛ وكانت قوة امبراطورية تتحكم بالنظام العالمي وقادرة على حماية موقعها فيه، فتحوّلت الى اقليم تابع. هذا هو السبب الأساسي لتراجع مستوى الدخل في اوروبا و»فقدان التنافسية»؛ فالمداخيل الأوروبية، يعترف بيكيتي، لا طريق أمامها سوى الانخفاض والاقتراب من دخل الفرد في الصين والدول الصاعدة وملاقاتها في نقطةٍ وسطى. اليمين، في وجه هذه العملية التاريخية، يتمسّك بأوهام قومية وعنصرية، واليسار مشتّت ولا يملك موقفاً وخطة. يقول كاتبٌ اسمه بيتر نورفيلد إنّ حجج الطرفين توجّه الى العوارض، وليس الى أصل المشكل، وهو في المنظومة الرأسمالية العالمية وموقع اوروبا فيها. حتى التقديمات الاجتماعية التي يدافع عنها اليسار، يقول نورفيلد، ما كانت الّا نتيجة للامبريالية الأوروبية والرخاء الذي نتج عنها، وحين تخسر اوروبا امبراطوريتها ومزاياها وتقع الأزمة، فإن النّخب، بالطبع، ستقلّص الدعم والتقديمات (والمطالبة باستمرارها، في هكذا سياق، ليس خياراً يسارياً، بل خيارٌ غير واقعي، فقد انتهى عهد رشوة الطبقة العاملة في الغرب).

لا أحد يتوقّع أن تخرج الثورة من بريطانيا. هي النظام الأوروبي الوحيد الذي تمكّن، في عهد الثورة البرجوازية، من تحويل الارستقراطية الزراعية القديمة الى تجار وصناعيين، واستوعب الطبقة العاملة وأنشأ شبكة الرعاية في الخمسينيات، ثمّ استبق الموجة النيوليبرالية وفتح ــــ عبر مارغريت تاتشر ــــ مدينة لندن وسوقها المالية في الثمانينيات، لتولد طبقة كاملة من «الرأسماليين الجدد»، بريطانيين وأجانب، صاروا أعمدة النظام الليبرالي وجنوده. ولكن بريطانيا، بهذا المعنى، كانت «مجسّاً» دائماً لما سيأتي؛ وتصويت حزيران، وإن لم تكن نتيجته ذات أهمية كبرى، قد يكون فاتحة الاعتراف بالمأزق الأوروبي.