Menu

الإمبريالية لا تزال اعلى مراحل الرأسمالية / ابراهيم حجازين

13094303_10208928354703722_8628571831298613372_n

بقدرته التحليلية الكبيرة بين لينين لنا في عمله "الإمبريالية أعلى مراحل الرأسمالية" السمات الرئيسة للرأسمالية في المرحلة الاحتكارية ولم يفته أن ينوه أن المنافسة لن تنتهي بل ستبقى قائمة اسفل وإلى جانب الاحتكار في نشاطه ، وهذا ما يفسر العديد من الظواهر التي تلازم الرأسمالية في لحظات تطورها الراهنة. إن المنافسة داخل الفرع الإنتاجي نفسه أو البينية أي بين الفروع الإنتاجية المختلفة والمنافسة بين الدولية او الصراع الدولي قد أمدت الرأسمالية أيضا إلى جانب سماتها الأخرى العديدة بخبرات وقدرات فائقة على التكيف والمناورة في صراعها من أجل البقاء والنمو وتحقيق المزيد من الأرباح .
ولعب دورا في زيادة القدرة على التكيف لدى الرأسمالية تعمق طابعها الطفيلي المضاربات وتصدير الرأسمال الذي قد أتاح الفرصة للرأسماليين على نقل أزماتهم إلى أمكنة أخرى من العالم وتحقيق المزيد من الربح ، كما حدث في نهاية التسعينيات في دول جنوب شرق أسيا نتيجة المضاربات التي وضعت تلك البلدان على شفير الهاوية ،وتزداد هذه السمة الطفيلية تعمقا مع تفاقم أزمة المديونية التي تعاني منها خاصة دول العالم الثالث .
وعزز من القدرة على التكيف لدى الرأسمالية أيضا التطور الهائل في قوى الإنتاج الحديثة وخاصة نتيجة الثورة التكنولوجية الثالثة التي أنتجت التقنيات المرنة ذات تكلفة الإنتاج المنخفضة، وبلوغها مستوى عال من التطور التكنولوجي ، وتحولها إلى الاعتماد على الفروع الخدمية التي تقوم على هذه التقنيات الحديثة . وتلعب نزعة التدويل المتعمقة للإنتاج والرأسمال كنتيجة لسمة التمركز والتركيز- وهو ما أشار له ماركس مبكرا في عمله "الرأسمال"- دورا كبيرا في هذا الوضع ، وهو الذي ساعدها على الخروج من حدودها القومية وطغيانها على المستوى العالمي بحيث أنه كادت أن تضم السوق العالمي وان تخضعه لقوانين الرأسمالية ، وهذا بالذات كان فاتحة الطريق نحو ما أطلق عليه العولمة خاصة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي ومعسكره الأمر الذي فتح الطريق لاختراق رأسمالي في أسواق بقت مغلقة أمام التوسع الرأسمالي حتى ذلك الحين .
فالمحددات المشار إليها وخاصة التدويل الهائل لقوى الإنتاج والرأسمال قد وفر الظروف والعوامل لإيجاد الأساس الموضوعي لخلق آليات اقتصادية وسياسية وثقافية وإعلامية استفادت منها وطبقتها الرأسمالية الأمريكية وهي الأكثر نموا وتطورا وتجربة في العالم في إطلاق مسيرة العولمة التي تشكل إحدى آليات التكيف الرأسمالي ، بما بتناقض مع سمة التوحيد التي تلازم التطور الرأسمالي .
بهذا المعنى فإن العولمة في هذه المرحلة هي التعبير الذاتي عن السعي للهيمنة الأمريكية وطريقها لتوجيه التدويل الحاصل في سياق محدد يخدم التوجهات والسياسات الأمريكية للسيطرة وإدارة أزمات الرأسمالية في مصلحتها لأنها ترى نفسها ألفا وأوميغا الراسمالية، فالعولمة تعني الأمركة في هذه المرحلة الحالية .
لكن المفارقة التي تلفت الانتباه أن الولايات المتحدة ( أي سياسات العولمة )في محاولتها لفرض هيمنتها على العالم ، تسلك سلوكا متناقضا مع نزعة التدويل والتوحيد للأسواق العالمية ، التي تفترض مزيدا من التقارب وتشكيل التكتلات الاقتصادية الكبرى ، والارتقاء بمستوى النمو والتطور الاقتصادي في باقي البلدان النامية ، وذلك حتى تغدو هذه بدورها قادرة على استيعاب المنتجات العصرية من خلال بناء أسواق واسعة وموحدة ومتطورة وحديثة ، والارتقاء بالمجتمعات وإزالة العوائق أمام دورة رأس المال والإنتاج في الأسواق العالمية . لكننا نلاحظ أن هذه السياسات الإمبريالية تمعن بتمزيق الدول والتكتلات القومية أو التجمعات الإقليمية وتعمل على المحافظة على التخلف الذي يضرب أطنابه في البلدان النامية ، وهي تقوم كذلك بتدمير قدرات البلدان التي تتجاوز مراحل تخلفها وتدخل في مراحل التصنيع والتكنولوجيا الحديثة كما جرى في العراق عندما نفذت تهديد وزير خارجية الولايات المتحدة بيكر في بدايات التسعينيات بإعادة العراق إلى عصر ما قبل الصناعة وقد نجح ممثل الاحتكارات الأمريكية بذلك ، ولم يقفوا عند هذا الحد بل تابعوا سياستهم بعد احتلال العراق بقتل العلماء العراقيين الذين قد يقوموا في المستقبل بتنمية وتطوير بلدهم بأيدي شركات الأمن الخاصة وعملاء الموساد. وفي هذا السياق تنفذ سياساتها التدميرية في المنطقة العربية بطرحها مشروع الشرق الأوسط الهادف لتمزيق الوطن العربي بدلا من العمل على توحيده كما تتطلب نزعة التدويل ، فالمنطقة العربية بمجملها برسم التفتيت والتمزيق . وكما جرى في يوغسلافيا السابقة حيث نشط الأمريكان في ذلك الاتجاه أيضا فلم يكفوا عنها إلا وهي ممزقة إلى عدة دول والعملية لا تزال مفتوحة في كوسوفو . كذلك الأمر في أفريقيا وغيرها من المناطق خاصة في الدول التي كانت تدخل في نطاق الاتحاد السوفياتي السابق .كل هذا الدلائل تشير أن الرأسمالية في مرحلتها االاحتكارية لا تزال موضوعيا كما أشار لينين تحتوي على نزعتين متناقضتين التوحيد والتقارب من جهة والانفصال والتقسيم من جهة اخرى في ذات الوقت . و تكشف الأحداث الأخيرة عن تعمق الجانب الرجعي في سلوكها كمعرقل لتطور عوامل الإنتاج وفي الإدارة العقلانية لها .
إذن إلى جانب السمات التي أشار لها لينين ، ظهرت وبرزت سمات جديدة لا تقل خطورة وأهمية عن سماتها السابقة الآخذة بالتعمق .وهي بمجملها تبين اللحظات الراهنة من تطور الإمبريالية .حيث يتعمق الطابع الاحتكاري بظهور وتوطد الشركات متعددة الجنسية وبلوغها مستوى عال من التطور التكنولوجي وتركز الرأسمال لدرجة أن الطابع الطبقي للدولة الرأسمالية أصبح مكشوفا دون رتوش كخادمة لمصالح الاحتكار . وأصبح لهذه الاحتكارات هويتها وإدارتها الخاصة كشخصية مستقلة تتحكم بالقرارات السياسية على صعد مختلفة في لحظات محددة كالدور الذي تلعبه الاحتكارات النفطية وشركات التصنيع العسكري .
وتجدر الإشارة هنا إلى أن نفوذ هذه الشركات الاحتكارية على مستوى العالم يتزايد حتى في سياسات دول أخرى ، فهناك حوالي 200 شركة تتحكم بـ25% من التجارة في العالم وتتركز الثروات في أيدي مالكيها والتي تقدر حسب الإحصائيات بحوالي الترليون دولار ، لدرجة أن الدول أصبحت تتدخل وتعمل لصالح هذه الشركات ، لكن هذا لا يعني كما يحاول أن يوحي أنصار العولمة ان دور الدولة قد انتهى ، بل يعني أن طبيعة هذا الدور قد تغيرت، فلن تستغني الرأسمالية عن الدولة في هذه المرحلة نظرا لحاجتها للحماية في ظروف التنافس الحاد بين الاحتكارات المختلفة كل مرة لاقتسام الأسواق العالمية .
تحدث كلاسيكيو الماركسية عن الطابع الطفيلي للرأسمالية وحلل لينين هذا الطابع في مرحلة الإمبريالية ، لكن ما يحدث اليوم يفوق بدرجات لا تتصور الطابع الطفيلي الذي تكلم عنه لينين . إن أكثر من 25% من أرباح الشركات المتعددة الجنسية تحصل عليها من خارج عملية الإنتاج وهذا يعكس تماما طابعها الطفيلي .رغم أن هذه الشركات تستطيع أن تضاعف من إنتاجها السلعي وبالتالي من أرباحها كذلك لكن سعيها من اجل الربح يغلق هذا الاحتمال ، فالمضاربات في الأسواق والبورصات العلمية وصناعة البزنس المشبوه تدر أرباحا كبيرة كما رأينا ، لذا من المتوقع أن تزداد تعمق هذه الظاهرة في الفترات اللاحقة ويترافق معها الميل نحو عدم القدرة على إدارة الموارد الاقتصادية وبالتالي نحو الدكتاتورية والفاشية .
أشار العديد من المفكرين الليبراليين واليساريين منذ منتصف التسعينييان في الولايات المتحدة في دراسات اجروها إلى خطر تراجع الحريات الليبرالية في الولايات المتحدة وقد لاحظ المجتمع الدولي كيف استفادت الأوساط المحافظة الجديدة في الإدارة الأمريكي من الظروف التي تشكلت بعد 11 سبتمبر في سن العديد من القوانين التي تضيق على الحريات مثل قانون (بتريوت أكت) أو التصنت على مراسلات الأمريكيين ومراقبة نشاطاتهم المدنية وفرض الرقابة في الجامعات على نحو شديد يذكر بأيام المكارثية .
هذه المظاهر الجديدة تترافق مع تزايد الطابع العسكري العدواني للإمبريالية سواء في حجم الإنفاق العسكري مما يدر أرباحا هائلة على المجمع العسكري الصناعي أو قيام الشركات متعددة الجنسية بتصدير وتجارة الأسلحة حيث يتم بيعها لدول دون الحاجة إليها إما تحت التهديد أو بالرشاوى حيث افتضحت العديد من الصفقات التي جرت مع دول مقتدرة وغير مقتدرة من دول العالم الثالث المنكوب بالاستغلال النهب والابتزاز والتبعية .كما ان الإمبريالية تقوم بشن أعمال وحروب عدوانية جرت في يوغسلافيا السابقة وأفغانستان حتى قبل تفجيرات نيويورك والسودان والعراق ودول أفريقية عديدة أو توكل أدواتها المحلية للقيام بذلك كالحرب التموزية في لبنان أو دور أثيوبيا في الصومال واستخدمت في كل هذه الاعتداءات أسلحة محرمة دوليا طالت المدنيين بشكل أكبر نسبيا مقارنة مع حروب عالمية سابقة من حيث عدد السكان أو المساحات التي جرى فيها العدوان .
يلاحظ أيضا ان الشركات متعددة الجنسية آخذة في السيطرة على المزيد من المجمعات الإعلامية حتى ان هذه المجمعات عدا دورها الإعلامي المعروف في خدمة الرأسمال قد اندمجت مع الاحتكارات عضويا ، ففقد الإعلام إمكانيات أن يلعب دورا محايدا او موضوعيا في توجيه الرأي العام فهو جزء ومعبر عن مصالح الاحتكارات والدول الإمبريالية ويصح ان نسميها الإمبريالية الإعلامية
هذا يطرح مقاربة جديدة في المواجهة مع الإمبريالية فإلى جانب العمل داخل الحركات المناهضة (للعولمة) والتي هي بحاجة للمزيد من البلورة والصقل وتوضيح توجهاتها وبرامجها حتى تعمل على فضح ومواجهة المولد والمنتج (لظاهرة العولمة) ألا وهي الرأسمالية بحد ذاتها، وهذا لا يعني التقوقع وفرط التحالفات الواسعة مع كافة الاتجاهات المناهضة (للعولمة) بل توضيح وبلورة الاتجاهات الاجتماعية على المستوى العالمي حتى تتبواء مواقع افضل داخل تلك الحركات الواسعة وفي نفس الوقت مجابهة تلك النشاطات التضليلية التي تقوم بها المنظمات الممولة من قبل مراكز الاستخبارات الأمريكية والإسرائيلية لحرف هذه الحركات عن أهدافها الفعلية .
لابد أن يكون الهدف من النشاط العالمي والدولي المناهض (للعولمة) جزءا من تكتيك الجبهات العالمية المعادية للإمبريالية التي تضم دول اليسار الاجتماعي والدول الديمقراطية والأحزاب والنقابات الدولية والحركات الجماهيرية السلمية وحركات الدفاع عن البيئة والمناخ وغيرها . أما في داخل البلدان المختلفة وكل دولة حسب دورها ومستوى تطورها والمهام المطروحة أمام شعوبها يصبح السعي إلى تشكيل جبهات واسعة ديمقراطية مناهضة للتبعية والسياسات الليبرالية الجديدة ورافضة لوجود قواعد عسكرية على أراضيها وأعمال العدوان ومدافعة عن المصالح الاجتماعية والمعيشية لأوسع الجماهير الشعبية الفقيرة والمتوسطة مهمة مطروحة .أي جبهات تشكل خيار وكتلة تاريخية للتنوير وحداثة عقلانية تحترم الإنسان وكرامته وعقله ... وفي بلداننا العربية أن تعمل هذه الجبهات على التصدي الحاسم لسياسات الإمبريالية على صعيد القضية الفلسطينية ودعم مقاومة ونضال الشعب الفلسطيني كذلك الأمر بالنسبة للعراق العمل على إخراج المحتل ودعم مقاومة الشعب العراقي والتصدي لمحاولات تقسيم العراق وتفتيته وإفشال التدخلات الإقليمية والعمل عل توحيده على أساس ديمقراطي ودعم المقاومة اللبنانية والمحافظة على وحدة لبنان أمام محاولات تمزيقه إلى دول الطوائف ، ودعم السودان في رفضه لمحاولات تمزيقه ..أي أن يرتبط عمل هذه الجبهات على المستوى الوطني ببرنامج عمل قومي تحرري وديمقراطي .
إن كانت الإمبريالية هي مرحلة الرأسمالية الأعلى . فماذا عن الحديث عن أنها عشية مرحلة جديدة ؟ إن الرأسمالية لم تصل إلى تلك المرحلة التي تفقد فيها القدرة على إدارة الموارد وقوى الإنتاج ولم تدخل بعد في تناقض لا حل له بين الإنتاج والاستهلاك ، ولم تولد أيضا أشكال أرقى من الرأسمالية في أحشائها . وشعوب الدول الرأسمالية المتقدمة لم تصل إلى تلك اللحظة التي ستنخرط فيها في العمل ضد الرأسمالية ، كما أن حركة الشعوب المناهضة للإمبريالية لا تزال ضعيفة وغير ناضجة بعد لطرح بدليل ملائم لتنمية وتطوير بلدانها . فهل لا يزال من المبكر الحديث عن أن الرأسمالية الاحتكارية هي عشية نظام اجتماعي جديد ؟