Menu

تطوّر الجيش "الإسرائيلي" .. الجنرالات والتهديدات الجديدة

في السنوات الاخيرة تزايد عدد الضباط المتدينين في جيش العدو

نشر موقع اقتصاد وسياسة هذه الترجمة لمقال الكاتب الصهيوني عاموس هرئيل، المنشور في مجلّة “الشئون الخارجيّة” الأمريكيّة يوم 8 يونيو/حزيران 2016.

 

ترجمة : ترجمة هيا أبو شمّالة ورامي خريس

 

عاموس هرئيل*

بعد وقتٍ قليل من بدئه لولايته الثانية كرئيسٍ لوزراء إسرائيل في مارس/آذار 2009، أمر بنيامين نتنياهو الجيش الإسرائيليّ بوضع خطّة لهجومٍ عسكريّ على المُنشآت النوويّة الإيرانيّة. وعلى الفور، بدأ سلاح الجو وأجهزة الاستخبارات بالعمل على الأمر. وقد تكلّفت هذه التحضيرات لوحدها في نهاية المطاف، وفقا لإيهود أولمرت، ما يقربُ من ثلاثة مليارات دولار.

لم تنفذ إسرائيل الهجوم بالطبع، وربما لم يكن كلٌ من بنيامين نتنياهو وإيهود باراك، اللذين أصبحا وزيرين للدفاع لاحقا، جادّين تماما بشأن الضربة. إلا أنّ الرئيس الأمريكيّ باراك أوباما أخذ التهديد الإسرائيليّ على محمل الجد إلى حدّ تشديد العقوبات على إيران. ومن خلال إضعاف الاقتصاد الإيرانيّ، مهّدتْ العقوبات لانتخاب الرئيس حسن روحاني، المُعتدل نسبيّا، والذي عمل على التوصّل إلى اتّفاقٍ دولي وضع البرنامج النووي الإيراني في حالة تجميد لعقدٍ مُقبل.

منذ ذلك الوقت، أصبحتْ الوكالات الأمنيّة الإسرائيليّة قادرة على إعادة تركيز انتباهها على كلّ التهديدات الأخرى التي تراكمت خلال سنوات الانشغال الحثيث بالبرنامج النووي الإيراني. فخلال الأعوام الخمسة الماضية، انهارت الدول والحدود في منطقة الشرق الأوسط، وتمكّنت المجموعات المُسلّحة مثل تنظيم “الدولة الإسلاميّة” من غزو مناطق شاسعة وتجنيد عددٍ كبيرٍ من الأتباع، أمّا الشقاق بين السنّة والشيعة فقد أصبح أكثر عُنفا. عملت كلّ هذه الفوضى على إحداث تغيير جوهري في طبيعة المخاطر التي تواجهها إسرائيل. فالتهديد التقليديّ الذي كان يُمثّله الجيش السوري في يومٍ من الأيّام تلاشى بشكلٍ كاملٍ تقريبا، وحلّ محله التهديد الذي يُمثّله “الإرهابيّون” على حدود إسرائيل.

وفي نفس الوقت، منذ أكتوبر/تشرين أوّل 2015، اشتعل الصراع مع الفلسطينيّين مُجدّدا، مع قيام الشبّان الفلسطينيّين من الضفّة الغربيّة بتنفيذ هجماتٍ بالأسلحة والسكاكين على طريقة “الذئاب المنفردة”. وقد طرح ردّ الجيش الإسرائيليّ على هذا العنف أسئلة شائكة عن القواعد السلوكيّة التي يتّبعها الجيش وأظهر الانقسامات الواسعة داخل المُجتمع الإسرائيليّ –بين اليمين واليسار وبين اليهود المُتدينين والعلمانيّين- وهي الانقسامات التي تُحدث اليوم تُحوّلات في الجيش الإسرائيليّ والبلد نفسه. وهكذا، ففي الوقت الذي يجب فيه على الجيش مواجهة المخاطر الخارجيّة، فإنّ مشكلات إسرائيل الداخليّة تُثقل كاهله أيضا.

أعداء لم يحلفوا القسم العسكري؟

قبل وقتٍ قصيرٍ من تعيينه رئيسا لهيئة أركان الجيش في فبراير/شباط 2015، قابل غادي إيزنكوت داني ميريدور أحد أعضاء “الكابينت” الأمني والذي قال له: “سيكون عليك قيادة جيشٍ استثنائي .. لكنّ المشكلة الوحيدة لديك هي أنّ هذا الجيش لم يتبق له أعداء جديّين ليقاتلهم”. كان مريدور يُبالغ، لكنّ حديثه ينطوي على نقطة وجيهة. فخصوم إسرائيل التقليديّين لم يعودوا يُشكّلون نفس الخطر الذي كانوا يُجسّدونه في يومٍ من الأيّام.

خلال معظم العقود القليلة الماضية، كان السيناريو الكابوسي بالنسبة للجيش الإسرائيليّ يتمثّل في تكرار مشهد “حرب الغفران” عام 1973، وذلك عندما اجتاحت الدبّابات السوريّة هضبة الجولان واستطاعت القوّات الخاصّة السوريّة السيطرة على قمّة جبل “حرمون” في هجومٍ مفاجيء. اليوم، بعد أكثر من خمس سنواتٍ من الحرب الأهلية، تفكّكت سوريا وتلاشى خطر نشوب حربٍ تقليديّة بينها وبين إسرائيل. في أبريل/نيسان الماضي، أخبرني أحد الجنود الإسرائيليّين الذين يخدمون في “حرمون” أنُ نُظراءه السوريّين على الجانب الآخر من الحدود، والذين لم يستطيعوا الحصول على مُؤنهم وذخائرهم، قاموا بهجر مواقعهم قبل أكثر من عام. لقد انحلّت معظم وحدات الدبابات السوريّة وبطاريّات المدفعيّة، أمّا الترسانة الكبيرة من الأسلحة الكيميائيّة، والتي كانت دمشق تُخزّنها منذ السبعينات، فقد جرى التخلّص منها تحت الإشراف الدولي.

أما الدول العربيّة التي ما زالت تُحكم بأنظمة سلطويّة تقليديّة، فقد أصبحت أكثر اهتماما بالتعاون مع إسرائيل. فتخلّت مصر والأردن، والسعوديّة والإمارات إلى حدّ أقل، عن مواقفها الثابتة السابقة بخصوص الصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ، وأقرّت بأنّ المشكلات التي تتشاركها مع إسرائيل أكبر من تلك التي تختلف بشأنها معها، وعلى رأسها إيران ووكلاؤها من جهة، و”تنظيم الدولة” و”القاعدة” من جهة أخرى. وعلى نفس منوال القادة الإسرائيليّين، قام المسئولون السعوديّون بانتقاد إدارة أوباما في موضوع الصفقة النوويّة مع إيران، وفي السنوات الأخيرة، كثّقت السعوديّة من وتيرة مشاركة المعلومات الاستخباريّة مع إسرائيل.

إنّ اختفاء التهديدات التقليديّة لأمن إسرائيل لم ينجم عن الفوضى الإقليميّة فحسب، بل نتج أيضا عن تسليم هذه الدول بالتفوّق العسكري الإسرائيلي. فعندما يتعلّق الأمر بالقادة العسكريّين والتكنولوجيا الدفاعيّة والقوّة الجويّة والأجهزة الاستخباريّة، تمتلكُ إسرائيل قدراتٍ متفوّقة بشكلٍ ضخم على جيرانها. وقد جعلت انتصاراتها في غالبيّة حروبها مع العرب منذ العام 1948 هذا التفوّق أمرا غير قابلٍ للتشكيك. بسبب هذا جزئيّا، تتجنّب سوريا منذ العام 1973 المواجهة مع إسرائيل، فيما وقّعت كلٌ من مصر و الأردن اتّفاقيّة سلام مع إسرائيل.

جيرانٌ خطرون

بالرغم من ذلك، فإذا ما تمّ الأخذ بعين الاعتبار للتهديدات الأخر لأمن إسرائيل من المجموعات المُسلّحة فإنّ الصورة تُصبح أكثر قتامة. في اللحظة الحاليّة، يشغلُ القتال في سوريا حزب الله و”تنظيم الدولة” عن التفكير كثيرا بإسرائيل. لكنّ المجموعتين أعلنتا نيّتهما مُهاجمة إسرائيل في المستقبل. بمجرّد أن تنتهي الحرب الأهليّة في سوريا، سيحتاج حزب الله لبعض الوقت على الأرجح ليعيد تنظيم نفسه وهو ما سيُؤجّل مُهاجمة إسرائيل، أمّا “تنظيم الدولة” فمن المُحتمل أن يُنفّذ وعوده مبكّرا.

خلال السنوات العشر الماضية، جمع “حزب الله” ترسانة كبيرة مكوّنة من 100 إلى 150 ألف صاروخ. أثناء حرب لبنان عام 2006، أطلق الحزب 4200 صاروخا على المدن والبلدان الإسرائيليّة. رغم أنّ غالبيّة الصواريخ أخطّات أهدافها، إلا أنّها قتلت 42 إسرائيليّا وحثّت الجيش على ردّ كبير، الأمر الذي يُعد إشارة على تخطيط حزب الله لاستغلال الحساسيّة الإسرائيليّة القصوى تجاه الخسائر. منذ ذلك الوقت، يتعهّد قادة حزب الله بتكرار ما فعلوه في أيّ مواجهة مُستقبليّة. ويُشدّد هؤلاء القادة على أنّهم سيحولون الأراضي اللبنانيّة إلى مصيدة مُميتة للجيش الإسرائيليّ إذا كررت إسرائيل هجومها على لبنان (يعتقد المسئولون العسكريّون الإسرائيليّون أن الحزب سيهاجم المدن والبنى التحتيّة بـ 1500 صاروخ يوميا وسينفّذون غارات عبر خطّ الحدود على القرى والمواقع العسكريّة الإسرائيليّة). باستخدام هذه التكتيكات الهجينة، يعتقد حزب الله أنّه سيُجبر إسرائيل على الدخول في مأزق سرعان ما سيقدّمه الحزب على أنّه انتصار له في ظلّ المزايا الإسرائيليّة الهائلة.

في بداية هذا العام، قال حسن نصر الله، الأمين العام لحزب الله، أنّ مُنظّمته تُخطط لإضافة تكتيكاتٍ جديدة لمقاربتها الهجوميّة. فقد وعد بأنّ الحزب سيستهدف المنشآت النوويّة الإسرائيليّة ومستودعات المواد الكيميائيّة في حيفا، مركز الصناعات الإسرائيليّة الثقيلة، إذا أقدمت إسرائيل على مُهاجمة لبنان. على الرغم من أنّ حزب الله يبدو أضعف من أن ينفّذ هذه التهديدات، إلا أنّه يمثّل اليوم، بشكلٍ واضح، خطرا أكثر جديّة ممّا كان عليه قبل سنواتٍ قليلة. فرغم الخسائر التي ألمّت به في سوريا، سيخرج قادته العسكريّون من المعركة بتجربة قتاليّة ثمينة يُمكن توظيفها ضدّ إسرائيل. في نهاية الحرب السوريّة، سيظلّ حزب الله والإيرانيّون ينظرون إلى إسرائيل على أنّها المصدر الرئيسي للشرّ في المنطقة. ولكن، لأنّ الحزب سيخرج من هناك مُترنّحا فإنّه لن يُهاجم فورا، وربما سينتظر لأشهر أو سنوات اللحظة المناسبة للهجوم.

إذا نفّذ حزب الله تعهداته، فإنّ الحياة المدنيّة في إسرائيل ستتوقف تماما وستكون الحكومة تحت ضغطٍ شعبيّ كبير لوقف الهجمات. وحتّى تفعل ذلك، قد ترسل الآلاف من قوّات المشاة إلى عمق لبنان وستشنّ هجوما جويّا عنيفا ضدّ قواعد حزب الله هناك. لكن، لأنّ حزب الله بنى قواعده في المناطق المكتظّة بالسكّان، فالجيش سيقتل عددا كبيرا من المدنيّين اللبنانيّين أثناء العمليّة. ولذلك، ستجد الحكومة الإسرائيليّة نفسها في مأزق، جيث ستواجه المطلب الداخلي المتصاعد لتوجيه ضربة سريعة من جهة، وستتعرّض للإدانة الدوليّة بشأن تكتيكاتها من جهة ثانيّة. أمّا ما هو أسوأ من ذلك كلّه، أنّه لن يكون بمقدور الجيش تحقيق نصرٍ حاسم. فحتّى تحت الهجوم الكثيف، سيظلّ حزب الله قادرا على إطلاق عددٍ كبير من الصواريخ على إسرائيل.

يدرك القادة العسكريّون الإسرائيليّون الحاليّون هذه المعضلة لكنّهم يعتقدون أنه بمواجهة هجوم صاروخيّ كبير، فإنّه لن يكون هنالك بديل أمام الجيش سوى المناورة الأرضيّة في لبنان. فالهدف من التدمير العسكريّ الضخم للبنان هو ردع حزب الله عن مهاجمة إسرائيل لعقدٍ قادم بعد انتهاء الحرب المفترضة.

أما فيما يخصّ “تنظيم الدولة”، فهو يُمثّل تهديدا كبيرا لإسرائيل لكنّه ليس بنفس خطورة التهديد الذي يُمثّله حزب الله. لقد أعاد التنظيم بعض مُقاتليه إلى أوروبا لمُهاجمة أهدافٍ يهوديّة هناك، وهدّد أكثر من مرّة بمُهاجمة إسرائيل من الحدود السوريّة والمصريّة. إنّه يُحاول على الأرجح القيام بذلك في وقتٍ قريب، خاصّة وأنّ عملا كهذا سوف يُعطي دفعة كبيرة لصورته. للتأهّب لهذا الاحتمال، أرسل الجيش الإسرائيليّ المزيد من التعزيزات للحدود المصريّة والسوريّة، وقوّى تحصيناته هناك، وكثّف من عمليّات جمع المعلومات الاستخباريّة عن التنظيم.

بالنسبة للمناطق الفلسطينية، فهي تفرض أيضا مجموعة من المُشكلات الخاصّة بها. فمنذ العام 2007، منذ أن سيطرت حماس على قطاع غزّة بالقوّة، عمل الجيش الإسرائيليّ مع السلطة الفلسطينيّة التي ما زالت تُدير الضفة الغربيّة بشكلٍ وثيق لمواجهة حماس. في مقابل تعاون السلطة، لم تتدخّل إسرائيل في الشئون المحليّة للفلسطينيّين وسمحت لاقتصاد الضفة الغربيّة بالتمتّع بانتعاشٍ اقتصاديّ متواضع. وفي نفس الوقت، هجر عددٌ متزايد من القادة الإسرائيليّين المحادثات مع الفلسطينيّين بشأن سلامٍ مستمر وبدأوا بالتركيز أكثر على كيفيّة إدارة النزاع وليس حلّه.

بالرغم من ذلك، فقد وقعت استراتيجيّة إسرائيل هذه في مأزق مؤخرا. فخلال الحملة العسكريّة ضد حماس في العام 2014، قصف الجيش غزّة بعنف لوقف هجمات حماس الصاروخيّة وتدمير أنفاقها التي حفرتها تحت الحدود. ولم تكتف إسرائيل بذلك، بل أرسلت قوات المشاة لقتل مقاتلي حماس وتدمير بناها التحتيّة العسكريّة بالقرب من الحدود مع إسرائيل. لكن عدد القتلى من الفلسطينيّين أدى إلى انتقادٍ غربي كثيف لتكتيكات إسرائيل باعتبارها وحشيّة بدون داعٍ.

في غزّة واجه الجيش نفس المعضلة في لبنان: فإيقاف هجمات العدو تتطلّب هجوما إسرائيليّا يقتل الكثير من المدنيّين. وربما ما أهو أسوأ من ذلك، أن اندلاع القتال مجدّدا مع حماس يلوح في المستقبل. فمع افتقادها للدعم المصريّ الذي كان تتمتّع به، ومواجهتها للسخط الشعبيّ بسبب الأوضاع المُتردية في قطاع غزّة، فإن حماس تشعر بالضغط، وهو الأمر الذي قد يقود إلى جولة جديدة من التصعيد مع إسرائيل.

الجيش والأمّة

لم يكن على الجيش الإسرائيليّ التعامل مع التغيّر في طبيعة التهديدات الخارجيّة فحسب، بل أصبح مزما أيضا بمُقاربة التغيّرات التي طالت مُجتمعه أيضا. حتّى أواسط عقد الثمانينات، كانت إسرائيل تعتبرُ أنّها لا تزال تُقاتل لتبقى على قيد الحياة. كانت غالبيّة الرجال الإسرائيليّين تعتبر أنّ القتال العسكريّ ضرورة وطنيّة ومصدرا للإلهام الشخصي، فيما كانت غالبيّة النساء على قناعة بضرورة الخدمة في الوحدات غير القتاليّة. في العقود القليلة التي أعقبت الهولوكوست، كان غالبيّة الإسرائيليّين يعتقدون أنّ تمضية الوقت في اللباس العسكري ومكابدة عناء الخسائر العسكريّة هو ثمنٌ يُمكن تحمّله لقاء حماية إسرائيل.

لكن، منذ الثمانينات، تلاشى هذا الشعور بشكلٍ ما. بدأ الكثير من الإسرائيليّين برفض الاحتلال الإسرائيليّ للضفّة الغربيّة وغزّة وبمسائلة أفعالة في حرب لبنان عام 1982 وفي الانتفاضة الفلسطينيّة عام 1987. وبعد ذلك، في بداية التسعينات، جاءت اتّفاقيّة أوسلو التي صُمّمت لتسوية الصراع الفلسطينيّ الإسرائيليّ مرّة واحدة وإلى الأبد وذلك في نفس الوقت الذي عمّقت فيه إسرائيل من علاقاتها الأمنيّة والاقتصاديّة والثقافيّة مع الولايات المُتّحدة وبعض الدول الغربيّة. الكثير من الإسرائيليّين اعتقد آنذاك أن إسرائيل ربما تتراجع عن نهجها في الصراع الذي لا ينتهي. لكنّ هذا الحلم تبعثر مع اغتيال إسحق رابين عام 1995، ومع الانتفاضة الثانية التي استمرّت من العام 2000 إلى العام 2005.

بالرغم من ذلك، فإنّ الكثير من الإسرائيليين قد ظلّ يحتفظ بتشككه إزاء قيمة الأفعال العسكريّة للجيش الإسرائيلي. فقد أصبحت إسرائيل نوعا من المُجتمعات التي قد يسمّيها الاستراتيجيّ العسكري إدوارد لوتاك بـ “ما بعد البطوليّة”، وهي المُجتمعات التي لا تُبدي استعداد لتعريض حياة فتيانها للخطر في حروبٍ يعتبرها جزءٌ من السكّان غير ضروريّة على الإطلاق. وينظر الإسرائيليّون أيضا بنوعٍ من عدم الارتياح للخسائر البشريّة للعدو وذلك بسبب تأثيرها على سمعة إسرائيل الدوليّة.

وفي الوقت نفسه، طرأ تغييرٌ على البنية الديمغرافيّة للجيش. ففي الوقت الحالي، يخدم 73% من الرجال المؤهلين في الجيش فقط، فيما تخدم 53% من النساء المؤهلات للخدمة، وهو انخفاضٌ تاريخيّ بالنسبة لدولةٍ لها باعٌ طويلٌ في سياسة التجنيد الإجباريّ لمعظم اليهود. إنّ الكثيرين من الرجال اليهود الذين لا يخدمون في الجيش هم من المتشدّدين الدينيّين وغير الصهاينة. فبموجب اتفاقٍ طويل الأمد مع الحكومة، تمّ إعفاؤهم من الخدمة العسكريّة حتّى يتمكنوا من استكمال دراساتهم الدينيّة. وتستطيع النساء اليهوديّات التنصّل من الخدمة العسكريّة ببساطة بإعلان أنفسهنّ متدينات، حتى وإنّ كُنّ من الصهاينة وليس من اليهود المتُشدّدين. لكنّ هذه الإعفاءات تُثير حفيظة الكثير من الآباء العلمانيّين الذين يشعرون بأنّ هذه القوانين تضعُ عبئا لا مُبرّر له على كاهل أبنائهم المؤهلين للخدمة. منذ عام 2014، طلبت الدولة عدّة آلاف من طلاب المعاهد الدينيّة للخدمة العسكريّة، ورغم أنّ الطلاب امتثلوا لذلك، إلا أنّ الاحتجاج الشعبيّ تجاه الإعفاءات لم يتوقّف.

وفي السنوات الأخيرة أيضا، طرأ تغييرٌ ملحوظٌ آخر تمثّل في عزوف اليهود الليبراليّين العلمانيين عن الخدمة كضباط في الوحدات القتاليّة. وفي المقابل، تزايد عدد المتطوّعين من اليمين الصهيونيّ المُتديّن، ليحتلّوا بذلك صفوف النخبة في الوحدات القتاليّة التابعة للجيش. بين عامي 1990 و2010، ارتفعت نسبة الضبّاط المتدينين الصغار في وحدات المُشاة من 2.5% إلى ما بين 35% و40% من عديد هذه الوحدات. ومن المحتمل أن يُسبّب هذا التغيير عددا من المشاكل. فقد لا يتمثل جنود الوحدات القتاليّة التابعين لليمين الإسرائيليّ المتدين لبعض الأوامر كتفكيك المستوطنات اليهوديّة في الضفّة الغربيّة على سبيل المثال. وقد قام الجيش بتفكيك مثل هذه المستوطنات أثناء عمليّة الانحساب من قطاع غزّة عام 2005، وخلال تلك العمليّة رفض ستّون جنديّا إسرائيليّا الامتثنال لأوامر مسئوليهم. وعليه، فإنّ الانسحاب من الضفة الغربيّة، حيث عدد المستوطنين أكثر بكثير ممّا كان عليه في قطاع غزّة قبل عام 2005، يُمكن أن يُشكّل تحديا أكبر. وعلاوة على ذلك، قد يُواجه الجنود المتدينون من الذكور مشاكل في التعامل مع الإناث، وقد حدث بالفعل أن رفض بعضهم الخدمة في وحداتٍ قتاليّة مُختلطة وطالبوا الإناث بارتداء ملابس رسميّة مُحتمشة. وفي الأعوام الأخيرة، أصبحت قضيّة الفصل بين الجنسين في الجيش، والسماح للجنود المتدينين بإعفاء أنفسهم من المشاركة في النشاطات الثقافيّة التي يعتبرونها غير أخلاقيّة، مثارا للجدل المستمر في إسرائيل. نتيجة لذلك، بدأ الجيش بالميل نحو المقاربات العلمانيّة في مثل هذه القضايا، الأمر الذي عرّضه لتلقّي انتقاداتٍ متزايدة من قبل الحاخامات وبعض أعضاء الكنيست.

وقد زادت انتقادات الإسرائيليّين لأداء الجيش خاصة بعد الحرب في لبنان عام 2006 وفي الحملة العسكريّة على غزّة عام 2014، حيث تشير استطلاعات الرأي العام أن معظم الإسرائيليّين يعتقدون بأنّ دولتهم لم تكسب أيّا من الصراعين. ويجد العديد من دافعي الضرائب في الوقت الحالي صعوبة في تفسير سبب معاناة الجيش، الذي يمتلك ميزانيّة سنويّة مقدارها 8 مليارات دولار، في هزيمة خصومٍ أقلّ عددا وعتادا من الناحية التكنولوجيّة مثل حماس وحزب الله. وفي حقيقة الأمر، فإن الكثير من المنتقدين لا يدركون مدى صعوبة تحقيق انتصارات حاسمة تجاه هؤلاء الخصوم. بالرغم من ذلك، فإنّ هذه الفجوة بين توقّعات الجمهور وقدرة الجيش على هزيمة هؤلاء الخصوم غير التقليديّين يمكن أن تتحوّل إلى مشكلة كبيرة إذا ما اندلعت حربٌ أخرى مع حزب الله، ذلك أن معظم الإسرائيليين ليسوا على درايةٍ بمدى تطور قدرات وطموحات هذه الجماعة في السنين الأخيرة.

حكمة نوعيّة

بعد وقتٍ قصير من تعيينه رئيسا لأركان الجيش الإسرائيلي، قام إيزنكوت بتقديم خطّة خمسيّة لتنظيم الجيش من أجل التعامل مع التغييرات التي طرأت على بنيته. فبحلول عام 2017، من المتوقّع أن يقوم الجيش بتقليص أعداد الضباط البالغ عددهم الآن 45 ألفا بمقدار 5 آلاف ضابط، وسيستغني عن خدمات عشرات الآلاف من جنود الاحتياط من كبار السن غير المؤهلين والمدربين بشكلٍ كافٍ، بالإضافة لحلّ العديد من الألوية المُدرّعة والتي قام بعضها باستخدام دبابات “باتون” التي تعود لحقبة الستّينات حتى وقتٍ قريب. وقد كشف سلاح الجو النقاب عن نيّته التخلّص من الطائرات الحربيّة القديمة التي تبلغ من العمر 40 عاما بما فيها طائرات من طراز “F-15” و”F-16″، وشراء أسطولين جويّين على الأقل (ما يقارب الـ 50 طائرة) من المقاتلات الحربيّة من طراز “F-35” من الولايات المُتّحدة. قد تعهد إيزنكوت، كما فعل أسلافه، بالاستثمار بسخاء في مجال الوحدات الاستخباريّة والحرب الإلكترونيّة.

لكنّ إيزنكوت، على نقيض أسلافه، يعترف بأنّ التفوق التكنولوجيّ للجيش الإسرائيلي قد لا يكون كافيا للانتصار على أعدائه غير التقليديّين. ومن أجل سدّ هذه الثغرة، أعاد إيزنكوت التركيز على تدريب الجيش على نمط حرب العصابات وتحديث هيكليّة القوّات البريّة من خلال إنشاء لواء “كوماندوز” جديد وتنقيح الخطط التنفيذيّة للجيش والمعدّة للدفاع عن حدود إسرائيل وذلك من أجل تجهيز وحدات النخبة لأيّ عملٍ هجومي. بالإضافة لذلك، فإنّ سلاح الجو والجيش والوحدات الاستخباريّة يعملون في الوقت الحاضر على تحسين قدراتهم على التنسيق وتبادل المعلومات في حال نشوب حرب مع حزب الله.

وعلى الرغم من أهميّة هذه الإصلاحات، إلا أنّها لم تُمكّن الجيش من مواجهة أكثر التحديات إلحاحا، والمتمثّل في الآثار المترتبة على تصاعد أعمال العنف التي اندلعت في إسرائيل والمناطق الفلسطينيّة في شهر أكتوبر/تشرين الأوّل الماضي، بعد محاولة متطرفين يهود الصلاة في “جبل الهيكل” أو ما يُعرف لدى المسلمين بالحرم الشريف، والذي تمّ تخصيصه من قبل الحكومة الإسرائيليّة والقادة المسلمين لصلاة المسلمين منذ العام 1967. وخلال تلك الفترة، نفذ شبانٌ فلسطينيون عددًا من العمليات الفردية مثل دهس المارة الإسرائيليين والجنود بالسيارات أو طعنهم في الشوارع. وفي أوائل مايو/أيار قام المهاجمون بقتل أكثر من 30 إسرائيليًا. في الوقت نفسه، قام الجيش بقتل أكثر من 175 فلسطينيًا واعتقال ما يقارب من 2500 منهم.

حتى الآن، تجنبت إسرائيل تطبيق العقوبات الجماعية مثل رفض تصاريح العمل في إسرائيل للفلسطينيين الذين تم توظيفهم خلال الانتفاضتين الأولى والثانية، وحرص الجيش الإسرائيليّ على الحفاظ على عمله المشترك مع الأجهزة الامنية التابعة للسلطة الفلسطينية. وفي الأشهر التي أعقبت أكتوبر/تشرين الأول، بدأت الأجهزة الأمنية الإسرائيلية بإحباط عدد متزايد من الهجمات الفلسطينية من خلال رصد وسائل الإعلام الاجتماعي، كما أطلقت السلطة الفلسطينية حملة من أجل ردع طلاب المدارس الثانوية عن الانضمام للصراع، وفي فبراير/شباط، بدأت بشن حملات اعتقال ضد المهاجِمين المحتَمَلين.

إن أيًا من هذه الإجراءات لم يساعد على تخفيف التوتر في الداخل الإسرائيلي، خاصةً أن الهجمات أورثت ردود فعل هستيرية وأحيانًا عنصرية من قبل المدنيين والمسئولين. حتى آيزنكوت نفسه تلقى نقدًا لاذعًا بهذا الشأن. ففي يناير/كانون الثاني، على سبيل المثال، أكّد آيزنكوت على أن الجيش يلتزم بقواعد التدخّل الخاصة به من أجل تجنب أحداث الموت غير الضرورية، مما عرضه لانتقادات شديدة ليس فقط من قبل نواب الحزب اليميني في الكنيست، بل ومن بعض وزراء حزب الليكود الحاكم أيضًا.

وقد أصبح الجدل المثار أكثر شراسةً في أواخر مارس/آذار بعد أن انتشر مقطع فيديو لجندي إسرائيلي يطق النار على مهاجم فلسطيني في الرأس بينما كان الأخيرُ مصابا وراقدا على الأرض. قام الجيش الإسرائيلي بتوجيه تهمة القتل غير المتعمد للجندي، مما دفع نواب يمينيّين والبعض من مثيري الشغب من مشجعي كرة القدم للخروج في مظاهرة حاشدة خارج المحكمة العسكرية بالقرب من عسقلان. كما تم نشر ملصقات تتّهم آيزنكوت ووزير الدفاع آنذاك موشيه يعلون بالخيانة في منطقة كرياه، مقر الجيش في تل أبيب. لكن آيزنكوت لم يتراجع رغم الضغط الممارس ضده، حيث تم عقد محاكمة الجندي المتهم في أوائل مايو/أيار، وقد أكد آيزنكوت أنه وحده المسئول عن تحديد قواعد التدخّل للجيش.

وقد وقع نائب آيزنكوت، اللواء يائير جولان، في مأزقٍ أسوأ بعد ذلك بعدة أيام في مايو/أيار في ذكرى الهولوكوست حين ألقى خطابًا يحذر فيه من تزايد التوجهات العنصرية والعنيفة في المجتمع الإسرائيلي، حيث ادّعى بأنه أدرك وجود بعض أوجه التشابه بين التطورات الحاصلة في المجتمع الإسرائيلي الحالي وبين “العمليات الثورية التي حصلت في أوروبا بشكلٍ عام وفي ألمانيا بشكلٍ خاص منذ 70 و 80 و 90 سنة.” –وهي إشارة إلى الحقبة النازية- وبذلك سبب جولان فضيحة كبيرة، الأمر الذي دفع الوزراء اليمينيين للمطالبة باستقالته. كما وقام نتنياهو بتوبيخه علنًا ل”تقزيمه قضية الهولوكوست”. وسوف يبقى جولان في منصبه ولكن فرصته في أن يكون خليفة آيزنكوت عام 2019 قد تضاءلت. (استقال يعلون من منصبه في 20 مايو/أيار بعد أن صرّح بأنه اختلف وبشدة مع حكومة نتنياهو في بعض المسائل الأخلاقية والمهنية).

أصبح آيزنكوت الآن في مواجهة تحديين رئيسيين: الدفاع عن الجيش وميثاقه الأخلاقي أمام النقاد اليساريين واليمينيين، وإعداده للحرب على جبهات عديدة وغير مأمونة. حتى الآن، نجح آيزنكوت في تنفيذ مهامه بشكلٍ جيد، ولكنه يجد نفسه على الدوام على اختلافٍ مع العديد من المواطنين الإسرائيليين والسياسيين المحافظين، والأهم، مع بعض جنوده الذين يفضلون إطلاق النار على المهاجمين الفلسطينيين أولًا ثم طرح الأسئلة لاحقًا. وفي الوقت الذي يتوجب فيه عليه إعادة تنظيم نفسه لمواجهة مجموعة جديدة من التهديدات الخارجية، يجد الجيش نفسه وقد أُقحِم في دورٍ جديد وحساس كآخر المدافعين عن ديمقراطية إسرائيل.

 

*عاموس هرئيل هو كبير المراسلين العسكريّين لصحيفة “هآرتس” الإسرائيليّة ومؤلف كتاب “دعوا كلّ أمٍ يهوديّة تعرف: الوجه الجديد لجيش الدفاع الإسرائيلي”.

المصدر : موقع اقتصاد وسياسة