في البداية لابد من الاعتراف أن البلاد تمر بأخطر مرحلة منذ مجئ البوليفاريين، بقيادة القائد الراحل " شافيز" إلى السلطة، وفي نفس الوقت أكثر مرحلة يقترب فيها اليمين المدعوم بشكل مطلق من الامبريالية والصهيونية من السلطة التنفيذية، بعد استيلائه على السلطة التشريعية.
المسألة الأخرى التي لابد من الإقرار بها هي أن جذور ومقومات الأزمة، رغم وقوعها وتفاقمها في عهد الرئيس " مادورو"، تمتد إلى عهد الرئيس الراحل " تشافيز"، الفرق يكمن في كيفية فهم الأزمة وإدارتها والتعامل معها، من خلال السيطرة على بعض مكوناتها على طريق تجاوزها.
المؤسسة العسكرية مثلاً، استطاع " تشافيز" أن ينقلها، بعد فشل انقلاب 11/4/2002، من موقع العدو والمأزق إلى مجال السيطرة، مع منحها بعض " الامتيازات المضبوطة" ووضعها في " خدمة عملية التغيير الثوري"، ولعبت في عهد " تشافيز" وما زالت دوراً مؤثراً في الحياة السياسية من خلال مشاركتها في الحكم، حيث العديد من الوزارات يقودها عسكريين إما متقاعدين أو ممن يزالون في الخدمة وخاصة وزارة الداخلية.
الرئيس " تشافيز" جاء من قلب وأحشاء هذه المؤسسة وأسس فيها، منذ النصف الثاني من سبعينيات القرن الماضي تنظيم سري ( الحركة الثورية البوليفارية)، التي شكّلت الأرضية الأساسية لمختلف الأشكال التنظيمية التي سبقت تأسيس الحزب الاشتراكي الموحد عام 2009.
كان يتقن السيطرة على هذه المؤسسة بسبب معرفته الكاملة والعميقة بها وبكل مكوناتها ويضعها في خدمة عملية التغيير الثوري، دون أن ينسى أنه في داخل هذه المؤسسة يوجد أيضاً أعداء للثورة، حيث أكد وحذر أكثر من مرة " أن الثورة صحيح سلمية لكنها مسلحة، وإذا ما قرر أي طرف أن يمارس العنف ويمتشق السلاح سنجعله يندم على ذلك، لأننا سنواجهه بالبنادق وفي كل ساحات الكفاح، إنها ثورة مسلحة".
الرئيس " مادورو" جاء من ساحات العمل والنضال النقابي، وكان ينتمي لتنظيم صغير، ( الرابطة الاشتراكية الماركسية)، الذي حل نفسه واندمج في الحزب الاشتراكي الموحد.
تسلم عدة مناصب حكومية في عهد الرئيس " تشافيز" أهمها حقيبة نائب الرئيس ووزير الخارجية، تم ترشيحه من قبل الرئيس " تشافيز" قبل رحيله بأيام معدودة، وحث بل أصر على انتخابه كوريث له إذا استدعت الضرورة ذلك.
لم يفوز " مادورو" بنتيجة واضحة، حيث فاز بنسبة 50.7 % في انتخابات نزيهة، وباعتراف كافة المراقبين الدوليين بمن فيهم " جيمي كارتر"، ولكن اليمين المحلي، والقاري والإدارة الأمريكية شككوا بالنتيجة، وطعنوا بشرعيتها، وتعاطوا معها كأمر واقع رغم أنهم ما زالوا يعتبرون الرئيس غير شرعي.
هنا لعب الجيش دور حاسم في تثبيت الشرعية والدفاع عنها مقابل "إطلاق" يده وإعطائه امتيازات هائلة، وخاصة في المجالين الاقتصادي والمالي والإداري، مما ساعد على تشكيل شريحة عسكرية مدنية غنية طفيلية بيروقراطية، وسيلتها للثروة الفساد والرشوة، دون أن يتجرأ أحد على مساءلتهم أو محاسبتهم وهم غير معنيين لا بالتغيير ولا بالثورة.
هكذا تم أول خروج وانحراف عن المسار البوليفاري – التشافيزي، عليه، أسست أو علقت العديد من السلبيات والأخطاء.
إن هذا الوضع" المستجد" تقاطع مع عدم كفاءة العديد من المسئولين والموظفين، ومع الفساد التاريخي في دولة نفطية حكمتها لعشرات السنين طبقة طفيلية بيروقراطية غير منتجة فتحت أراضيها للرأسمال الامبريالي الصهيوني، ليمارس أبشع وأشرس عمليات الاستغلال والاضطهاد، وجعلوا من فنزويلا مركز للتجميع والتركيب وخاصة في مجال صناعة السيارات وقطع الغيار، مما ساهم في رفع وتيرة ومستوى التصدير، وأعطى الانطباع أن هنالك نهضة صناعية، وتطور اقتصادي وطني، إلا أن كل هذا كان وهم وكذب، وظهر حجم وقوة ومستوى تطور الاقتصاد الوطني الحقيقي عندما رحلت كل هذه الشركات حاملة معها رؤوس أموال تاركة منشآتها خراباً ثقيلاً للضغط على الرئيس " تشافيز"، وللتأسيس لما هو حاصل اليوم.
هذا الوضع الداخلي شكّل التربة الملائمة للحرب الاقتصادية والسياسية، وللتدخل الامبريالي الأمريكي الدائم في الشئون الداخلية للبلاد على اعتبارها، كما ينص إعلان "أوباما" " تمثل تهديداً جدياً للمصالح الأمريكية، وللأمن القومي للولايات المتحدة" بهدف الإطاحة بالنظام التقدمي في فنزويلا كمقدمة لإعادة القارة " كحديقة خلفية" لها، والتخلص من كافة الأنظمة المعادية أو المشاغبة أو المنافسة ( فنزويلا معادية والبرازيل منافسة)، وكل هذا في إطار الاستراتيجية التي أقرتها الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عشرات السنين، والتي لسان حالها يقول " أن السيطرة على القارة اللاتينية ليس ضرورياً فقط من الناحيتين الاقتصادية والعسكرية، بل من أجل التأكيد على الأهلية والقدرة لقيادة العالم"، وكما يقول " كيسنجر" " قيادتنا للعالم ستظل مكان الشك، إن لم نستطيع السيطرة على حديقتنا الخلفية (أمريكا اللاتينية)".
إن الصراع بين المعسكرين المتصارعين لم يتوقف منذ انتصار الثورة البوليفارية، ولكنه الآن يأخذ شكل الصراع الطبقي الحادي الذي من الممكن في ظل ظروف استثنائية محلية ودولية أن يصل إلى مستوى الصدام العنيف المدمر.
واضح أن الطرف الحاكم لا يرغب بالوصل إلى هذه المرحلة، وقد دلل على هذا التوجه بتشكيل حكومة أخذت بعين الاعتبار مراكز القوى داخل الائتلاف الحاكم و"تطعيمه" بوزير " محايد" من خارجه هو وزير الاقتصاد الإنتاجي، والذي عُين أيضاً نائباً للرئيس للشئون الاقتصادية، الأمر الذي يؤشر وجود صفقة بين الحكومة ورجال الاعمال (يعني اليمين) كان أحد أهم نتائجها الارتفاع الهائل لأسعار السلع الضرورية والكمالية، دون أن تؤدي إلى أي رد فعل جماهيري أو سياسي، رغم أن القدرة الشرائية هبطت أكثر من ألف بالمائة، وتفاقمت الطوابير للحصول على المواد شبه المدعومة، لأن المواد المدعومة آخذة بالزوال، وهذا ما يطمح له اليمين.
إن رفع الدعم بشكليه المباشر وغير المباشر عن السلع الضرورية، والهبوط الحاد في سعر العملة المحلية (البوليفار) مقابل العملات الصعبة وخاصة الدولار، والارتفاع الهائل في سعر الخدمات والمواد الغذائية ( كيلو السكر من 12 بوليفار إلى 1200، الأرز من 25 إلى 950، كيلو اللحمة من 250 إلى 5200، وكيلو القهوة من 120 إلى 3800 بوليفار)، والإبقاء على الحد الأدنى من الأجور (32000) بوليفار.
إن هذه الأمثلة، العينة تعكس حجم المعاناة للطبقة العاملة والموظفين، وكل أصحاب الدخل المحدود، بما فيه الفلاحين وصغار مالكي الأراضي، وصيادي الأسماك.
في ظل وضع هكذا تلتقي فيه كل مكونات الأزمة، الفساد وعدم الكفاءة، ضعف وتراجع الإنتاج الوطني الزراعي الصناعي، الحرب الاقتصادية والمؤامرة الامبريالية، ما هو الحل؟ وإلى أين تتجه الأمور؟ وهل هناك طرف يستطيع أن يدعّي أنه يملك مفاتيح الحل بمفرده؟
إنني أعتقد أن الطرف الحاكم لم يعد قادراً أن ينفذ السياسة الاقتصادية التي وضعها ونفذها القائد الراحل " تشافيز"، والتي من المفترض أن تؤسس لاقتصاد تعاوني اشتراكي يقوم على تصنيع البلاد، وتطوير القطاع الزراعي والسياحي لنقل الأمة من أمة تعتمد على الاستيراد وترهن مصيرها وسيادتها لأعدائها، إلى أمة منتجة قوية ومصدّرة.
وقد حذر الرئيس " تشافيز" قبل رحيله من " ضياع الثورة السياسية إن لم تحدث الثورة الاقتصادية".
إن السياسة الاقتصادية السائدة، سياسة الأمر الواقع التي وإن لم تكن مُقرة رسمياً من الحكومة إلا أنها تغض عنها النظر، هي سياسة ليبرالية متوحشة، أي سياسة اليمين التي عمل على فرضها وتنفيذها منذ أن قام بانقلابه الفاشي الفاشل ضد الرئيس " تشافيز" في 11/4/2002، والذي ألحق بإضراب أرباب العمل وشركة النفط الوطنية، التي كان يسيطر عليها اليمين، الذي استمر عدة أشهر، وكلف البلاد أكثر من 25 مليار دولار.
إن الأوضاع الآن شبيهة بالأوضاع التي سبقت وصول " تشافيز" إلى الحكم، فالنظام لم يعد قادراً على الحكم كما يريد، والجماهير لم تعد قادرة على العيش كما تريد، ولابد من حل هذا التناقض، والمعارضة الفنزويلية، كما يقول المشهد الفنزويلي " كالذي قتل الذئب وخايف من جلده" على ما يبدو، القسم الأهم منها، يريد في هذه المرحلة أن يفرض سياساته الاقتصادية والمالية وأن يجبر الحكومة "الاشتراكية" على تبنيها وتنفيذها، كي لا يتحمل أعباء أزمة مستفحلة تؤدي إلى سقوطه السريع، إذا ما وصل إلى الحكم، لهذا السبب ليس من المؤكد أن ينجح الاستفتاء الذي تنوي المعارضة تفعيله ضد الرئيس "مادورو"، الذي هو حق يكفله الدستور، بعد مرور نصف الفترة على تولي الرئيس لمنصبه، الذي تستمر مدته الطبيعية ستة سنوات، وهو أحد خيارات المعارضة الفنزويلية للإطاحة به.
بغض النظر إذا حصل الاستفتاء أم لا، وإذا تم إسقاط الحكومة ورئيسها، وجاءت حكومة يمينية، أو استمرت الحكومة الحالية، لابد من بديل ثوري حقيقي، يمكن للحزب الشيوعي وقوى يسارية ثورية ماركسية تعمل على الساحة، ومعها اليسار الثوري الماركسي في الحزب الاشتراكي الموحد أن تشكّل نواته.
هذا البديل إذا تشكّل وبقوة سيكون أحد الضمانات الأساسية لعدم مجيء نظام يميني فاشي دموي، وسيفرض على الحزب الاشتراكي أن يتعامل مع حليف على أساس برنامج مشترك، وليس مع "شريك" انتخابي يمن عليه بمقعد أو عدة مقاعد في كل مناسبة انتخابية.
( انتهى)

