Menu

انتصار «إسرائيلي».. ولكن

علي جرادات

ألقت واشنطن بثقلها، ومارست، كعادتها، دور المدافع عما أسمته «حق» «إسرائيل» في تولي منصب رئاسة اللجنة القانونية لهيئة الأمم، وحققت مبتغاها بذريعة تعزيز اندماج «إسرائيل» في المجتمع الدولي. وعندما أعلنت المجموعة العربية أنها «لا تقبل أن يكون لدولة تنتهك القوانين الدولية والقانون الإنساني، وآخر قوة استعمارية موجودة في العالم، الحق في البت في قضايا قانونية في الأمم المتحدة»، كان رد نائب المندوبة الأمريكية لدى الأمم المتحدة ديفيد بريسمان حاداً، حيث قال «نحن بحاجة إلى أمم متحدة تشمل» «إسرائيل» «وتقرب» «إسرائيل»،لا أمم متحدة تبعد «إسرائيل» «بشكل منهجي». أما الدول الأوروبية فاختارت عدم عرقلة هذا الانتصار «الإسرائيلي» الذي وُصف بأنه «تاريخي»، ما يثبت، من جديد، أنها ما زالت تدور في فلك سياسة واشنطن الخارجية، وأنها لا تستطيع الخروج من عباءتها، ذلك أن إعادة إعمار أوروبا بمشروع مارشال الأمريكي، بعد الحرب العالمية الثانية، ما زال يفعل فعله في استتباع أوروبا.

وأكثر، يبدو أن دول الاستعمار الأوروبي لم تقتنع بعد أن التجارب الاستعمارية في التاريخ كان حالها الفشل، وأنها لم تتعظ كما ينبغي من أن فرنسا انهزمت بعد 130 سنة في الجزائر، وهذا حال أمريكا في فيتنام، وبريطانيا في الهند..الخ، أو يبدو أنها لم تقتنع بعد أن صنيعتها «إسرائيل» لم تستطع، ولن تستطيع، إبادة الشعب الفلسطيني ومقاومته، كما أبادت هي السكان الأصليين في أمريكا وأستراليا، أو أنها لا تدرك كما يجب أن معضلة «إسرائيل» التي لا حل لها هي أن محيطها الإقليمي يرفضها، عرباً وغير عرب، بينما لم يكن ثمة محيط إقليمي معاد في أمريكا وأستراليا المحاطتين بالمياه، أو أنها لا تدرك تماماً أن العصر غير العصر، فعمر «إسرائيل» سبعة عقود، بينما عمر الغزو الأوروبي في أمريكا نحو ثلاثة قرون، وفي أستراليا نحو قرنين، وأكثر من ثلاثة قرون من تطبيقات نظام الفصل العنصري البائد ضد السكان السود في جنوب إفريقيا.
لذلك، يبدو أن تبجح ممثل «إسرائيل» في الأمم المتحدة، داني دنون، بعد التصويت، كان زائداً، وأن سروره مبالغ فيه، حيث قال: «إنني فخور جداً بأن أكون أول «إسرائيلي» ينتخب لرئاسة لجنة تابعة للأمم المتحدة»، وكرئيس سأعمل مع كل الدول الأعضاء، بما فيها تلك التي لم تصوت لي، وسأواصل دعم الأهداف الحقيقية للمنظمة»، وأضاف «أن «إسرائيل» في طليعة العالم للتشريع الدولي ومكافحة الإرهاب، ويسرنا أن نسمح لبقية العالم بالاستفادة من معرفتنا».

إذ صحيح أن التصويت أظهر مقدار التراجع الحاصل في قدرة الدول العربية والإسلامية على التأثير في الساحة الدولية، حيث حصلت «إسرائيل» كمرشح لمجموعة منطقة غرب أوروبا وآخرين على 109 أصوات من أصل 175 صوتاً صحيحاً في الجمعية العامة المؤلفة من 193 دولة، مقابل معارضة 47 دولة، علماً بأن عدد الدول العربية والإسلامية هو 57 دولة، لكن هذه النتيجة، على سوئها، لا تعني، بحال من الأحوال، حلاً لمعضلة «إسرائيل» الثكنة، لا مع الشعب الفلسطيني، ولا مع الشعوب العربية بعامة، بل ولا حتى مع الشعوب غير العربية في الإقليم.

وصحيح، أيضاً، أن «إسرائيل» حصلت على ما لم تحصل عليه منذ اعتراف الامم المتحدة بها في عام 1949، وأن هذا يعني أن النظام الدولي القائم أصبح يتعامل مع «إسرائيل» ك«دولة» طبيعية، لكن شعوب العالم، ما زالت تتعامل معها كدولة احتلال مارقة. وصحيح، أيضاً وأيضاً،أن هيئة الأمم قد تجاوزت إلغاء تجريم «إسرائيل»، (عندما شطبت قرارها اعتبار «الصهيونية شكلاً من أشكال العنصرية»)، إلى تسييدها، لكن شعوب العالم ما زالت ترى في جرائم نظام الفصل العنصري البائد في جنوب إفريقيا، الذي قاطعه العالم، مجرد مزحة مقارنة بجرائم نظام «إسرائيل» الصهيوني الاستيطاني العنصري الاجلائي المُمأسس. ولو كان الأمر على غير هذا النحو، لكان بلا معنى أن تصبح هيئة الأمم في وادٍ غير وادي ما تواجهه «إسرائيل» من حملة مقاطعة شعبية عالمية متنامية وغير مسبوقة.

لكن، في الحالات كافة، فان تولي «إسرائيل» رئاسة اللجنة الأكثر الأهمية في متابعة القضايا القانونية الدولية يعود إلى أن النظام الدولي القائم في هيئة الأمم ما زال محكوماً بمصالح القوى العظمى، لا بالمبادئ والقيم والمواثيق والمعايير المنصوص عليها في الأمم المتحدة. ذلك رغم أن هذا النظام يمر في مرحلة انتقالية لم تتحدد معالمها بعد. ولا شك في أن تقلد «إسرائيل» لجنة أممية مهمة في دلالتها السياسية انتصار «إسرائيلي» لكنه تعبير عن خلل النظام الدولي القائم في الأمم المتحدة أيضاً.