ستشهد الأيام والأسابيع المقبلة تطوراً في العلاقات التركية ــ الإسرائيلية عما كانت عليه قبل ست سنوات. الأتراك الذين رفعوا شعارات فضفاضة تجاه القضية الفلسطينية عموماً وقطاع غزة خصوصاً تنازلوا عنها، كل ذلك مقابل الغاز الإسرائيلي وتحالفات إقليمية في صالح تل أبيب
يؤكد التوصل إلى إتفاق مصالحة بين الطرفين الإسرائيلي والتركي، على حقيقة السقف السياسي الذي كان محور الخلاف بينهما. وأن السجال في عمقه لم يكن له، من الجانب التركي، أي صلة بالموقف من أصل الإحتلال الصهيوني لفلسطين.
مع ذلك، ينبغي التأكيد على أن هذا السقف السياسي كان حاضراً بقوة منذ اللحظات الأولى من الخلاف بين أنقرة وتل أبيب، لذلك لم يلجأ الجانب التركي في أي مرحلة على التلويح بإستعداده لمراجعة موقفه من الإعتراف بإسرائيل أو حتى ما يقرب من ذلك. كما لم يتجاوز الدعم التركي المفترض للفصائل الفلسطينية الخط الأحمر الإسرائيلي والأميركي في إطار السجال والنزاع مع الحكومة الاسرائيلية. ونتيجة ذلك حرص الجانب التركي على الا يسجل عليه أي دعم عسكري للمقاومة الفلسطينية.
على هذه الخلفية، يُلاحظ أن الموقف التركي السياسي والعملاني، حتى في ذروة الخلاف السياسي مع الكيان الاسرائيلي، وفي أقصى حالات الغضب التي شهدناها على ألسنة المسؤولين في انقرة، لم يقترب من الحد الادنى السياسي والعملاني للموقف الإيراني من القضية الفلسطينية، حتى في ذروة الخلاف مع بعض فصائلها حول القضية السورية.
أيضا، يُلاحظ أن الموقف التركي في تسوية النزاع مع الحكومة الاسرائيلية، تراجع حتى عن السقف السياسي المعلن الذي كان يبدو للوهلة الاولى كما لو يجسد الحد الأدنى للمطالب التركية (الموقف من حصار غزة ومن العملية السياسية)، لحسابات تتصل بتعزيز موقف أنقرة الإقليمي على خلفية المتغيرات التي شهدتها الساحة السورية والاقليمية بالإضافة إلى الإعتبارات الإقتصادية. أما السقف الأقصى للتموضع التركي الجديد فهو اداء الدور الوسيط بين الكيان المحتل لفلسطين، وبين الشعب الفلسطيني بفصائله ومواطنيه ولاجئيه.
في المقابل، رفض الجانب الإيراني خلال المفاوضات النووية البحث في أصل الموقف من فلسطين ومن قوى المقاومة وسياساتها الإقليمية، الأمر الذي انعكس على مجرى المفاوضات ونتائجها، وعلى المرحلة التي تلت الاتفاق، لأن الجمهورية الاسلامية رأت في ذلك مسّاً بثوابتها ومبادئها. وعلى هذه الخلفية رسم المرشد الاعلى السيد علي خامنئي مجموعة من الخطوط الحمر في هذه المفاوضات، من ضمنها منع البحث في أي قضية خارج الاطار النووي. وللتذكير فقد أعلنت إسرائيل وبشكل رسمي، وعلى لسان رئيس حكومتها بنيامين نتنياهو الذي أدلى حينها بياناً اجمع عليه المجلس الوزاري المصغر، عن استعدادها لقبول إيران النووية اذا اعترفت الجمهورية الاسلامية بإسرائيل، مع ما قد يترتب على ذلك من نتائج وتداعيات إقليمية وإستراتيجية وإقتصادية تتصل بالوضع في المنطقة وإيران. مع الاشارة الى أن الطرف الإيراني بقي قبل وبعد الإتفاق النووي، طرفاً اصيلاً في المواجهة مع إسرائيل إلى جانب قوى المقاومة في لبنان وفلسطين.
السياق الاقليمي
من الواضح أن الفشل الذي آلت اليه السياسة التركية في الساحة السورية تحديداً، واخرها الازمة التي نشبت مع روسيا، الى جانب المخاطر التي بات يواجهها في شمال سوريا لجهة الاقليم الكردي، كل ذلك دفع القيادة التركية الى التراجع حتى عن بعض شعاراتها التي يفترض أنها تساهم في تسويقها اقليمياً وفلسطينياً. وتحديداً لجهة ما يتعلق برفع الحصار عن قطاع غزة.
وسعى الجانب التركي في المسارعة الى مصالحة إسرائيل بسبب الثروة الغازية المكتشفة حديثاً في المياه الاقليمية الاسرائيلية، التي سوف تحولها الى مُصدِّر رئيسي لهذه المادة الاستراتيجية في الاقتصاد الدولي. ومن مصلحة التركي تنويع مصادره في هذا المجال، وذلك بعد المخاطر الاقتصادية التي برزت في أعقاب الخلاف مع روسيا وما يمكن أن يترتب عليه في المستقبل وخصوصاً أن تركيا تعتمد ايضاً على الغاز الروسي.
في ضوء ذلك، كان التوجه التركي لتنويع مصادره الغازية، فكانت إسرائيل هي العنوان، ولو على حساب مواقفه المعلنة من رفع الحصار والشعارات والمواقف التي أطلقها طوال السنوات الستة الماضية إزاء القضية الفلسطينية.
في ما يتعلق بالسياقات الاقليمية، من منظور إسرائيلي، ترى تل أبيب في التطورات الامنية والسياسية على مستوى المنطقة، الى جانب ما تنطوي عليه من تهديدات، أن هناك فرصاً كامنة يمكنها استثمارها لنسج تحالفات اقليمية تمكّنها من مواجهة أعدائها الاقليميين وعلى رأسهم إيران وحزب الله، إلى جانب الدولة السورية. وعلى هذه الخلفية يأتي الخطاب السياسي الإسرائيلي الذي يؤكد على أن المصالح المشتركة تمثّل أرضية لمزيد من التقارب مع العواصم التي لم تفتح خطوطها معها علنا حتى الآن. وضمن الإطار نفسه، يندرج الاتفاق مع تركيا.
يأتي الاتفاق مع تركيا، في موازاة خطوات أخرى تعمل عليها إسرائيل لتوسيع دائرة تحالفاتها، خارج اطار الدول العربية التي تربطها معها اتفاقيات تسوية، مصر والاردن، نحو دول الخليج وعلى رأسها المملكة السعودية. ويبدو من المسار المتدرج في تظهير هذا المسار، والرسائل السعودية المقابلة، أن القضية مرتبطة فقط بكيفية الإخراج للإنتقال الى مرحلة التحالف العلني مع اسرائيل، وخصوصاً ان حكومة العدو ترفض تقديم أي تنازل جوهري ادراكاً منها بأن الطرف السعودي لن يكون أكثر تمسكا بحقوق الشعب الفلسطيني من الطرف التركي.
على مستوى التداعيات، أقلّ ما يمكن وصفه أن الاتفاق بمضمونه الذي بات واضحاً، يمثّل نكسة اضافية للذين راهنوا على تركيا كدولة حاضنة اقليمية بديلة، ولو بسقفها السياسي المتدني الذي لا يرقى الى مستوى تطلعات شعب يريد تحرير وطنه من الاحتلال الإسرائيلي.
وعلى هذه الخلفية، يأتي الاتفاق الاسرائيلي التركي، بموازاة المسار الاسرائيلي السعودي، وبعد فشل رهانات اقليمية اخرى، ليكشف عن السياقات التي سوف يكون لها أثرها السياسي والعملي في الساحة الفلسطينية، وتحديداً ما يتصل ب حركة حماس التي عادت واكتشفت أن الحاضن الاقليمي الفعلي للمقاومة في فلسطين، بما يجسد تطلعات الشعب الفلسطيني للتحرير، هو الجمهورية الاسلامية في إيران.

