Menu
أوريدو

حول مفهوم الاعتدال

حاتم استانبولي

منذ توقيع اتفاقيات "كامب ديفيد" بدأت المكنة الإعلامية الغربية في إطلاق مصطلح الاعتدال للدول والمنظمات والشخصيات التي تقف مع جوهر اتفاقيات كامب ديفيد وبدا السعي لتقسيم المنطقة بناء على هذه المواقف.

وأود أن أتوقف أمام هذا المصطلح، الاعتدال تعبير له مدلولات أخلاقية دينية واختياره لتوصيف الدول والقوى التي تقف ضد مصالح شعوب المنطقة هو خبث سياسي لما لهذا التعبير من انعكاسات في الوعي الشعبي الديني على أننا أمة وسطية وما له في الوعي الديني المسيحي من تأثير تحت عنوان التسامح والصفح، وبدا الترويج لهذا المصطلح ومخرجاته السياسية، حتى وصل الأمر أن الاعتدال مرتبط بالموقف من جوهر القضية الفلسطينية كقضية تحررية ووطنية وأخلاقية وقانونية وإنسانية، وأصبح كل من يقف معها يصنف كإرهابي ومتطرف ومطارد من قبل كل أجهزة العالم (الحر) وبدأت تصيغ قوانين تخص كل مناحي الحياة لتتوافق مع جوهر مدلولات هذا المصطلح.

ونرى أخيراً أن هذا الموقف بدا ينعكس على تغيير جوهر القوانين الدولية التي تمس الدول ذات السيادة ورأينا المثل العراقي حيث قامت دولتين بتنفيذ عدوانهما خارج القانون الدولي ودمرت دولة ذات سيادة، مستندين لمجموعة من الأكاذيب حول امتلاك العراق لأسلحة الدمار الشامل وبعد تكشّف الحقيقة لم تقف أية دولة في المنطقة لتسأل هذه الدول عن مبرراتها الكاذبة ونتائجها المدمرة على العراق والمنطقة، وتكرر هذا الفعل في ليبيا حيث أخذت الدول (الحرة) قرار مجلس الأمن ونفّذته بما يتلاءم مع مصالحها ودعمت قوى متطرفة داخلية لتغيير النظام، أما المثل السوري فهو الأبرز حتى الآن حيث قامت الدول (الحرة) وعلى مدار ثلاث سنوات في تحشيد الدول والمنظمات الدولية من أجل إسقاط الدولة الوطنية السورية الداعمة (للإرهاب ) حسب تعبيرهم ودعمت قوى مسلحة داخلية لتغيير النظام وادعت ان دعمها لهذه القوى هو من أجل الحرية والعدالة الاجتماعية وبذلك تكون قد أقرّت منهجاً دولياً جديداً في تغيير النظم السياسية، متناقضة بذلك مع ميثاق الأمم المتحدة الذي أكد على احترام سيادة هذه الدول، وأي مدقق فإن صفة الاعتدال تطلق لكل من يقف إلى جانب "إسرائيل"، واليوم نسمع تصريحات ليبرمان ان "إسرائيل" أصبحت ضرورة أمنية لدول الاعتدال العربي وأن الحدود الأمنية لـ "إسرائيل" هي الحدود الشرقية للأردن وهذا تطور في الرؤية الأمنية "الإسرائيلية" وتكشف طموحات النفوذ "الإسرائيلي" وما سيترتب عليه من تغييرات جيوسياسية تكون "إسرائيل" هي الناظم له، والمستقبل القريب سيكون الخيار بين "داعش" وأخواتها. وأما الحماية "الإسرائيلية" للأنظمة المعتدلة، في الحقيقة ان ما يجري في المنطقة هو فكها وإعادة تركيبها على أساس طائفي ومذهبي وقومي تكون "إسرائيل" هي الناظم والمعيار لدويلاتها واماراتها المستقبلية، وبناءً عليه فإن الموقف مما يجري في سوريا، و المعركة التي تُخاض في سوريا من قبل الجيش السوري هي معارك تتخطّى الجغرافيا السورية وهي في جوهرها معارك الحفاظ على التاريخ الإنساني والعيش المشترك والدفاع عن بقاء القضية الفلسطينية قضية تحررية وطنية وإذا ما نجحوا في إسقاط الدولة الوطنية في سوريا سينعكس مباشرة على كيانية الأردن ولبنان وسيفرض التغيير القسري لتكون ساحة لحل المسالة السكانية للفلسطينيين المقيمين والمهجرين قسراً من خلف الحدود الغربية والشمالية، ولذلك فإن معارك الجيش السوري التي يخوضها هي ليست لحماية سوريا فقط وإنما للدفاع عن تاريخ وحضارة ومكونات المنطقة ما بين المغرب والمشرق، ومصطلح الاعتدال من حيث دوره الوظيفي أطلق ليكون العنوان لمواجهة النهج الوطني التحرري في المنطقة وتمرير تصفية القضية الفلسطينية.