Menu
أوريدو

التطبيع بين تركيا والكيان الصهيوني، عَوْدٌ على بَدْء

تركيا والكيان الصهيوني

صابر المنتصر

مفهوم التطبيع:

التطبيع هو تغيير ظاهرة ما بحيث تتفق في بنيتها وشكلها واتجاهها مع ما يعده البعض طبيعياً.[1]

ظهر هذا المصطلح في أواخر السبعينيات بعد توقيع معاهدة كامب ديفيد وطُبِّق على العلاقات المصرية الإسرائيلية، إذ طالبت الدولة الصهيونية بتطبيع العلاقات بين البلدين، أي جعلها علاقات طبيعية عادية، مثل تلك التي تنشأ بين أي بلدين، ويصر الكيان الصهيوني على أن التطبيع السياسي والاقتصادي بينه وبين الدول العربية هو شرط أساسي لتحقيق السلام في الشرق الأوسط. ولكن يوجد خلل أساسي في المفهوم وفي المحاولة، فالتطبيع السياسي والاقتصادي يجب أن يتم بين بلدين طبيعيين، وهو الأمر الذي لا يتوافر في الجيب الاستيطاني الصهيوني بسبب شذوذه البنيوي.

تاريخ العلاقات الصهيونية التركية:

تأسست العلاقات التركية مع دولة الاحتلال في آذار/مارس 1949، اذ كانت تركيا من اوائل الدول التي اعترفت بالكيان الصهيوني. كما تعمقت العلاقات أكثر عند انضمام تركيا لحلف شمال الاطلسي سنة 1952 ثم بعد ذلك توقيعها (تركيا واثيوبيا والكيان الصهيوني) لاتفاق حزام المحيط سنة 1958.

شهدت العلاقة مدا و جزرا لعقدين من الزمن الى حين الانقلاب العسكري الذي وقع في تركيا سنة 1980 و الذي نتج عنه تحول هام و تطور كبير في العلاقة بين البلدين، اذ زارت رئيسة الوزراء التركية تانسو تشيلر Tansu Ciller فلسطين المحتلة سنة 1994، ثم زيارة الرئيس سليمان دميريل  Suleyman Demirelلها سنة 1996.

لم يؤدِّ وصول حزب العدالة والتنمية Justice and Developement Party (AKP) ذي الجذور الإسلامية للحكم في تركيا سنة 2002 إلى تدهور العلاقات بين البلدين، بل استمر التطور فيها وحصلت زيارات ديبلوماسية متبادلة على أعلى مستوى بين الطرفين، أهمها زيارة كل من وزير الخارجية التركي حينها عبد الله غول Abdullah Gul ثم رئيس الوزراء وقتئذ طيب أردوغان Tayyip Erdogan للكيان المحتل سنة 2005، والتي لاقت ترحيباً صهيونيا كبيراً مع العلم ان الرئيس التركي قد التقى في تلك الزيارة أرئيل شارون Ariel Sharonرئيس الوزراء الصهيوني حينها.

وبالتوازي مع العلاقات الاقتصادية المتطورة باضطراب واضح بين الطرفين، حاولت تركيا لعب دور الوسيط بين إسرائيل“ و دول عربية وإسلامية مثل سورية والباكستان، قبل أن تتدهور علاقاتها مع دولة الاحتلال على إثر العدوان على غزة سنة 2008، والتي عدَّته تركيا طعنة في ظهرها، وخيانة لجهدها المبذول على جبهة العلاقات السوريةالإسرائيلية، والتي رعت تركيا فيها مفاوضات غير مباشرة بين الجانبين.

لاحقاً، مرت العلاقات الثنائية بعدة منعطفات وأزمات، مثل حادثة منتدى دافوس Davos Forum الشهيرة في أيلول/ سبتمبر 2009، وأزمة إهانة السفير التركي في تل أبيب في كانون الثاني/ يناير 2010، حتى وصلت الذروة بالاعتداء الصهيوني على سفينة مرمرة والتي انخفضت بعدها العلاقات الديبلوماسية بين الطرفين و بدأت اللقاءات الثنائية بهدف تطويق الأزمة بين الطرفين مبكراً جداً، حيث التقى وزير الخارجية التركية أحمد داود أوغلو Ahmet Davutoglu سراً بوزير الصناعة والتجارة الإسرائيلي بنيامين بن إليعازر Binyamin Ben-Eliezer في بروكسل في 1/7/2010، دون أن يفضي ذلك اللقاء إلى نتيجة إيجابية .

تتالت اللقاءات بين مسؤولي البلدين وتكرر الفشل في التوصل لاتفاق ما حتى حملت سنة 2013 جديداً باعتذار بنيامين نتنياهو Benjamin Netanyahu من أردوغان، بضغط من الرئيس الأمريكي باراك أوباما Barack Obama، في شهر آذار/ مارس بعد هذا الاعتذار تسارعت اللقاءات بين الطرفين، فاجتمعا في أنقرة في أبريل/ نيسان ثم في القدس في أيار/ مايو من سنة 2013، الى ان تم التوصل الى الاتفاق النهائي يوم 27/06/2016 و الذي ينص على التطبيع الكامل في العلاقات بين البلدين على كل المستويات و تبادل السفراء و العلاقات الدبلوماسية.

دوافع التطبيع بين البلدين:

سياسيا:

تعيش تركيا منذ عقود مشاكل كثيرة و معقدة مع دول الجوار (اليونان، إيران، روسيا، سوريا)، لهذا السبب توجهت تركيا للبحث عن حلفاء جدد في المنطقة (الكيان الصهيوني مثالا و الذي يعيش نفس الظروف مع جيرانه) تعوض بها العلاقة المتوترة او المفقودة مع جيرانها. نبدأ بخلافها مع سوريا، اذ نشا هذا الخلاف منذ سنة 1939 عند استيلاء تركيا على لواء الاسكندرونة السوري التابع لولاية حلب، كما نذكر ايضا الخلاف الناشئ حول توزيع لمياه الفرات، زد على ذلك الاعتقاد الراسخ لدى تركيا بان سوريا تدعم حزب العمال الكردستاني عسكريا. اما خلافها مع اليونان، فهو حول قضية بحر ايجه و قضية قبرص. كما كان لخلاف تركيا مع العراق ايضا بعدا جغرافيا، فتوزيع مياه دجلة كانت السبب في توتر العلاقات بين البلدين. اما الخلاف مع إيران فيتمثل في ادعاء تركيا ان إيران تساعد و تدعم النشاطات الاسلامية في تركيا.

 

عسكريا:

يتكون الجيش التركي من نصف مليون جندي رسمي و نحو 400 الف جندي احتياط، كما تمتلك تركيا 4300 دبابة و 450 طائرة مقاتلة مما يجعل الجيش التركي يحتل المراكز الاولى في اقوى جيوش الشرق الاوسط، لذا يتوجب على الدولة التركية ان تقوم بتطوير الجيش و الرفع من ميزانيته، و كما نوهنا سابقا، ان علاقة تركيا مع الجيران غير مستقرة، اذ يستحيل ابرام اتفاقيات عسكرية معها، فتتوجه تركيا لعقد الصفقات العسكرية مع دولة الاحتلال الصهيوني نظرا للكلفة المتدنية نسبيا التي تتعامل بها "اسرائيل" مقارنة بالدول الاخرى كالولايات المتحدة الامريكية مثلا، مع التنويه ان الكيان الصهيوني لا يأبه لمنضمات حقوق الانسان و يبيع الاسلحة لكل من يطلب ذلك.

اقتصاديا:

بالاتفاق مع الكيان الصهيوني، تفوز تركيا بسوق قطاع غزة حصريا، فيصبح بامكانها تصدير مواد البناء و كل انواع السلع ( فك حصار غزة كما يدعي اللسان الرسمي التركي)، مع امكانية استثمار الجزيرة التي اقترحت تركيا بنائها مقابل سواحل غزة يكون بها مطار و ميناء و تخضع للرقابة الصهيونية و سيوفر ذلك المشروع العديد من المكاسب المادية لتركيا و للكيان الصهيوني، مع العلم ان ذلك المشروع سيسكت المنظمات الدولية و الجمعيات و الدول التي تطالب بانهاء الحصار كما ستفوز تركيا بعقد للحصول على الغاز الصهيوني بدل الغاز الروسي و هو ما سينعش خزينة دولة المحتل كما ان تركيا تتمتع بمخزون كبير و وافر من المياه التي تحتاجها " اسرائيل". كما لا ننسى المبادلات التجارية المباشرة بين البلدين و الصفقات التي ستبرم لاحقا.

سياحيا:

شهدت السياحة الاسرائيلية الى تركيا ارتفاعا خلال عام 2015 اذ وصل عدد الاسرائيليين الذين وصلوا تركيا الى 224 ألف بارتفاع 19% عن العام الذي سبقه، ومع ذلك فأن اصحاب الفنادق يأملون بعودة السياحة الى سابق عهدها ما قبل ازمة العلاقات مع اسرائيل، حيث كانت تتجاوز اعداد الاسرائيليين النصف مليون سائح سنويا، وكانت بعض الأيام خاصة في فصل الصيف تشهد حركة الطيران ارتفاعا ملحوظا حيث تقلع كل يوم خميس من مطار "بن غوريون" 13 رحلة طيران تضمّ 2500 شخص إلى مدينة انطاليا الساحلية جنوب غرب تركيا.

عبر من التاريخ:

  • اثبت الكيان الصهيوني، على مر التاريخ، انه لا ينجز اي بند من الاتفاقيات التي يمضي عليها، كما انه لا يهتم لقرارات المنظمات الدولية (التي يسيطر على اغلبها الصهاينة).
  • تعتمد تركيا منذ سنوات سياسة المكيالين في التعامل مع القضية الفلسطينية، فهي تساند و تدعم المقاومة في الخطابات الجماهيرية التي تعقدها قياداتها، اما على المستوى الميداني فهي لا تقدم اكثر من مساعدات غذائية او مواد البناء.
  • يظهر الوجه الحقيقي للاتفاق بين الكيان الصهيوني و تركيا في التعامل مع القضية السورية، فكلا الجانبين يساندان بشتى انواع الدعم كل من يقاتل في سوريا من حركات ارهابية.

المصادر:

عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، الموسوعة الموجزة في جزأين، دار الشروق.

مركز الزيتونة للدراسات و الاستشارات، تقدير استراتيجي (88): مستقبل العلاقات التركية –” الإسرائيلية“.

معين احمد محمود، " اسرائيل " و اختراق جبهة آسيا رؤية جيو-ستراتيجية.

بوابة الهدف الاخبارية، مقال " السياحة "الإسرائيلية" لتركيا في ازدياد "

[1] عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، الجزء الثاني، صفحة 367، دار الشروق