Menu
أوريدو

تكريس الصهيونية الاشتراكية في روسيا لخدمة مصالح الرأسمالية الغربية في استيطان فلسطين بين الأمس واليوم

تكريس الصهيونية الاشتراكية في روسيا لخدمة مصالح الرأسمالية الغربية في استيطان فلسطين بين الأمس واليوم

د. براءة زيدان

تكريس الصهيونية الاشتراكية في روسيا لخدمة مصالح الرأسمالية الغربية في استيطان فلسطين بين الأمس واليوم

1-فكرة الاستيطان اليهودي في فلسطين بين أوروبا الإقطاعية - الرأسمالية:

ولدت فكرة الاستيطان اليهودي في فلسطين في بريطانيا منذ عام 1649 أي قبل قيام الكيان الصهيوني بثلاثمائة عام، عندما نظم بعض رجال الكنيسة البروتستانتية الانجليز حركة تدعو لعودة اليهود إلى فلسطين، وتبنت الحكومة الانجليزية تلك الدعوة.  

حصل ذلك بعد اعتناق مفكري اليهود وحاخاماتهم المذهب البروتستانتي بهدف وضع حد لتلك الهجرة. كانت رؤية أوروبا الإقطاعية إلى فلسطين روحية محضة، ظهرت مع بدايات صعود النظام الرأسمالي. أي مع بداية ظهور الحركة الصهيونية غير اليهودية، حيث برع اليهود بجمع المال واستثماره، وشكلوا قوة منافسة للأوروبيين في ظل التغيرات الاقتصادية والاجتماعية. وأخذ اليهود يؤدون دوراً اقتصادياً بارزاً في عملية النمو الرأسمالي في البلاد التي يعيشون فيها، في مجال الاستثمارات المالية، وبدء اندماج الرأسمال المصرفي المالي والصناعي وحلول الاحتكار مكان التنافس.

وشمل هذا الازدهار معظم طبقات التجمعات اليهودية في أوروبا الغربية، الذين أخذوا يشعرون بتحررهم من "الغيتو" أي من كل عوامل العزل والتمييز عن الشعوب التي يندمجون فيها. وساعد في حالة الاندماج هذه ظهور حركة الإصلاح الديني اليهودي التي تزعمها قادة مثل أسرة مندلسون (1729-1786)، وكانت تدعو إلى نبذ التفسيرات الدينية الجامدة، وتهيئ اليهود لحياة جديدة، بوصفهم مواطنين في البلدان التي ولدوا فيها.

وبعد اعتناق مفكري اليهود وحاخاماتهم المذهب البروتستانتي بهدف وضع الأضاليل والبدع (التوراتية) لتهويده، احتلت فكرة عودة المسيح إلى الأرض مكاناً رئيساً في أدبيات هذا المذهب. وتقوم هذه الفكرة على أساس الاعتقاد بأن المسيح سيعود إلى الأرض ثانية ليقيم (مملكة الرب) في فلسطين. ورُبطت هذه العودة في تجميع اليهود في فلسطين!

وبذلك يكون مارتن لوثر هو أول من أسس لفكرة العودة المادية لليهود إلى فلسطين، بعد أن جعلها أساس الايمان البروتستانتي، بعد أن كانت الكنيسة الكاثوليكية تؤمن بعودة مجازية للمسيح. كما يكون مارتن لوثر هو أول من أطلق مشروع المسيحية الصهيونية والتي سبقت صهيونية هرتزل بأكثر من ثلاثة قرون، بعد أن ربط الايمان البروتستانتي بعودة المسيح وتجميع اليهود في فلسطين انتظارا لظهوره.

وانطلاقاً من هذا المعتقد وجه بعض علماء اللاهوت سنة 1649م، نداء إلى الحكومة الإنكليزية الإنجليكانية يطالبونها بإقامة الشراكة مع اليهود في المشروع الغربي لاغتصاب فلسطين، فطالبوا بأن يكون للبروتستانت في انجلترا وهولندا شرف نقل اليهود إلى فلسطين.

والمتتبع لهذه الأحداث التي كانت تسير في أوروبا سيجد أنها ثمرة جهود متواصلة نفذها المرابون اليهود وحاخامتهم لتهويد الكنيسة المسيحية، لذلك يمكن القول إن من وقف وراء كل ذلك هم المرابون اليهود أي وقفوا وراء العقل الرأسمالي الغربي. كونهم سيطروا في حينها على كل البنوك المركزية الأوروبية.

وكانت روسيا تضم أكبر عدد ممكن من اليهود في أوروبا، وبخاصة الخزر، كما أصبحت بولندا بعد تقسيمها خلال الأعوام (1772-1793-1795) تشكل أكبر نسبة من يهود العالم 6% من سكان روسيا.

مع نهاية القرن الثامن عشر وبدايات القرن التاسع عشر كان يهود روسيا القيصرية يعيشون في المناطق الجنوبية الغربية منعزلين عن السكان الأخرين. ومع انتقال روسيا من المجتمع الإقطاعي إلى المجتمع الرأسمالي، كان اليهود يشكلون في معظمهم كياناً غير منتج بضائعياً ويعمل أفراده كتجار ومرابين وصيارفة.

ولدت الفكرة الصهيونية في الذهن الاستعماري الغربي قبل ولادتها في العقل اليهودي. وشكلت حملات الاضطهاد ضد اليهود في البلاد التي عاشوا فيها المناخ المناسب لولادتها، بل وانتقالها كفكرة من الذهن الاستعماري إلى الذهن اليهودي كحركة استعمار استيطاني وخاصة أن اليهود كانوا يعيشون ضمن ظروف خاصة في البلدان الأوروبية، منعزلين عن النسيج الاجتماعي لمجتمعات البلاد التي عاشوا فيها. وهو ما عرف في حينها "بالمسألة اليهودية"، التي استغلت من قبل الدول الاستعمارية وبخاصة بريطانيا، بدفع اليهود لإنشاء تلك الحركة السياسية الساعية إلى إقامة وطن قومي لليهود في فلسطين، و هذا ما أكد عليه يوري افنيري بقوله: "إن فكرة إنشاء وطن قومي يهودي في فلسطين لم تكن فكرة جديدة ففي عام 1840م، حث اللورد بلمرستون الذي اعتقد أن استيطاناً يهودياً في الأراضي المقدسة سيساعد العثمانيين ضد المصريين الذين كانوا يحظون بمساعدة الفرنسيين"(1) وهذا ما أكد عليه تقرير بنرمان البريطاني عام 1907م، الذي أكد على أهمية البحر المتوسط للمصالح الأنية والمستقبلية، وذلك لا يكون إلا من خلال إقامة حاجز بشري قوي وغريب على الجسر الذي يربط آسيا بإفريقيا، بالبحر المتوسط، بحيث يشكل على مقربة من قناة السويس، قوة صديقة للاستعمار وعدوة لسكان المنطقة. ولم تكن سايكس بيكو عام 1916، ووعد بلفور عام 1917، سوى التطبيق العملي للجنة بنرمان.

2- فكرة الاستيطان وروسيا القيصرية:

كانت روسيا القيصرية تسعى إلى ضرورة إدماج اليهود بالمجتمع في عهد القيصر الكسندر الأول (1770-1825)م، حيث توصل إلى عقد اتفاقية مع فيريدريك وليم الثالث ملك بروسيا، وفرانسيس الأول امبراطور النمسا عام 1815م، وعرف بالحلف المقدس، وهدفه أن يحكم هؤلاء رعاياه بوحي المسيحية أي بمبادئ العدالة والمحبة والسلام، ومع ذلك قتله اليهود عام 1825م عندما دسوا له السم في طعامه. لأن الحركة الصهيونية كانت ضد ادماج اليهود في المجتمعات التي يعيشون فيها.

وعندما قام القيصر نقولا الأول (1825-1855)م، فرض على اليهود الاندماج بالمجتمع الأوروبي الروسي لكنه لاقى المصير ذاته الذي لاقاه القيصر السابق الذكر. واستمر تسامح القياصرة الروس مع اليهود حتى آخر قيصر من أسرة آل رومانوف عام1894م.

ولم يتبدل شيء في حال اليهود في روسيا، حيث تمركز هؤلاء في المدن، وأخذوا يعملون بالصناعة ولم ينخرطوا في المجتمع الزراعي.

في حينها شكل الرأسماليون اليهود جزءاً أساسياً من الرأسمال الاحتكاري الأوروبي، الذي بدأ يأخذ طابعاً استعمارياً، بينما فقراء اليهود وصغار الملاك وحتى المثقفين منهم عاشوا حالة فقر طبقي، مثل العمال والفلاحين في البلدان الأوروبية. وشارك العمال اليهود في الثورات والهبات العمالية الاشتراكية في أوروبا وأمريكا.

أما في روسيا فكانت مشاركة العمال أوسع، وكان من بين العوامل التي دفعت الدول الاستعمارية الأوروبية للتفكير في تهجير اليهود، التخلص من عناصر يهودية ثورية، حيث دعا ذلك إلى دفع اليهود إلى الهجرة من هذه البلدان لتحويل وجهتهم إلى فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، وظهرت الروح القومية في أوروبا عند الأوساط اليهودية التي أمنت بالفكرة الصهيونية وضرورة نجاحها، وبخاصة من البرجوازية المثقفة، فكانت ولادة الصهيونية التي تتحدث عن الشعب اليهودي ونقائه والتزاوج  بين الدين والقومية.

وهذا ما أثبته الوعد القيصري الذي جاء على شكل رسالة وجهها وزير الخارجية الروسي فون بليفيه الى تيودور هرتزل: "ما دامت الصهيونية تحاول تأسيس دولة مستقلة في فلسطين، وتنظم هجرة اليهود الروس فمن المؤكد أن تظل الحكومة الروسية تحبذ ذلك. وتستطيع الصهيونية أن تعتمد على تأييد معنوي ومادي من روسيا إذا ساعدت الإجراءات العملية، التي يفكر فيها على تخفيف عدد اليهود في روسيا فقط من اليهود المعدمين والمضطربين، أما أثرياء اليهود فستحتفظ فيهم روسيا وسيتم سحب هذا الوعد، إن كان هدف الصهيونية غير المعلن هو تحقيق تركيز قومي لليهود في روسيا، فالدعم الروسي مشروط بالتخلص من اليهود باستثناء اليهود منهم".

لقد التقت الصهيونية في شرق أوروبا بالأفكار الاشتراكية، وكان الكثير من اليهود يعلقون عليها الآمال لتحقيق طموحاتهم. قال هرتزل: "إذا حل بنا الخراب نتحول إلى بروليتاريين ثوريين يمدون جميع الأحزاب الاشتراكية ببعض الضباط فبينما تتعاظم في القمة قوتنا المالية".

ووعد ببناء مجتمع اشتراكي في أرض الأجداد لا وجود فيه للطبقات، ولا للنضال الطبقي. لقد أدرك هرتزل أن مرحلة الامبريالية وتطلعات الدول الرأسمالية الكبرى ومخططاتها، تسمح بإقامة دولة الكيان الصهيوني الوظيفي المصطنع في فلسطين.

أضحت النشاطات الصهيونية ملحوظة في روسيا عام 1873م، عندما أوجدت لجنة مركزية " كجزء من الأممية الاسرائيلية الصهيونية"، ولم يقتصر الأمر على روسيا بل على بلدان معادية لروسيا، كألمانيا والنمسا. وكانت عملياتهم تتم بسرية تامة، وتسعى إلى تشجيع اليهود المعزولين سياسياً ودينياً وبخاصة في جنوب غرب روسيا. حيث كان عملاء الأممية السابقة الذكر لا يدافعون عن الصراع الطبقي بل يحمون مصالح القادة اليهود. وكانت نشاطاتهم في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر حركة قبل صهيونية تتصف بكونها حركة برجوازية قومية، هدفت إلى تجميع رأس المال اليهودي، وكانت هي المرتبة الأعلى في التجمعات اليهودية، وهذا ما عملت بريطانيا على فعله، وهو استغلال العمال اليهود الموجودين في روسيا لجعلهم وقوداً لتنفيذ المشروع الصهيوني في فلسطين.

عمل روتشيلد على الايقاع بين روسيا وأوروبا الغربية، كونه كان ممسكاً باللعبة المالية العالمية. في حين أن الولايات المتحدة الأمريكية كانت تبرز كمركز أعظم بريقاً وتأثيراً في ميدان المشاريع الاستيطانية من بريطانيا، وبخاصة بعد مؤتمر بال عام 1897م، أي لحظة نهوض الإمبريالية الأمريكية، التي كانت بالفعل الدولة المرابية، التي احتضنت المشروع الصهيوني منذ الحرب العالمية الثانية (1939-1945)م وحتى يومنا هذا.

3- التنظيمات اليهودية العمالية التي ظهرت في روسيا القيصرية دفاعاً عن اليهود:

تنظيم الأقلية وهو حزب العمال الديمقراطي الاشتراكي الذي تأسس في ثمانينيات القرن التاسع عشر من اليهود المعاديين للصهيونية. وكان ينادي بأن نضال البروليتاريا لا يتجزأ. وأن اللاسامية ستختفي مع اختفاء الرأسمالية. على أن الوزن السياسي لهذا الحزب بين اليهود والروس كان ضعيفاً نسبياً. والاتحاد العام للعمال اليهود في ليتوانيا وبولندا وروسيا ( البوند).

أما الفضل في إرساء الحركة العمالية الاشتراكية في فلسطين يعود إلى حزب بوعالي تسيون عام 1906م، الذي صدرت عنه الأفكار الاستيطانية، وتوج الحزب نشاطه بإنشاء الهستدروت عام 1920م، كجهاز نقابي استشاري، لعب دوراً في قيادة عملية التنفيذ الصهيوني في فلسطين منذ إنشائه، من خلال سيطرته التامة على كافة الأنشطة الاقتصادية والاجتماعية اليهودية في فلسطين.

وبقي خارج نطاق الأحزاب الصهيونية حزب راكاح الشيوعي "الاسرائيلي"، الذي اعترف بحق الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة في الضفة الغربية وقطاع غزة لذلك كان دوره هامشياً ولا يمكن المراهنة عليه.

4- موقف لينين والثورة الاشتراكية عام 1917م، من الحركة الصهيونية والاستيطان اليهودي في فلسطين:

أدت ثورة اكتوبر إلى ولادة الاتحاد السوفييتي واعتماده على ما دعي "بالشيوعيين" لبلوغ غايته في البلاد العربية، بشكل عام والفلسطيني بشكل خاص، هذه العقيدة التي لم تهتم بالمنشأ القومي أو العرقي أو الديني للجماهير بل نشأت من مبدأ الوحدة العالمية للكادحين، وبذلك شهدت الصهيونية في روسيا بين عامي (1897- 1903)م، توسعاً ملحوظاً وانتشرت المنظمات الصهيونية في روسيا مدعومة بتخطيط دقيق حتى أصبح تعدادهم خمسين ألفاً، كما ظهرت مقالات صهيونية عديدة في روسيا تركز على الدعاية للحركة الصهيونية.

دعا الكومنترن (مركز الشيوعية العالمية في موسكو) إلى قيام نضال مشترك بين العمال العرب في فلسطين والعمال المهاجرين من اليهود ضد الإمبريالية البريطانية والصهيونية، وأيضاً ضد الحركة الصهيونية بإقامة "وطن قومي" لليهود في فلسطين. لقد دعا لينين في مؤتمر الكومنترن الثاني في 28 تموز 1920م، إلى دمج اليهود في المجتمع الروسي الاشتراكي، لكن اتضح أن هدفه من ذلك تقويض حكم القياصرة في روسيا. وتم الاتفاق بين لينين وحاييم وايزمن لتنفيذ المخطط الثوري الاشتراكي الماركسي الذي يسعى لإنشاء دولة ماركسية – شيوعية في روسيا، تشرف على تنفيذ المخطط الصهيوني الخاص الذي رسمته لجنة من الزعماء الصهاينة مع عدد من الزعماء الاشتراكيين اليهود الأوروبيين، حيث نص المخطط على تشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين لإقامة دولة يهودية اشتراكية، تكون منطلقاً لنشر المبادئ الاستيطان اليهودي الصهيوني في فلسطين، وترسيخ مبادئ الماركسية في "الشرق الأوسط".

5- الاستيطان والهجرات اليهودية من روسيا القيصرية- روسيا السوفييتية إلى فلسطين:

يعد المؤرخ الصهيوني ولتر لاكور بداية الاستيطان الرسمي للصهاينة في فلسطين تاريخياً عام 1881م، وبدأ مع هجرة بعض شبان يهود روسيا، علماً أنه لم يكن ذا تأثير عملي، بسبب الامتناع اليهودي عن المشاريع العمل بالزراعة مقابل المدن التجارية الكبرى والقيام بأعمال الصيرفة والتجارة.

كان عدد المستوطنات في فلسطين بين عامي (1842-1897)م، سبعة وعشرين مستوطنة (ملبس وبتاح تكفا وكانت أول مستوطنة خارج القدس ). وريشيون ليتسيون عام 1882م، وعطرون عام 1883م، وجديرا عام 1884م، وحبوت ومشماره يارون أقيمتا عام 1890م، إضافة إلى حي يمين موشيه عام 1850م، وحي مئاه شعارييم عام 1858م، وتمركز الاستيطان الصهيوني في القدس منذ عام 1878م، وكان هدف الاستيطان من كل ما تقدم تغيير البيئة الجغرافية الديموغرافية لمدينة القدس تطبيقاً لمقولة هرتزل" إذا حصلنا يوماً على القدس وكنت ما زلت حياً وقادراً على القيام بأي عمل، فسوف أزيل كل شيء مقدس، وأحرق الآثار التي مرت بها القدس عبر القرون"(2).

توزع اليهود في أربع مدن كبرى (صفد- القدس- الخليل- حول بحيرة طبريا)، وبنوا الكيبوتسات التي تعتمد على العمل الزراعي، لا توجد فيه ملكية خاصة. ويلعب الكيبوتس دوراً كبيراً في وظائف الأمن والدفاع والاستيطان في فلسطين حتى عام 1967م، كما كانت مدرسة وخبرة في البناء الاشتراكي، ولعبت دوراً هاماً في تاريخ الصهيونية، حيث تخرج منها أغلب القادة والضباط الصهاينة أمثال بن غوريون وليفي أشكول، وكانت تتم عملها بتغطية مالية من البرجوازية اليهودية، إضافة إلى الموشاف القائم على تعاون الملاكين ضمن القرية التعاونية الصغيرة.

كان عام 1888م، نقطة انطلاق هامة بالنسبة للمشروع الصهيوني، حيث ازداد عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين، وبلغ عددهم حتى عام 1904م ثلاثين ألف مهاجر، وبعد مذابح عام (1903-1905)م في روسيا القيصرية ازدادت موجة الهجرة إلى فلسطين وبلغت ثلاثون ألفا، خلال موجة الهجرة الثانية، وكان معظم المهاجرين من اليهود (بولندا- روسيا).

أما خلال موجة الهجرة الثالثة فقد تشكلت عام (1914-1918)م، وتشكلت خلالها النواة الصناعية لليهود الصهاينة في فلسطين، وشكل ذلك ضربة كبيرة للتجار العرب الفلسطينيين آنذاك.

كان الهدف تفريغ البلاد من محتواها الاقتصادية بعد ضرب التشكيل الاجتماعي له. وبعد إصدار وعد بلفور عام 1917م، بلغ عدد المهاجرين خمس وخمسون ألف مهاجر كان معظمهم من الاتحاد السوفييتي وبولندا. لقد كانت الهجرة الصهيونية إلى فلسطين الدعامة الأساسية التي تحقق جوهر المشروع وهدفه.

خلال موجة الهجرة الرابعة (1924-1931)م، أصبح عدد المهاجرين اليهود في فلسطين واحد وثمانون ألفاً، لم يكن جميعهم من الاتحاد السوفييتي، بل من بلدان آفرو آسيوية. وأثناء موجة الهجرة الخامسة خلال الأعوام (1932-1939)م، بدأ عدد المهاجرين بالارتفاع.

وصل عدد المهاجرين اليهود إلى فلسطين عام 1943م، خمس وثمانون ألفاً وسبع مائة، وكان العدد يرتفع مع تحسن وضع الحلفاء في الحرب.

كان كل مواطن سوفييتي ينتمي إلى الحركة الصهيونية يرى أن السكان في بلادهم برجوازيون، وأن مستقبل العمال اليهود مرتبط بالاشتراكية، فاليهود السوفييت يعملون على بناء وطنهم الاشتراكي وهم لا ينظرون نحو فلسطين، بل ينظرون إلى الاتحاد السوفييتي الذي يسير برأيهم نحو الأمام، ويقود الإنسانية نحو مستقبل أفضل. لكن الحكومة السوفييتية كان لها رأي مخالف، كانت تشجع الهجرة اليهودية إلى فلسطين وبخاصة خلال فترة الانتداب البريطاني لتعقيد الموقف البريطاني أثناء الانتداب البريطاني على فلسطين. وبالرغم من كل الجهود التي اتخذتها بريطانيا لإيقاف الهجرة غير الشرعية إلى فلسطين عن طريق تشيكوسلوفاكيا وبولونيا إلا أنها لم تفلح. وكان حراس الحدود يتعاونون مع الروس والصهاينة بشكل كامل وعندما تتحدث الحكومة البريطانية إلى الحكومة الروسية وتطلب منها إيقاف الهجرة تناور وتقول إنها لا علم لها بكل ذلك. لذلك عندما حصل خلاف بين البريطانيين والأمريكيين حول كيفية معالجة مسألة الهجرة اليهودية إلى فلسطين، استنتج السوفييت أن كلتا القويتين الغربيتين مصممتان على منع موسكو من المشاركة في حل المسألة الفلسطينية. هنا قامت بريطانيا بإحالة القضية الفلسطينية إلى الأمم المتحدة بعد أن صار عدد اليهود في فلسطين ثمان وعشرون ألفاً فقط من دول المجموعة السوفييتية.

لم يكن السوفييت يعملون على تسهيل هجرة اليهود إلى فلسطين، بل كانوا يعملون على تدريب الشباب اليهود على العمليات العسكرية هناك. وكان للشيوعيين الأفضلية في ذلك. كل ذلك لإضعاف مكانة بريطانيا في فلسطين والحصول على موطئ قدم للسوفييت هناك، وخلق شرخ في علاقات بريطانيا مع البلاد العربية من جهة ومع الولايات المتحدة من جهة ثانية.

كان الاتحاد السوفييتي شريكاً بالمؤامرة الدولية على فلسطين، وتعامل مع الصهيونية العالمية ودعم فكرة إقامة الدولة اليهودية في فلسطين وفق النموذج الشيوعي. وعمل الصهاينة على كسب ولاء السوفييت، بعد إعلان دولتهم الوليدة عام 1948م، بكل الوسائل الممكنة، ليضمنوا هجرة أكبر عدد ممكن من اليهود السوفييت إلى فلسطين.

وجاؤوا بمصطلحات كالطلائعية والريادة، أي المساواة الطبقية بين اليهود لتكون عامل جذب إيديولوجي، أدخلتها الصهيونية بواسطة الصهيونية العمالية لإقامة المهاجرين في المستوطنات ومنع تسربهم منها. لقد كان على هذه الصهيونية العمالية استبعاد كل ما له علاقة بالكفاح ضد الامبريالية، والصراع الطبقي وتأييد الشعوب المضطهدة ضد مضطهديها، أي تستطيع تحقيق انسجام منطقها الداخلي لطرد العرب الفلسطينيين من أراضيهم، فصارت الاشتراكية موجهة ضدهم بالأصل، وليست لصالحهم.

في حين كان الكومنترن يحث أعضاء الحزب الشيوعي الفلسطيني على دعم التعاون بين العمال العرب والمهاجرين اليهود في فلسطين، وإنهاء الصراع الطبقي ودعم نضالهم ضد الامبريالية.

لم تتوقف موجات الهجرة إلى فلسطين من الاتحاد السوفييتي (السابق)، حتى في ظل توتر الأوضاع التي وصلت إلى حد القطيعة بين الكيان الصهيوني والسوفييت عام 1953م. وفي ظل انقطاع العلاقات الدبلوماسية بين الطرفين التي استمرت منذ عام 1967م وحتى حكم غورباتشوف بقيت الهجرة السوفييتية إلى فلسطين وإن قلّت وحجمت واتخذت طابعاً أكثر ميلاً للهجرة غير الشرعية إلا أنها بقيت قائمة.

وفي ظل حكم غورباتشوف فتح باب الهجرة على مصراعيه وسجل عام 1990م أضخم موجة هجرة إلى فلسطين حيث وصل إلى ما يزيد عن ثمانمائة ألف مهاجر. ومن خلال متابعة التوجهات السياسية لهؤلاء المهاجرين الجدد، يلاحظ أنهم  يحملون أفكار اليمين الصهيوني المتطرف، التي تدور حول "إسرائيل" الكبرى وعدم التنازل عن أي شبر منها. وهو الثمن الذي دفعه الاتحاد السوفييتي للولايات المتحدة الأمريكية للحصول على تسهيلات في العلاقات التجارية والقروض ونقل التكنولوجيا.

وهذا يعني أن الهجرة جاءت لتعيق مبدأ توازن المصالح فمنذ عهد غورباتشوف لم يعد الاتحاد السوفييتي (السابق) يعتمد على مبدأ توازن القوى بل اعتمد مبدأ توازن القوى، وهذا ما حددت سياسته الولايات المتحدة الأمريكية.

منذ بدايات القضية الفلسطينية والاستيطان الصهيوني كان الاتحاد السوفييتي داعماً للجانب الصهيوني، خاصة عندما ساوى بين حق الشعب الفلسطيني الموجود فوق أرضه منذ آلاف السنين في تقرير مصيره، وحق اليهود الصهاينة الذين كانوا يسعون نحو هدفهم القومي في استيطان فلسطين، وبهذا كان ذلك القطب الدولي مرتبطاً أيضاً باستراتيجيات الاستعمارية للدول الغربية والأمريكية، وتجلى ذلك في موافقة قرار التقسيم واعترافه بدولة الكيان الصهيوني، وكان ذلك ثمرة لنجاح الصهيونية في تسويق نفسها بادعائها أنها حركة تحرير وطني لليهود، في وقت انعدم فيه التواصل والتأثير العربي على الموقف السوفييتي.

6- روسيا (بوتين) ومواصلة الدعم الاستيطاني الصهيوني للهجرة إلى فلسطين:

لعل زيارة بوتين لحائط البراق في 1 تموز 2012 وأدائه للشعائر اليهودية هناك كافٍ لإثبات حقيقة المواقف الشيوعية من الكيان الصهيوني الوظيفي المصطنع، حيث صرح في حينها: "هنا نشاهد أن التاريخ اليهودي محفور في حجارة القدس".

إضافة إلى ذلك الزيارات المتبادلة بين رؤفيلين ريبلين رئيس الكيان المصطنع بالرئيس بوتين وكذلك لقائه بنتنياهو. وبالعودة إلى تقرير نشره المحلل "الاسرائيلي" أمير تيبون حول اللقاء الأول المذكور يكشف عن دعم بوتين لهجرة اليهود السوفييت إلى فلسطين، وعن تلك العلاقة الحميمة التي تجمعه برؤساء وزراء الكيان الصهيوني من شارون وحتى نتنياهو. التي بالرغم من ذلك تبقى في دائرة التحالف الاستراتيجي الآني ولم تصل إلى درجة التحالف الاستراتيجي وهي قائمة على ما يخدم المصالح المشتركة.

وينهي التقرير قائلاً: "من المهم إجراء حوار مستمر مع الروس، ونقترب من روسيا ضمن مصالح معينة، لكننا نحتفظ بتفكير منطقي في هذا الصدد، وتبقى أمريكا هي الحليف الأقرب لنا وواهم من يعتقد غير ذلك".

وما يعني الكيان الصهيوني حالياً هو التعاون مع بوتين لوضع خطة حكومية وموازنة لجلب يهود أوكرانيا إلى فلسطين البالغ عددهم 300- 350 ألفاً، وهذا يشكل مكسباً استراتيجياً للكيان الصهيوني، في ظل الرهان الديموغرافي الذي يعانيه مسؤولو الكيان وهم يقرؤون أرقام المكتب المركزي للإحصاء التي تفيد بزيادة النمو السكاني لدى الفلسطينيين وتراجع معدل هجرة اليهود إلى أدنى مستوياتها. لذلك الكيان الصهيوني سيستقبل خلال السنوات القادمة مليون ونصف يهودي وهذا ما توقعه عضو الكنيست المتطرف موشيه فيغلين.

إحالات:

1) أفنيري: يوري، "إسرائيل" بلا صهيونية (نداء للسلم في الشرق الأوسط)، نيويورك، شركة ماكملان، ط1، 1967.

(2WLTAR, LIQUEUR. A. Short History Of Zionism. London, 1972. p.p.60

3(Victor Gavendish – Bentinck to Fo, 7 February 1946, pro fo 45/655.

4(Molotov to Vyshinskii, 30 September 1947, Documents of Israeli – Soviet Relations docs. 95 and 94.

هاتان الوثيقتان تبحثان في الهجرة اليهودية السوفييتية من الاتحاد السوفييتي ودول أوروبا الشرقية إلى فلسطين وكيف عملت السلطات السوفييتية على تسهيل هذه الهجرة لكن بشكلٍ غير مباشر.

5) هناك رواية تقول إن السلطان عبد الحميد الثاني رفض بيع الأراضي الفلسطينية لليهود وذلك واضح من خلال مذاكرته وكتب أخرى وافقت على هذا الادعاء. وهناك رأي مخالف تماماً لما نعرفه وذكرته الكتب للباحثة الفلسطينية أ.م.د.فدوى نصيرات، جامعة فلادلفيا في كتاب حديث جداً صادر السلطان عبد الحميد الثاني ودوره في تسهيل الهجرة الصهيونية على فلسطين(1876 -1909)م، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، آذار، 2014.

6) من الذي باع أراضي فلسطين لليهود شهادة سمسار "إسرائيلي" يؤرخ ويروي الأسماء/ دنيا الوطن/ www alwatan voice com Arabic news 2012<5<19<279897>html//  http:

7) حول الأوضاع الدولية التي نشأت فيها البذور الأولى للصهيونية قبل عام 1897م وحتى نشوء "الدولة"، انظر: الشريف: محمد رشاد، المشروع الصهيوني من التاريخ الأوروبي إلى إعلان الدولة، دار كنعان، دمشق، 2010.