Menu
أوريدو

عن غسان كنفاني

وليد عبد الرحيم

SJu11PPH

في العام 1936 وُلد، عاش ستةً و ثلاثين عاماً، و بتفجير إرهابي صار ستاً و ثلاثين قطعةً، لكنه كان قد بثَّ ستاً و ثلاثين ألف فكرة، إنه غسان، معجزة الرقم 36 !!.
... يصعبُ التكهنُ بما يريده أدبُ و فنُ و إعلام غسان كنفاني ، بل هو نفسه و حتى لذاته في حياته اليومية و تصرفاته و ممارساته الشَتَّى كان غامضاً في ترسيم حدود كينونته ، فإن قرأه السياسيُّ رآه سياسياً مناضلاً بليغاً بموقفه و رؤيته و قراره، و الناقد يراه نصاً حائراً في بنيويته، العاشقون جميعهم نصبوه ناطقاً باسم مشاعرهم و آلامهم المشتتة دون فهمه، هم فقط أحسوا بما يقول !..

و قد كان ، و لم يزل مثار جدل نقدي يطال فحوى نصوصه و غاياته منها، و المعنى المُراد من تبعاتها معرفياً وحسياً، إنه المبدع الذي يقرأه كل شخص، ليس بحسب ما أُنتج من نص، بل بحسب خبرةِ و ذائقةِ و تاريخِ المتلقي ، و هو أمر نادر في سُنَّةِ الإبداع العالمي، نظراً لاحتياجه مقدرة إبداعية استثنائية...

 الثائرُ يجده تحريضياً ، العاشقُ يراه نظيراً، أما المعذبون في الأرض من الألوان كافةً فهم جميعاً يشعرون و يدركون فنه و أدبه بفطرية تلقائية ...

ليس سهلاً على المبدع أن يقتفي الأثر المكنون للجمهور، فالأمر بحاجة لأكثر مما هو معرفي، هو منوط و ناتج عن فلسفة و رؤية شاملتين لشتى عناوين و تفاصيل الحياة اليومية مع استباقٍ زمنيٍّ للمصيرية، إنه بمعنى ما يكتنف في جوّانيته فهماً عميقاً للعالم بكل محتوياته و تجلياته و آفاقه، فيزيائه و كيميائه...

هو سعيٌ دؤوب مضنٍ و تلقائي من قبل المبدع الحقيقي الذي يدون مشكلة الإنسانية و القلقَ الوجودي قبل السياسي و الثقافي و الإعلامي، بل حتى الوطني بفاعليته المتأججة و تشظياته المادية و المعنوية التي تُنتج حالةً معرفية مختلفة.

" الكلماتُ عبث، وأنتِ كنتِ دائما لغتي التي لا يفهمها أحد!"

 يقول غسان، و هذا يمكن أن يصلح كمفتاح لفهم و إدراك عالم رجل لم يدركه النقد حتى اليوم، من هي التي كانت؟

ربما تكون امرأة، أم، وطنٌ، فكرةٌ ، و هكذا حتى يتعمق الغموض القصدي كلما تمت محاولةٌ متجددةٌ لفك رموزه!.

الفكرةُ الأساس تكمن في استيعاب فلسطين كما هي ، بلا رتوشات السياسة و الوطنية و السائدات المعرفية، هو يرى فلسطين كما هي، عارية، لا كما روجتها الخطابة السطحية، فلسطين الأبدية القاسية التي لا ترحم، و التي جنت لنا كل هذه العظام المترامية في عمق ترابها، لتعبر بذلك عن مدى جنون العالم المادي المتأرجح بين إله ممسوخ و آلهة مستنسخة تُطفئ غلَّ البشرية الحاقدة على نفسها و الآخر، فتُنتهك المحرمات إنسانياً و يتم احتلالها ورفع راية رب كاذب وهمي يُطيح بطفولة الإنسانية و ارتقائها المرتقَب نحو المستقبل.

هي ليست خطيئة فلسطين، بل خطيئةُ المعنى المخبوء بين حروفها، و هي الصفحة الغنية التي لم يفهمها أحدٌ حتى ثورتها، امرأة ربما أنجبت كل شيئ، و في شبابها لسببٍ ما ، لم ينصفها المولودون الجدد و لا القدامى بل لم يضعوها حتى في المصحة ، فقد جلبوا كل عاهات البشرية مُنتخَبين لاغتصابها المُر العنيف، و على الأرجح المؤقت، هي المرأة - البلاد التي لم يفهمها أحدٌ حتى أبناؤها!

الكلماتُ عبثٌ، لن يدرك القولَ من لا يتبع النسخة الأصلية المعرفية المنتخبة من كل صفحات التاريخ، هي العشق الأبدي الغامض، امرأة الديمومة المرة، هذه فلسطين كما هي ، و إن نطقتها هكذا فلن يدرك حدودها أحد!

إن التقاط الحس الفردي البسيط المُشكِّل للجمعي الإنساني ، و المنتمي لفضاء معرفي مبهم بتفاصيل سرابياته و أسئلته الصعبة لهُو عملٌ عبقري بامتياز برع فيه غسان، لسبب بدئيٍّ بسيط و غير مركب، هو أنه رأى ذلك بلا خطابية تكتنفها مفردات السطحية القاتلة، رأى أن هذه السطحية كانت لبنةَ مقتلنا المُدوي، ضياعنا المترجل على سرج حصان القول المتكرر السطحي.

مثلاً سيعود إلى حيفا، و لكن أية حيفا هذه؟!

 لقد تبدلت ديموغرافياً و حتى عمرانياً، و على الرغم من ذلك بقيت المدينة كما هي، إذن شكلياً تغير شيء ما، فعلياً لا مجال للتبدل هنا، إنما نحن من تشكل لدينا وعيٌ سطحي جديد، أما هي فذاتها المتأصلة منذ ستة آلاف عام، تبدل جلدها كل عصر و ترسم معالمَ مواربة لتنال من ظروف انكسارها أو انتصارها الذي يعني الأمرين في كلتا الحالتين، هي حيفا التي تغرس أظافرها القاسية الجميلة ، التي لا يدرك كُنه لغتها أحد .

"لا تصدق أن الإنسان ينمو، لا، إنه يولد فجأة، كلمة ما، في لحظة تشق صدره على نبض جديد، مشهدٌ واحد يطوح به من سقف الطفولة إلى وعر الطريق"

لغةٌ تستمتعُ بإبهار القسوة على شُباك وحي الطفولة العالي المرئي الغامض، حيث تستبق الحروفُ معناها اللفظي لتصدم العقل المتأخر المتأصل و الأصيل، هو مشهد الانفصال عن سماء الطفولة لا أرضيتها ، بكائيٌّ حدَّ المعرفة، قاسٍ، يطرح موسيقاه بعيداً عن الجوقة ، الجوقة التي ينتمي في النهاية هو ذاته إليها مفضلاً عدم الكشف الكامل عن مستوره في انبهار القول، و معمعان الخطابة.

لا طفولةَ لديك إلا هناك، في ذلك المكان القاسي الذي لا يرحم اشتباهات و كنايات و صفات الهجوم الطازج الفلسفي، هجوم وحش الذاكرة المفتعلة على فطرية الكون، و هنا يتشكل انفصام الوعي السياسي الهش و السطحي عن الإنساني العميق، فيغرد وحده خارج الجوقة المكررة لمفرداتها الغريبة ذاتها، التي أضحت مألوفةً، هنا سر الفهم المختلف لواقع لا يتغير إلا شكلاً، نفسُ الأسباب المولدة للتخلف و الهزيمة، نفس المفردات تصنع ثورة عارمة لا مثيل لها، تُطيحُ بشكل الماضوية، لكنها تُبقي على مضمونها المهزوم حُكماً، و الهزيمة هنا تشكُلٌ ثقافيٌّ قبل أن تكون حالةً واقعيةً، استنباط عميقٌ عفوي و شجاع لمواجهة حالةٍ غير عفوية بامتياز.

 

الأشياءُ الصغيرة حينما تحدث في وقتها يكون لها معنى أكبر منها، أقصدُ أن هنالك بداية صغيرة لكل حادث كبير"

هي البداية الصغيرة للحادثة الكبيرة، فحصٌ جيني للمأساة، تخلفٌ يضرب أطنابه في لحظة الكشف المعرفي، إنه الوصول قسراً إلى شاطئ الحقيقة الدامي.

" الأشباح ماتوا ..قتلتهم الفيزياء..و ذوبتهم الكيمياء..و أرعبتهم العقول

لم ترعبهم أحاسيسهم بل أرعبتهم عقولهم غير النيرة ، هي لحظة الإمساك بتلابيب الحقيقة، ليست هناك فاجعة و هزيمةٌ بل عقلٌ يذهب إليها، فعلُ أمرٍ ما هنا أشبه بتكريس الواقع المتأصل المذهول من الحشد التراكمي العقلي المكتسب المريض الذي لا يسعى إلى تفكيك رموزه ، بل يلجأ إلى ابتكار مقابل علمي ليطغى على تشويه الحسي بوصفه حالة طارئة! ليتم استحضار قوانين الفيزياء و الكيمياء ، فتذيبهم لكونهم تركيبة عضوية لا روح فيها، و ترعبهم بديهيات العقل الممزوجة بالدفق الحسي العميق!.

" شراستك كلها لإخفاء قلب هش لا حدود لهشاشته، ذات يوم ستصل أصابع امرأة ما إليه وستطحنه"

هنا يبرز العاطفي بدوره واضحاً تماماً، المرأة، المقابل الحسي للتعب في أحد تجلياته ، إكمال النقص الناتج عن غياب أو ابتعاد ربما، لسبب حيوي واقعي و ليس لسبب حسي، حتى تُطيح بأشكال التعب ، و ترسم وجهاً جديداً على لوحة اليومي.

"إنني أقول لك كل شيء لأنني أفتقدك، لأنني أكثر من ذلك تعبت من الوقوف بدونك"
يستنبط الجانبُ الغامض حروفَه من وعكات الزمن المريض، الزمن الذي لا يتسع للحلم،

التركيبة الاجتماعية العجيبة لأمة تعرف كل شيء لكنها لا تحسن فعل ماتريد، تقف و لا تقف، تناضل و تُجهد نفسها و تضحي و لا تفعل شيئاً، مما يستدعي الهروب اليومي إلى رحاب صدر امرأة تغسلُ مسامات جلد التعب.

"قد لا نكون الجيل المهيأ لتحقيق النصر، لكننا نُعد الجيل القادم لذلك!"

و مع كل ذلك، يبرز هنا المنحى الوجودي من قبل منتمٍ للماركسية، حسناً فعلوا أنهم لم يتهموه بالتروتسكية، أو بأنه خصمٌ للثورة،

هو التناقض الذي ينفتح على كل آفات التفكير الفردي و الجمعي بكل أمراضه، الصهيونية مرضٌ مزمن من أمراض البشرية العنصرية التي أنتجت النازية و كل أشكال التقوقع و السطحية المفرطة، هي اللاحب، الكذب، الرشوة، الفساد و الدكتاتورية

تستطيعون بعد هذا أن ترتبوا إجابة جديدة لسؤال قديم فحواه: لماذ اغتالوا غسان، هنا تكمن الفكرة ؟!