Menu

بمناسبة ذكرى استشهاد الشهيد الاستثنائي غسان كنفاني الفكرة والرصاصة والكلمة

حاتم استانبولي

عندما انطلقت الثورة الفلسطينية كانت العلاقة بين الفكرة السياسية والفكرة العسكرية تتصارع، وكل منها تحمّل الأخرى النتائج المأساوية التي مرّت على شعبنا، حتى وصل الحوار بين أصحاب هذا الرأي داخل المؤسسة التنظيمية الواحدة وكان الحوار يحتد ويهدأ.

سأتوقّف أمام أبرز المفاصل التي احتد أثناءها الحوار بين الفكرة والرصاصة والكلمة، المرحلة الأولى كانت بعد هزيمة حزيران حيث كان الحوار بين وجهتي نظر، الأولى ترى أن المرحلة الأولى تتطلّب بناء قواعد ارتكاز للعمل العسكري في داخل الوطن المحتل، ومن ثم البدء في تصعيد العمل العسكري، والأخرى رأت أن البدء في العمل العسكري ضرورة، مستفيدين من الانهيار الذي حدث في النظام الرسمي العربي.

وفي سياق هذا التعارض انتصرت الرصاصة على الفكرة والكلمة، وعلت أصوات الرصاص ورافقته أصوات الجماهير التي تدافعت من أجل الرصاصة وانخرطت تحت رايات الرصاص، وتراجعت الفكرة والكلمة، ولم يمض وقت طويل حتى جاءت أحداث أيلول في الأردن لتسكت الرصاص وتطلق العنان للصراع بين الكلمات، بين كلمة حاملي الرصاصة وبين كلمة حاملي الكلمة، وضاعت الفكرة بين حاملي الكلمات، وفي خضم هذا الصراع تسلّلت الفكرة السوداء لتغتال أصحاب الفكرة وتبقي على أصحاب الكلمات، وتصعّد الصراع فيما بينهم، يحتد الصراع ويهدأ، ويعود كل منهم يحشد الكلمات من أجل معاركه في المجالس والمؤتمرات، ولكن النتيجة كانت دائماً مخيبة (كلام في كلام).

وبين صراع الكلمات والفكرة والرصاصة جاء اجتياح الـ 82، وفيه سكتت الكلمة والرصاصة مرة أخرى وانتعشت الفكرة وتمددت، وحوّلت الرصاصة إلى حجر، حمله الفتى فارس الذي واجه الكلمات السوداء وحديدهم بالحجر، وتراجعت الكلمات وخضعت الرصاصة للفكرة، وتوحّدت الفكرة ورتبت الكلمات، ولكن مرة أخرى تسللت الكلمات السوداء واغتالت أصحاب الفكرة، وكبحت جماح الفتى فارس وعاد صراع الكلمات وتراجعت الفكرة، وعاد التعارض بين الكلمات وتسللت الكلمات السوداء وأصبحت طرفاً في صراع الكلمات، ووقف المهرجون على الرصيفين يصفقون لأصحاب الكلمات حتى خضعت الكلمة الجوفاء للكلمة السوداء، وجلس قادة الكلمات فيما بينهم واتفقوا على الكلمات المشتركة، وهنا انتصرت الكلمة على الفكرة والرصاصة والحجر، وتسللت الكلمات السوداء مرة أخرى وحدّدت لهم ما هي الكلمة الجامعة التي لا رجعة عنها ورضخ لها أصحاب الكلمات، وبدأ طابور المهرجين يغنون ويصرخون ويرقصون من أجل وحدة أصحاب الكلمات، ويرشقون أصحاب الفكرة بألذع الإهانات وأسقطوا الشرعية عن الرصاصة، وخيّروا فارس بين الحجر أو الملاحقة فأبى فارس وبدأت ملاحقة الحجر للوصول إلى فارس، وخضع الحجر للحفاظ على حياة فارس، وحينها تألم فارس ونظر إلى الحجر وهو يسقط ويتدحرج ولكن صوت الحجر أطلق العنان للفكرة في الحجر، وخاطب فارس أنا هنا موجود منذ الأزل جزء من هذه الأرض، وحملتني الكثير من الأيادي واستخدمتني لأغراض عديدة، ودائما كنت المستخدم وعندما حملتني يدك شعرت بدور جديد، وعندما قذفتني أول مرة مخترقاً الهواء تحولت من حجر مرمي على الطرقات والبراري إلى رصاصة حرية، وها أنت تعيدني إلى الطرقات وأنا لا ألومك، ولكن سيأتي فارس آخر يحملني من جديد وأملي أن أتحول إلى رصاصة حرية مرة أخرى، واستدار فارس ومشى والتفت إلى الحجر مرة أخرى فرآه يتدحرج ويتدحرج كأنه اعتاد على الحراك. وأثناء عودته كبر فارس وأصبح جزء من الكلمات وتسللت الكلمات السوداء لتغتال فارس بالرغم من خضوعه للكلمة، وعاد أصحاب الكلمة الوحيدة يسيطرون بعد ان حوّلوا الرصاصة إلى تهمة ولاحقوا الفكرة، ولكن الفكرة كانت تعي أنها أنثى، وهي ولّادة وستأتي بالجديد دوماً ولن تتراجع كون مقومات تجددها وانبعاثها تكمن في أنوثتها ووعدت الحجر بأنه سيتحوّل إلى رصاصة حرية من جديد ليحمله مولود جديد وستسميه فارس، وسيأتي يوم تسقط فيه الكلمات وتسود الفكرة وتحول الحجر إلى رصاصة حرية.