إن الحالة الفلسطينية هي حالة فريدة لا تشبه حالات استعمارية أخرى، ولهذا يبدو طريق التحرير غير مسلوك سابقاً، مما يعني أنه لابد من معرفتنا الدقيقة ليس فقط بطبيعة العدو بل بذاتنا أيضاً، ففي القاموس السياسي والمعرفي الفلسطيني عادةً ما تجد عبارة " أننا لم نحقق شيئاً"، أو " لم يتحقق شيئاً"، أو " تيتي تيتي مثل ما رحتي جيتي" سواء فيما يتعلق بالمفاوضات مع العدو الصهيوني الامبريالي منذ ما قبل "أوسلو" بسنوات، أو المفاوضات الثنائية الحمساوية الفتحاوية التي لم تكن ممكنة بهذا الأسلوب، وهذا الترتيب لو لم يسبقها لغة الحوار الدموي الذي ذهب ضحيته المئات دون أي حد أدنى من الضرورة الوطنية، أي أن الاقتتال لم يكن تلبية لنداء شعبي – وطني.
عادةً، عندما يدخل طرفان متعاديان أو متخاصمان في عملية تفاوض يلجئان إلى أسلوب التسريب أو " التهريب السياسي" تمهيداً للصفقة، وكافة الاتفاقيات – الصفقات فيها العلني وفيها الجانب السري، الجانب السري يفرضه القوى أو المنتصر على الطرف المهزوم أو الضعيف.
من القصص الطريفة التي يسجلها تاريخ " التفاوض والاتفاقيات وتنفيذها"، أن الرومان عندما هزموا القرطاجيين عام 202 ق.م في شمال أفريقيا فرضوا عليهم الصلح بشروط مهينة بما فيه غرامة مالية باهظة، فلما جاء القرطاجيون بمال الغرامة، ووضعوه في الميزان رفع القائد الروماني " شيبون" رجله ووضعها في الكفة الثانية، وقال للقرطاجيين " ضعوا مزيداً من المال لإكمال الوزن" فقالوا له "هذا عيار لم يسجله الاتفاق" فقال لهم " هي إرادة الغالب والمنتصر".
إن العسكرتاريا الصهيونية، بمقارنة زمنية، هي أقوى بكثير مما كان عليه القائد الروماني " شيبون" وامبراطوريته، والراحل عرفات ومن بعده عباس أوهن بكثير مما كانت عليه " قرطاجة" وقائدها العسكري "هنيبعل" فهل يعُقل أن تكون النتائج مغايرة لما حصل؟، وهل كان بالإمكان أن يكون الاتفاق (أوسلو) أفضل مما كان حسب إدعاء بعض المستشارين العرفاتيين الذين وللتبرؤ من "خطاياهم" يقولون أن "عرفات لم يأخذ بنصائحهم ( بسام أبو شريف مثال) ولهذا وُلد الاتفاق مشوهاً وهزيلاً!!".
طيب، إذا افترضنا أن الطرف الفلسطيني " بهلواني وذكي وحريص وأمين" لماذا وافق على ما عُرض عليه؟، في الوقت الذي يعتبر الطرف الصهيوني نفسه أنه " دماغ العالم المحرك، وصاحب الخبرة المتراكمة في المكر والدهماء، وصاحب الباع الطويل في إجبار الآخرين على الانصياع لإرادته"، جعل من المسودة التي أعدها خبرائه الصيغة "النهائية" للاتفاق الذي وصفه "لمواطنيه" المستعمرين، بأنه تاريخي ولصالحه تماماً. عندما يربح العدو كل شيء يعني أن الطرف الآخر خسر كل شيء أيضاً، لأنه ذهب " ومعه قضية" وعاد بدونها.
إن الطرف الفلسطيني وافق عن وعي بما عُرض عليه تلبية واستجابة لمصلحة طبقية وليس وطنية، مما ساهم في تسريع الانهيار على المستوى القومي، حيث أصبح مطية لكل مستسلم وعاشق للصهيونية وكيانها.
إن العدو لم يكذب على المستوطنين في فلسطين، كلهم مستوطنون، ولكن القيادة الفلسطينية كذبت على كل شعبها وخدعته، وما زالت تمارس الكذب والخداع لتمرير مصالح حفنة من الوكلاء والسماسرة والطفيليين المتحدين في سلطة قال فيها السيد نبيل شعت عضو اللجنة المركزية لحركة فتح " أنها أنفقت على الأمن الإسرائيلي أكثر مما أنفقت على التعليم في فلسطين" ( لقاء مع صحافيين إسرائيليين في رام الله). ألا يكفي هذا لمعرفة الوظيفة الأمنية لسلطة تقول عن نفسها وطنية؟ المؤلم حقاً ليس كمية الأموال التي أنُفقت، لأنها أموالهم وأموال الممولين وأصحاب "المشيئة والجلالة" يعني من العب للجيبة!! بل أن تصل الأمور إلى هذه الدرجة من الاستهتار بالمشاعر وبالمصلحتين الوطنية والقومية، وكأن شيئاً لم يكن. ألا يستوجب هذا التصريح المساءلة والمحاسبة لرئيس هذه السلطة؟! ففي دول وشعوب تحترم نفسها يُقدم الرئيس استقالته؟!.
إن ميزان القوى الذي كان سائداً في بداية تسعينيات القرن الماضي، حيث وُقع اتفاق أوسلو الإذلالي والخياني، تخلى عن (80%) من أرض الوطن، وشطب جوهر الميثاق الوطني، وحماية العدو من غضب من سُلبت أرضه، كان أفضل بكثير مما هو عليه اليوم. فهل يمكن أن يتم رفع هذا السقف المنهار، وليس الهابط كما يحلو للبعض من قبل فريق مفاوض سلم نفسه وكل أسلحة ومعاول النضال لعدوه؟.
حتى لو جدلاً تم تغيير هذا الفريق من أين كان سواءً إسلامياً أو يسارياً هل ستتغير النتيجة؟ بالطبع لا وألف لا، لأن العلة ليس في من يفاوض وعلى ماذا يفاوض. إن الميلان الكامل لميزان القوى لصالح معسكر الأعداء سيصنع خونة جدد، بغض النظر عن لونهم السياسي أو الديني، إن هم أصروا على التمادي والذهاب حتى النهاية وهذا ما يطمح له العدو.
إذاً، عندما يتم الحديث عن " حكومة وحدة وطنية تضم الجميع" ستكون في الحقيقة هي حكومة توريط وإغراق للجميع، فقبل التوصل إلى هكذا حكومة يجب أولاً وبالضرورة إعادة الاعتبار للبنود التي حُذفت من الميثاق، وإلغاء الاعتراف بشرعية الكيان، مع عدم الاكتراث للرأي العام الرسمي الأوروبي الأمريكي العربي، لأنه لم يكن يوماً معناً، ولن يكون على المدى المنظور، ويتناقض مع الرأي العام الجماهيري والشعبي في مناطق هذه الأطراف، والمرشح للتجذر في المستقبل، مما يمهد الطريق فعلياً لبناء جبهة وطنية متحدة معادية للامبريالية والصهيونية والرجعية ستكون قيادتها لمن ينجح في تحقيق هذا الهدف.
إن تحقيق هذه الغاية هو مساهمة في المبدأ في تغير موازين القوى بشكل استراتيجي، وخطوة إلى الأمام على طريق التحرير.
( انتهى)

