Menu

حلّوا عنّا

محمود الراس

مشتعل كان شعبنا بزمن التغيير والإصلاح، كما اشتعل سابقاً بزمن الدولة الوليدة وسنغافورة العرب، فكانت له أحلام وردية تسربت من بين أصابع شيوخه ونسائه وأطفاله إلى بطون وجيوب من كانوا يبتلعون البلاد ويتقدمون بأسرع من صاروخ عابر للقارات، ليصنعوا لنا منها أجهزة تكفّلت بقمع أحلامنا موّلوها بأتاوات وعائد أزمات كانت كفيلة بإفقارنا، وبمحاصصة وصراع على الوظيفة العامة، رهنت مستقبلنا لأجيال قادمة.

لن يتبقّى من شعاراتهم المتنقّلة ما بين دولتهم التي ولدت ميتة والحروب المتتالية والمعابر المغلقة سوى وجهها القبيح المتراقص على جثث أطفالنا المحروقة بنار أزماتهم المفتعلة والتي جاءت نتاج سياسات أصحاب المصالح وتجار الحروب والكوارث.

هذا الشعب الذي مثّل طليعة الأمة ورأس حربتها بمقاومة عدو توحّش وتوغّل على حقوقها وشعوبه، العابر بقدره دون انحناء، الممسك بثوابته وحقوقه الوطنية رغم الأزمات التي لا تنتهي والتي لا تطال سوى فقرائه ومسحوقيه وشبابه، ولا تتجرأ سوى على أجساد مرضاه ودماء أطفاله، سيبقى ممسكاً بالحياة باعتبارها فعل مقاوم، ولن يقبل بأن تخدعوه مرةً أخرى بشعار هنا أو هاشتاج هناك، لن يقبل بأن تعيروا شراء ذمم المسحوقين بأموال مغمسة بدماء أبنائه ورائحة جلدهم المحروق بسياط القمع والفساد، ولن يسمح لكم بإشعال حملاتكم الانتخابية بحرائق أجساد أطفاله، كما سيرفض أن تتحوّل أجساد أطفاله وشبابه لمتاريس بشرية تحتمون خلفها لتتراشقوا بأرواح الأبرياء ومصائرهم، لن يقبل النصح من رجال يعرضون وبلا خجل كروشهم المنتفخة بخميرة المال المنهوب حتى لو لبسوا عباءة الدين وتحدّثوا بمنزل الآيات، كما لن يقبل بإعادة مافيا اللصوص الموشّحة بالنياشين والنجوم لتمارس هواياتها بنشر الفوضى وزرع الموت والفتن بالأزقّة، لن يقبل شعبنا بأن يحتمي من سقف الخوف بسقف المهانة، لن يقبل بمذلّة التنسيق والتطبيع مقابل الغذاء، ولن يعطي الشرعية لمجموعة من اللصوص كي يتحدّث زعيمهم عن نفسه بصيغة الجمع.

سيستعيد شعبنا أحلامه الجماعية ومؤسساته الخدماتية بعيداً عن حزبيتكم وفئويتكم وسياسات الخصخصة لقطاع الخدمات، سيذهب لصناديق الاقتراع ليمارس حقه كفعل مقاوم لا يقل شأناً عن فعل شباب الانتفاضة.