فعلا الانتخابات عندنا بالضبط "عرس" لكنه مشفوع ب"الديمقراطية" هكذا، سواء كانت تشريعية أو محلية أو ما بينهما... فالأسماء على القوائم ويافطات المرشحين تتقاطع كثيرا مع دعوات العرس، فكما أن الكثير من دعوات الأعراس لا يذكر فيها اسم العروس/الزوجة، حيث يتم الاكتفاء مثلا بوضع زهرة مسبوقة بتعبير "كريمته المصون" مع ذكر اسم الوالد والعائلة... فإن العديد من القوائم الانتخابية التي تترشح فيها نساء يتم الاكتفاء بذكر زوجها أو والدها... والله من وراء القصد... وكما تتصدر دعوات العرس التنويه إلى آل فلان وآل علان.. كذلك في الانتخابات، ينطلق النداء: يا عزوتي وعشيرتي وربعي.. "وين النشامى"... وكما يجري تذييل دعوة العرس بموعد الغداء كذلك في الانتخابات تحضر المناسف وغيرها مما لذ وطاب بما في ذلك بطاقات الهاتف أو ثمن الغداء نقدا...
وكما في العرس حيث تكون "أم العروس مشغولة وهي فاظية" كذلك المرشحين في الانتخابات هم أيضا "مشغولين مع انهم فاظيين"...
ومثلما تتوج حفلة العرس برقصة ودبكة ودحية... مع عبارة: دامت الأفراح في دياركم عامرة... كذلك تجمعات المرشحين الانتخابية في الشوارع والساحات والخيم فهي ميدان "رقص وحنجلة" وأمنيات بوطن حر ومواطن سعيد.
ولكن.. وبالرغم من كل هذه التقاطعات إلا أنه ومن باب الأمانة العلمية والاجتماعية والأنثروبولوجية تبقى هناك بعض الفوارق المهمة التي يجب ملاحظتها ما بين العرس الاجتماعي الحقيقي والعرس الانتخابي "الديمقراطي"..
منها على سبيل المثال أن بعض دعوات الأعراس تحمل عبارة: "يرجى عدم اصطحاب الأطفال"، بينما في الانتخابات يدعى ويشارك بفاعلية حتى الأطفال... أليست الانتخابات عرسا ديمقراطيا.. يعني "زفَّة" لذلك فإن الأطفال في العرس الديمقرطي قوة فاعلة لتوزيع الحلوى والقهوة والماء وجمع القمامة.
ومن تلك الفوارق أيضا أن العرس الاجتماعي الواقعي هو في الحقيقة أكثر جدوى وأكثر واقعية من "عرس" الانتخابات "الديمقراطي" حيث يتوج الأول بزواج وتأسيس عائلة حقيقية... بمعنى حين ندعو للعروسين: "بالرفاء والبنين،البعض يقول الرفاه والبنين" عادة ما تترجم الدعوة سريعا بحمل وولادة بعد تسعة أشهر... بمعنى في نتيجة واضحة وملموسة... بينما في العرس الانتخابي الديمقراطي... عادة ما تطير وتتلاشى وتختفي كل الوعود والأمنيات بتحقيق العدالة والتنمية والنهضة وصولا إلى تحرير فلسطين من البحر إلى النهر... كل هذا يتلاشى كقطرات المطر حين تسقط على رمال صيف حارقة.. وفوق ذلك تغوص في الأعماق شعارت خفيفة الظل مثل: أعدكم بمكافحة الفساد، والواسطة والمحسوبية... ما يحصل بعد الآنتخابات هو أن تستمر الدحية: هلا وهلا بك يا ولا... ريتك حليفي يا الولا... حنّا كتينا العرقوب .. نِعكز ع كعاب البارود .. وهلا بك هلا يا الولا...".
يبقى هناك فارق جميل يعكسه العرس الحقيقي.. وهو أن المشاركين فعلا في العملية الاجتماعية يشاركون بحماسة وقناعة وصدق... ذلك لأنهم ومن الخبرة المتراكمة يعرفون أن ما يقدمونه اليوم ... يستعيدونه في مناسباتهم غدا... بينما في "العرس الانتخابي الديمقراطي" تتم دعوة المواطن وفق المثل الشهير: "قال عازمينك يا حمار. قال معرو ف ليش: يا نقلة حطب يا نقلة ميّ!".
بعد هذه المقاربة والمقارنة "السوسيولوجية" وفق تقنية الملاحظة الأنثروبولوجية الهامة والضرورية.. نعود لسياقات النقاش... أقصد للكلام الجد.
ماذا تعني وتمثل الانتخابات وفق أصول العملية الديمقراطية الحقيقية وليس وفق الفهم الساذج والبدائي المتخلف؟.
يقول غرامشي: "الديمقراطية بالتحديد، لا يمكن أن تعني فقط، أن يكون في مقدور العامل غير الماهر أن يصبح عاملا ماهرا. بل ينبغي أن يكون معناها أن يستطيع كل "مواطن" أن "يحكم" أو أن يهيئ له المجتمع – نظريا على الأقل – الوضع العام الذي يمكنه من ذلك". (غرامشي – كراسات السجن – دار المستقبل العربي القاهرة – 1994 – ص. 60).
ما يقصده غرامشي بهذا القول أن مسألة الديمقراطية عملية شديدة العمق والأبعاد، إنها ليس مجرد عملية اقتراع، فعملية الاقتراع هي مجرد تتويج تقني وإجرائي لصيرورات سياسية واجتماعية وثقافية تتيح المجال لبناء وتأهيل الكادر الذي سيتبوأ مراكز قيادية أو إدارية عامة إن توفرت شروط هذه العملية. بمعنى أنها ليست عملية صراع عائلي أو قبلي أو عشائري، فالوظيفة العامة التي تعبر عن مصالح وهموم شعب أو أمة أو مواطنين متساوين في الحقوق والوجبات تستوجب بالضرورة وعيا وثقافة وكفاءة تلبي تلك المهام العامة وتستجيب لشروطها الصارمة...وبالتالي لا يذهب المرشح إلى المجلس التشريعي أو البلدي أو النقابي ليمثل عائلة أو عشيرة بل ليمثل في النهاية الشعب أو الجماعة في مدينة أو بلدة أو قرية بغض النظر عن أصولها وفصولها العرقية والجنسية والسياسية والدينية.
من هنا جاءت قيمة ودور ووظيفة الحزب السياسي الذي عليه أن يتجاوز في رؤيته وبرامجه وممارسته المصالح الضيقة للفئات الاجتماعية القائمة على العلاقات العضوية ( قرابة الدم أو الانتماء الديني او العرقي أو الجنسي).
ما يجري في الانتخابات العامة أو المحلية وفقا لما نشاهده ونسمعه ونعيشه سواء في فلسطين أو في بعض المجتمعات العربية هو عملية ارتداد مهين باسم الديمقراطية عن جوهر وركائز قيم الديمقراطية السياسية والاجتماعية والثقافية العميقة.
بصراحة لا أستطيع أن استوعب كيف تقبل القيادة السياسية في نظام سياسي أو في لجنة الانتخابات المركزية أو النظام القضائي أو اللجان الدستورية، التي تؤكد جميعها على أنها بنى وهيئات ومؤسسات ديمقراطية، وكيف تسكت هكذا وببساطة على قائمة لا تحمل مثلا اسم المرأة التي ترشح نفسها لشغل وظيفة عامة... أليس المطلوب أن يقال لها: يا سيدتي البرلمان أو المجلس البلدي أو إدارة هذه المؤسسة أو النقابة ليست حفلة شواء، وليست سهرة أو حفل للرقص... هذه مؤسسات لها دور ولها وظيفة تتعلق بحقوق ومصالح الناس التي ينص عليها الدستور أو القانون الأساسي أو اللوائح الناظمة.. وبالتالي من حق هؤلاء الناس الذين سيدلون بأصواتهم أن يعرفوا من هذه أو ذاك الذي سيدير شؤون حياتهم... ويدافع عن حقوقهم وعن مصالح الأمة ويحمي الدستور الذي دفع الشعب في سبيله أنهارا من الدماء والتضحيات.
هذه الممارسة ليس لها علاقة بالدين أو بالأخلاق، إنها في الحقيقة تعادل الفضيحة سياسيا وثقافيا وقانونيا عدا عن كونها غير أخلاقية في الجوهر لأنها تتعلق بمهام وطنية وإجتماعية عامة وفي ذات اللحظة لا تثق بالناس.... لهذا يجب وقفها ومنعها بقوة القانون والدستور... فالمرشحة لأي منصب أو هيئة أو وظيفة عامة تعرف جيدا ومسبقا ما هو مطلوب منها، وهي تتقدم لتنال ثقة الناس لهذا من حق الناس الطبيعي أن تكون هذه المرشحة واضحة ومعروفة كشخص وكفاءة وموقف وبرنامج... من حق الناس أن يلتقوا بها رجالا ونساء وأن يناقشوها ويسألوها ويدققوا في كل التفاصيل المتعلقة بمسأة الترشيح... ذلك لأنه حين تخطئ هذه المرشحة بعد فوزها في الوظيفة العامة فإنها وحدها من يتحمل المسؤوليات التي تترتب على الوظيفة العامة، وفي حال أخفقت أو أخطأت أو أساءت فلن تتم محاسبة أو مساءلة زوجها أو والدها على ذلك... بل هي من ستخضع مباشرة للمساءلة والمحاسبة... إلا إذا تم الاعتراف بأن المرجعية للمرشحين هي العائلة، ليكن ذلك.. ولكن هذا يتطلب أولا يجب تشريعا دستوريا وقانونيا...
هذه الإشكالية تعكس هشاشة مريعة في الوعي السياسي والاجتماعي فحين يقبل المجتمع بأن يتم إغراق مؤسساته السياسية الوطنية ومؤسساته المدنية والأهلية بثقافة العائلة والانتماء الجهوي، حينها تفقد تلك المؤسسات دورها وتهبط إلى مستوى يعادل بنية العشيرة في مواقفها وسلوكهاوهذا يتناقض ويضرب في العمق دور ووظيفة المؤسسات السياسية والوطنية والاجتماعية التي من المفروض أن تكون أرقى في بنيتها ونواظمها ومعاييرها بما يعكس تطور المجتمع التاريخي. أما الهبوط بالأداء والمعايير إلى درجة الاستقواء بالعشيرة بصورة غريزية فإنه سيؤدي حكما إلى الإضرار بالعملية والقيم الديمقراطية، مما يشكل قيدا على مبدأ المساءلة والمحاسبة بحق المقصرين عند فشلهم في تنفيذ البرامج وتطبيق السياسات التي يتطلبها الموقع العام. ، هذه الفكرة الأساسية لا أقصد من تناولها هنا محاكمة أو تقييم دور وبنية العائلة أو العشيرة.. وإنما توضيح الفارق في الأدوار والوظيفة والمسؤولية بين البنى الوطنية والاجتماعية العامة والبنى الاجتماعية العضوية الطبيعية.
ولأن الواقع الاجتماعي - السياسي مسكون بهذه الثقافة القاصرة لهذا نلاحظ أن الكثير من الناخبين غير مشغول بتقديم برامج جدية وحقيقية مبنية على دراسة ورؤية لأسئلة وتحديات الواقع، ففي معظم ممارسات المرشحين وحملاتهم الانتخابية تغيب البرامج الحقيقة والنقاشات العامة مع المواطنين أو المناظرات التي تساعد نسبيا على توضيح الفوارق بين البرامج المختلفة.. فغالبية المرشحين مشغولين بسمسرة الأصوات ومغازلة المفاتيح العائلية، بما في ذلك إبداء الطاعة والولاء والتناغم مع السياسات السائدة في النظام القائم... مما يعني أنه غير مشغول بالتغيير الجدي لبنية أو نظام سياسي هو المسؤول عن الإخفاقات الراهنة. هكذا يصبح المشهد وبصورة طبيعية وكأننا سننتخب مجلس عائلي وليس أعضاء برلمان.. أو مجلس بلدي أو قروي.
فكرة غرامشي التي أشرنا إليها أعلاه تناقش معضلة عميقة حتى في المجتمعات المتمرسة في العملية الديمقراطية منذ قرون.. إنه يشير إلى إشكالية بناء الكادر الذي سيقود مؤسسات الدولة والمجتمع... حيث يتم احتكار هذه العملية من قبل الطبقة المهيمنة، ولهذا نجد في تلك الديمقراطيات العريقة أن الوصول للبرلمان أو مجلس الشيوخ أو الكونغرس عملية مقتصرة على نخب محددة يجري بناؤها بدقة وأناة في المعاهد والجامعات المتخصصة في ذلك.
المشكلة عندنا أننا لم نصل بعد حتى لبدايات الوعي الديمقراطي لهذه العملية المعقدة... ما يجري عندنا هو عملية "رقص أو دحية " مشغولة ومستنزفة بالكامل في عملية اقتراع تنحصر معظم مساحاتها ومجالها على التنافس بين مرشحين يتسابقون باسم العائلات أو باسم أحزاب سياسية تعود في بنيتها وفي اختيار معظم مرشحيها للتوازنات ومراكز القوى العشائرية أو الجهوية.
هذه المعايير العميقة للممارسة الديمقراطية وما تحمله من إشكاليات بنيوية في الواقع السياسي والاجتماعي السائد اليوم في المجتمع والتي أشار غرامشي وبكثافة لجذرها العميق، شرحها الشهيد غسان كنفاني في مداخلته الرائعة "أفكار عن التغيير واللغة العمياء" حيث يقول:
"ما نقصده بالقيادة لا يعني على الإطلاق زعامة الدولة، لأن المسألة ليست ولا ينبغي أن تكون مسألة فرد أو مسألة مجموعة من الأفراد، إن المقصود بالقيادة هو كل المستويات التي يمارس منها الإنسان في مجتمع معافى قدرة التأثير.
الواقع أن رئيس الدولة أو زعيم الحزب هو من حيث الواقع محصلة لمجموع القيادات الموجودة في الجسم الاجتماعي والسياسي الذي يترأسه. ومن الظلم النظر إلى هذه المسألة نظرة ذاتية. إن تغيير قمة الدولة ليس على الإطلاق تغييرا بالمعنى الذي تعنيه الكلمة. وطالما أن مجموع القيادات التي تشكل الهرم السياسي ليست في وضع سليم، فإنه من العبث أن نطلب من ذلك التغيير أن يلبي مطامحا.
ولذلك فإننا حين نقول إن ضعف القدرة على استيعاب العناصر الشابة تجعل من المسلم به قبول مبدأ أن يظل صاحب السلطة في منصبه مدة طويلة، يشكل خلالها سدا في وجه العناصر التي تتجاوب أكثر مع تطور العصر، فإننا إنما نشير إلى جميع الأجهزة والمؤسسات والتنظيمات والأحزاب والإدارات والهيئات بصيغها السياسية والاقتصادية والثقافية.
إن هذه الظاهرة تشكل سدا غير مرئي يعرقل نقل قدراتنا العالية على التطور إلى صعيد الممارسة اليومية.
ذلك هو بالذات ما نراه مجسما في ظاهرة الهجرة والاغتراب، فالاغتراب ليس بحثا مجردا عن المال ولكن عن القيمة أيضا.
إن المؤسسة الديمقراطية ليست ترجمة للمؤسسة البرلمانية، وفي الواقع إن البرلمان هو مظهر واحد من مظاهر الديمقراطية وليس الديمقراطية.
إن الديمقراطية حس موجود بمقدار متساو، من البرلمان إلى العائلة مرورا بالمؤسسات السياسية والإدارية والثقافية التي تشكل الدورة الدموية للحالة الديمقراطية.
وأي استعاضة عن تلك الدورة الدموية الكاملة بمجرد الشكل أو بجزء من الشكل، هو في ذاته انتهاك للديمقراطية". ( كنفاني - "أفكار عن التغيير واللغة العمياء" – مداخلة قدمت في دار الندوة - بيروت 11 - آذار – 1968).
لقد سقت هذا الاقتباس الطويل لأنه يحمل مجموعة ركائز بدون وعيها وإدراكها جيدا سيستمر التعامل مع المسألة الديمقراطية ومقاربتها بسطحية مروعة.
جوهر الفكرة هو أن الديمقراطية هي منظومة قيم وبنى سياسية وثقافية واجتماعية... إنها دورة دماء الجسم الاجتماعي بكامل بناه.. من أدناها إلى أعلاها... الأسرة، العائلة، المدرسة، البلدة ، المؤسسات التعليمة، والإدارية والخدمية، المنظمات الأهلية، المؤسسات القضائية والأحوال المدنية، الإعلام، البنى والسياسات الاقتصادية، العمل والنقابات، البنى السياسية: الأحزاب، ومؤسسات الدولة، والدستور.
في سياق هذه البنى تتأسس الديمقراطية كقيم وممارسة ونظم ومنظومات، بحيث ترتقي بالوعي والثقافة والممارسة الاجتماعية بما يحافظ على دينامية هذه المنظومات الاجتماعية والسياسية ويجعل منها حاضنة لبناء الطاقات والكفاءات التي تدخل في العملية الديمقراطية بهدف الارتقاء بالواقع الاجتماعي وحماية مصالح الشعب والمجتمع والمواطن.

