Menu

وهم الانتخابات الديمقراطية في ظل الاحتلال

د.فايز رشيد

من يؤمن بإمكانية إجراء انتخابات ديمقراطية في ظل الاحتلال كما الحصار، هو كمن يتوهم السراب ماء في الصحراء. أول الغيث قطر ة، فبعض الفصائل الفلسطينية اعتقدت بإمكانية ذلك، لكن أذرعها في مناطق كثيرة من الضفة الغربية، أعلنت يوم السبت 27 أغسطس/آب الحالي 2016 انسحابها من الانتخابات، لسببين، الأول: الضغوط والتهديدات التي تمارسها مخابرات الكيان الصهيوني بسجن كل من يترشح من الوطنيين، ثم الدفع بمن هم خارج الصف الوطني للترشح. السبب الثاني: ضغوط ومسلكية السلطة الفلسطينية لإنجاح المرشحين المؤيدين لنهجها التفاوضي، وهي التي تجمع كل الأسلحة، بما فيها ألعاب مسدسات الأطفال في الضفة الغربية. أما في قطاع غزة المُحاصر، والذي تفرض عليه حركة حماس سلطتها، فلا يمكن أن تخرج نتائج الانتخابات المحلية عما تريده الحركة من الانتخابات.

سنكون في أكتوبر/تشرين الأول القادم، أمام استحقاق الانتخابات المحلية الفلسطينية. لقد وافقت معظم الفصائل الفلسطينية على خوض هذه الانتخابات، باستثناء «حركة الجهاد الإسلامي»، وقد ظلت منسجمة مع نفسها، فلم تدخل أية انتخابات. وفي الوقت الذي لا ألوم فيه أياً من التنظيمات على موقف اتخذه بالمشاركة في الانتخابات أو عدمها، إلا أنني كفلسطيني، وانطلاقاً مما رأيناه من تجارب انتخابية سابقة تحت الاحتلال، وانطلاقاً من حصيلة معرفية، «تظل متواضعة، مهما كبرت» انطلاقاً من كل ذلك أطرح رأيي مقدراً كل التقدير، كل المتحمسين للدخول في الانتخابات، ولكل المنظّرين لها، وقد يُشتم مما كتبه بعضهم، أن الانتخابات القادمة، ستوصلنا بالحتم إلى حقوقنا الوطنية كاملة غير منقوصة، وأنها التي ستحرر الوطن. 

لكن، هل يمكن أن تتشكل ديمقراطية تحت الاحتلال؟ وما الأهم، قضية التحرر الوطني أم إجراء الانتخابات تحت سلطة الاحتلال؟ من يسبق الآخر، الحرية أم الديمقراطية؟ وهل تعفي الديمقراطية الناقصة، الاحتلال من مسؤولياته تجاه الشعب الذي يحتل أرضه؟ والسؤال الأخير، هل يمكن بناء مجتمع مدني بكل مواصفاته، تحت الاحتلال القائم؟ 

لعل الكاتب البريطاني روبرت فيسك يجيب عن بعض الأسئلة المطروحة، قائلاً: لا يمكن للديمقراطية أن تعطي أكلها في أي بلد يرزح شعبه تحت نير الاحتلال الأجنبي (من مقالة له في صحيفة الإندبندت). للغزو والاحتلال أقنعة كثيرة، يصفها إدوارد سعيد في كتابه المبدع «الثقافة والإمبريالية»: بحرص الإمبراطوريات الاستعمارية الحديثة: البريطانية والفرنسية وفي وقت لاحق الأمريكية، الاعتماد على إعادة تشكيل أذهان الشعوب في المستعمرات، بقبول الاستعمار بصفته ناقلاً حضارياً لها، من التخلف إلى التقدم، من الهمجية إلى الحضارة. 

تجرى معظم الانتخابات باعتبارها إفرازاً وشرطاً «إسرائيلياً» لاتفاقية أوسلو الكارثية، وفي ظل الانقسام المستحيل تجاوزه. وقد سمعنا منذ أسبوعين اتهاماً من فتح لحماس في غزة بعرقلة إجراء الانتخابات! حماس سترد بالطبع، وهكذا دواليك، «فبداية الرقص، حنجلة»، كما يقول المثل. تجرى الانتخابات أيضاً، في ظل سلطة فلسطينية تتولى التنسيق مع الاحتلال، وفي ظل سلطة لحماس في غزة، تفرض قمعها ودكتاتوريتها ورؤاها الإخوانية على القطاع. ومع أن السلطتين بالمعنى الفعلي محتلتان، لكنهما لا يعترفان أيضاً بما تفرزه الديمقراطية. لقد فرض الكيان على السلطة الوطنية الفلسطينية، ضغوطاً أمنية وسياسية، تجبرها على فرض القيود والتهديد بالسجن والموانع، على حريات التعبير والرأي عند الفلسطينيين. فقد نصت المادة 22 من الاتفاقية الانتقالية «الإسرائيلية» الفلسطينية حول الضفة الغربية وقطاع غزة ( أوسلو 2 ) على أن: «تسعى «إسرائيل» والسلطة الفلسطينية لتعزيز التفاهم المتبادل والتسامح، وبالتالي الامتناع عن التحريض بما فيه الدعاية العدائية، ضد بعضها البعض، وبدون الانتقاص من مبدأ حرية التعبير، وسوف تتخذان الإجراءات القانونية لمنع تحريض كهذا من قبل المنظمات والجماعات أو الأفراد ضمن ولايتهما». 

تدّعي الولايات المتحدة الحرص على الديمقراطية في مناطق السلطة، هي كاذبة لأنها تريد شكل «الديمقراطية» التي يخدم مصالحها. ذكرت صحيفة «واشنطن بوست» حرفياً: أن الولايات المتحدة و«إسرائيل» تتدخلان في الانتخابات لصالح مرشحي السلطة مثلما جرى في الماضي في كل الانتخابات. أيضاً فإن تقارير حقوقية دولية (وما أكثرها) أوضحت التداخل المقصود بين السلطات الثلاث في المناطق الفلسطينية، وهيمنة السلطة التنفيذية على السلطتين الأخريين: التشريعية والقضائية، وأن السلطة التنفيذية (المقصود عباس) لم تنفذ سوى 5% من مجموع قرارات السلطة التشريعية ( أيام وجود سلطة تشريعية). لقد قام الكيان الصهيوني باعتقال 44 نائباً من أعضاء المجلس التشريعي، واختطف نائبين بطريقة القرصنة الفاشية والبلطجية النازية.. وهل بعد هذا تبقى إمكانية لإجراء انتخابات ديمقراطية في ظل الاحتلال؟