Menu

انتفاضة القرن الواحد و العشرين" الأقصى" تجربة أخرى لمن يرغب بالتعلم

وليد عبد الرحيم

1-778337

 في الواقع الفلسطيني ينبغي - بل يتحتم - تحليل و استقراء التاريخ و الواقع لا الاكتفاء بتدوينه، فقد دون الكثير نَسخاً، و تم الابتعاد عن فهم و تشريح الكثير خلال مسيرة قرن كامل من النضال الدؤوب الذي لم يسبق أن حدث مثيلٌ له في التاريخ البشري بمثل هذا الزخم و التعدد في الأساليب و الحالات و التشعبات و الوقائع، مما منحه تعقيداً منقطع النظير.

لم تحدث انتفاضة الفاتح من القرن الواحد و العشرين – أرفض شخصياً تسميتها بانتفاضة الأقصى- بسبب دخول النازي الإرهابي شارون برفقة  نحو ألفين من الشرطة و حرس الحدود ، و كان آنها زعيم المعارضة، بينما كان الإرهابي إيهود باراك رئيساً لحكومة الاحتلال.

ما يجب فهمه أولا هو أن حكومة الاحتلال بعد فشل كامب ديفد 2 و " تعنت عرفات" هي من أوفدت شارون يوم  28 أيلول-  سبتمبر 2000 إلى العاصمة الفلسطينية لاستفزاز الفلسطينيين و دفعهم للانفعال و التخبط ،و بالتالي التصرف بطريقة خاطئة تبرر عدم الوفاء بالالتزامات الدولية و ما يترتب على اتفاقات أوسلو سيئة الذكر، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى دفْعُ الفلسطينيين للهياج و لرفع الشعارات الدينية المرتبطة بالمسجد الأقصى المبارك، لربطها كثقافة مقابلة بمقولة جبل الهيكل، أي أن الشعارات الإسلامية المتطرفة، سوف تتوالد لتبرر بالتالي مقولة و وجود الدولة الدينية الأساطيرية اليهودية السخيفة، و هو ما ناضلت النازية الصهيونية لأجله طيلة و قبل وجودها ككيان غاصب على أرض فلسطين، فإسرائيل تحلم منذ وجودها بخطاب ديني إسلامي متطرف موازٍ و مماثل لخطابها اليهودي العنصري الصهيوني السخيف، و لا يبرره سواه.

كان هناك تقديران للمرحلة المقبلة بعد فشل كامب ديفد 2  من قبل الصهيونية ، الأول أن يعلن عرفات دولة مستحقَّة بحسب الاتفاقات الموقعة السابقة، و الثاني إعلان الحرب على الشعب الفلسطيني و سلطته القائمة و فصائل المقاومة، حكومة النازية فضَّلتْ و اختارت الثاني.

لقد أدركت القيادة الفلسطينية المهيمنة على القرار العام برئاسة الشهيد ياسر عرفات أن أوسلو لم يكن سوى مشروع تخديري جرى في غرفة العمليات الأميركية الصهيونية، و نشأت عنه السلطة الفلسطينية كمرحلة انتقالية لإنجاز خيار الدولة على الأراضي المحتلة عام 1967 " تقريباً" و التي تشكل أقل من عشرين بالمئة من مساحة فلسطين الحقيقية التي تعد أول دولة قائمة في التاريخ البشري، و يمتد عمرها إلى نيفٍ و ستة آلاف عام.

في كامب ديفد رفض عرفات الرضوخ بكل وعي و شجاعة و  تصميم، على الرغم من ضغوط كل العالم تقريباً عليه للرضوخ و التنازل عن أمرين غاية في الأهمية، العاصمة الفلسطينية القدس و قضية اللاجئين، فتم إقرار ما هو مضاد بالاتفاق بين كلنتون و باراك، أولاً اغتياله و صناعة قيادة بديلة، و ثانياً اغتيال المستقبل الفلسطيني بعملية تفجير شاملة، فإسرائيل و الولايات المتحدة كانتا تعلمان تماماً أن دخول شارون سيفجر الوضع.

في قمة كامب ديفيد2 ، 11 تموز يوليو عام  2000 التي جمعت بين الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات و الرئيس الأمريكي بيل كلينتون، ورئيس الوزراء الصهيوني إيهود باراك جرت نقاشات مطولة و مفاوضات وضغط لم يسبق له مثيل على الجانب الفلسطيني  من أجل إيجاد حل للصراع الإسرائيلي الفلسطيني، أثبت عرفات خلالها مقدرته العالية و حنكته السياسية.

دامت القمة لأسبوعين وباءت بالفشل، فقد طالبت السلطة الفلسطينية بتنفيذ الاتفاقات التي وقعت في إطار اتفاقية أوسلو سيئة الذكر عام 1993 قبل الدخول في مفاوضات جديدة، في حين طالب " إسرائيل" بضم القدس الشرقية نهائيا والكتل الاستعمارية و ساحل البحر الميت ومعظم وادي الأردن، و وافقت على أن تعطى السلطة الفلسطينية أقل من 80%  من الضفة والقطاع وهي نسبة 96% مما تبقى من الأرض المحتلة وليس الأراضي المحتلة عام 1967 ، كذلك أصرت" إسرائيل" على بقاء 69 مستوطنة يعيش فيها 85% من قطعان المستوطنين داخل الدولة الفلسطينية،طبعاً في ظل حماية إسرائيلية، كذلك تشرف إسرائيل على حدود أجواء وموانئ السلطة الفلسطينية بالإضافة إلى مصادر المياه، وتعطى السلطة الفلسطينية سلطة غير سيادية على سطح المسجد الأقصى ولا يمتد ذلك إلى  أسفله! بهدف الحفريات طبعاً.

فشل كامب ديفد و تم تهديد الفلسطينيين و اندلعت الانتفاضة، بعد أن دُفع الإرهابي شارون لزيارة المسجد الأقصى المبارك في العاصمة الفلسطينية .

واجه الشعب الفلسطيني دخول الإرهابي شارون بشجاعة فاقت التوقعات، وقدم التضحيات بلا تأفف أو تراخِ ، و رفعت القيادة سقف شعاراتها متجاوزة أوسلو، و كان ما كان من مواجهات أسطورية بطولية، و ساند الشعب الفلسطيني في كافة أماكن تواجده أهلَ الضفة و القطاع و مناطق 1948 المنتفضين، فهب الجميع لإنقاذ إسرائيل الحبيبة، و وقف الغرب و الشرق و حكام العرب معها، كلٌّ قام بدوره بلا استثناء، إسرائيل تقتل، الغرب يدعم، النظام العربي يضغط على الفلسطينيين، في حين ظل الشعب الفلسطيني عارياً تماما كما جرت العادة، إلا من تأييد الخطابة الفارغ أو الإعلام الرنان باعتباره مادة دسمة، وصارت الانتفاضة مُحتلاً طاغياً لشاشات الفضائيات و الصحف و أحاديث الشارع العربي، في الوقت الذي كان هناك من يفكر بكيفية إنقاذ الدولة الديمقراطية الإرهابية الوحيدة في الشرق الأوسط.

حاول الجميع بلا جدوى وأد الانتفاضة، و بعد الفشل و الإحباط كان لا بد من عسكرة الانتفاضة و خلق ذريعة تنقذ الصهيونية ،" الإرهاب" ، " العمليات الاستشهادية ذات البيان الديني لا الوطني و السياسي" كما كان لا بد بعدها من استبدال الحاوي، فحل شارون محل باراك رئيساً للحكومة، و رُتبت غزوتي نيويورك و واشنطن، ليتم افتداء تل أبيب بهما، و تشريع كل الوسائل لسحق الحلم الفلسطيني.

...  قصفت المظاهرات بالطائرات و الصواريخ و الدبابات و المدافع، ودمر ما دمر من إنجازات ،و قام جيش و مخابرات النازية بعشرات عمليات الاغتيال أهمها كان التصعيد الخطير المفاجئ  باغتيال الأمين العام للجبهة الشعبية أبو علي مصطفى ، الرجل الثاني في منظمة التحرير و العديد من القادة الكبار و الكوادر  في فتح و حماس و الجهاد و الشعبية و الديمقراطية و غيرها من فصائل المقاومة.

 وبينما أعطت العمليات الاستشهادية التي قام بها نخبة من أبطال الشعب الفلسطيني بكل شجاعة هدفهم السامي تحرير وطنهم زخماً نضالياً مشهوداً، إلا أن عطاء السياسة كان ذا هدف آخر، كانت تلك العمليات تُستغل و تقع زمنياً في غالبيتها المطلقة في لحظة تفيد موقف إسرائيل و إجرامها، لا نضالَ الفلسطينيين و صورتهم التي تتحسن وقتها  بسرعة هائلة أمام العالم!،

 كان يجب فعل أي شيء لإنقاذ خسارة الكيان الصهيوني أخلاقياً و قانونياً و سياسياً، مثلاً عمليات قبل اجتماع للأمم المتحدة أو لقاء دولي لإدانة إسرائيل، أو تحرك ما لصالح الشعب الفلسطيني، ليصدر بعدها تصريحات و بيانات دولية بصيغة إدانة الطرفين كي يتساوى الجلاد مع الضحية، أو لوأد مكسب سياسي للقضية الفلسطينية و شعبها، و هو ما حدث لعشرات المرات المتكررة و لم يكن من قبيل الصدفة ، كما وحدت هذه العمليات المستوطنين جميعهم ، بعد خلافات و انقسامات بدأت لأول مرة في المجتمع الصهيوني وجندت المزيد من التعاطف العالمي معهم، و قيدت انجازات التضحيات الفلسطينية حتى يحين موعد نسيانها، مرة أخرى ليس بفعل تضحيات الاستشهاديين الأطهار بل لنجس بعض السياسة.

هذه نقطة مهمة، فمن خلال مراجعتي الشخصية لظروف و توقيت العمليات الاستشهادية، كانت دائماً تحدث في اللحظة التي يجب ألا تحدث فيها، و لم تكن تحدث في اللحظات التي يجب و ينبغي أن تحدث فيها، كان ذلك ليس محض مصادفة، ليس من قبل الأبطال الشهداء العظماء الذين نفذوها، بل من قبل الساسة الذين وقتوا ساعة ومكان حدوثها...

مُنع التنسيق بين القوى الفلسطينية، و بورك التنسيق الأمني مع الاحتلال، و بذل إلى جانبه كل ضغط عربي لوقف التظاهرات و عمليات التصدي و المواجهات الثورية المسلحة التي كان أطهرها و أرقاها ما جرى في مخيم جنين الأسطورة و عمليات المقاومة الفدائية ضد الجيش النازي و المستوطنات في قطاع غزة

القيادة المتنفذة بدورها لم تتخذ موقفاً سياسياً واضحاً جذرياً و حاسماً و نهائياً، كانت تتقلب على فراش المفاوضات مراراً، علماً بأنها صمدت و قاتلت حتى انتهى الأمر باغتيال رأسها الراحل الشهيد الرئيس عرفات بعد صمود مشرف في مبنى المقاطعة برام الله، أما القوى الإسلامية ومَن خلفها فعينها على سلب كرسي قيادة الفلسطينيين، كان همها الوحيد حل السلطة و الاستيلاء على الكرسي، كما حدث في غزة بعدها كجائزة سياسية لوأد الانتفاضة، ويتلخص في الانسحاب من قطاع غزة مع إبقائه تحت الاحتلال، و فصل الضفة عن غزة للخلاص من الممر الآمن المتحتم التنفيذ بحسب الاتفاقات السابقة سيئة الذكر.

... في هبة البراق، ثم الثورة الفلسطينية الكبرى، صنع الفلسطينيون حالة نضال مميزة، وخاضوا أطول إضراب شامل جرى في التاريخ في وجه المحتل البريطاني لقرابة مئتي يوم، وهي حالة لا يستطيع شعب إنجازها ما لم يكن شعباً موحداً مناضلاً واعياً و عظيماً مميزاً، لكن تم وأد الثورة المتوالدة تباعاً بعد تضحيات أسطورية، التي بدأت تتطور فعلياً و تتأسطر منذ يوم الوقوف المذهل الشجاع الشامخ  لمحمد جمجوم و فؤاد حجازي و عطا الزير في يوم 17/6/1930 على حبل المشنقة.

 ثم في 1947-1948 حيث قاتل الفلسطينيون أيضاً بشكل مميز و واسع ، لكن الهجمة كانت أكبر و انتصرت العصابات النازية الصهيونية و قامت النازية الانتدابية البريطانية بتسليم فلسطين لأخواتها من العصابات النازية الصهيونية بمساعدة الأنظمة العربية المصطنعة و جيوشها من خلال مسرحية قام بها عدة ممثلين، بالإضافة إلى مراهنات القيادة على العرب و العالم.

عقب حرب 1948 قاتل الفلسطينيون من خلال مجموعات صغيرة متناثرة حتى قامت حركة القوميين العرب بقيادة جورج حبش في العام 1951، ثم بعدها حركة فتح ، ثم تحوُّل حركة القوميين العرب إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين التي تمخضت عنهما انشقاقات عدة.

هذا ليس سردا لوقائع بقدر ما هو تذكير بتاريخ، فقد تم ما تم أيضاً من برنامج في الأردن على يد النظام المرتبط عضوياً في نشوئه و بنيته بقيام الكيان الصهيوني، ثم في لبنان حيث تم خلق قوى مسلحة لمحاربة المقاومة باتفاق سري مع الكيان و بدعوى علنية مفادها حجة مضايقة الفدائيين للناس ، و كان ما كان من مشاغلة و إلهاء المقاومة عن نضالها ضد الاحتلال و مذابح في المخيمات على أيد مختلفة، و تضييق و خلق كل الظروف لإنهاء الوجود الثوري المسلح للفدائيين الفلسطينيين و ضرب و تدمير المخيمات القاعدة الشعبية للمقاومة، و بالمقابل مساندة ورعاية القوى العميلة للصهيونية، و هو ما جرى في اجتياح العام 1982 وإنهاء المقاومة في لبنان، ثم مجازر صبرا و شاتيلا و حرب المخيمات التي افتعلها و قادها نبيه بري و حركته، لاستكمال وأد الوجود الفلسطيني في لبنان.

لم يستفد الفلسطينيون من كل ذلك، و كانوا و ما زالوا يجربون المجرب كل مرة، وهو ما أفضى بفعل دعم و تحريض خارجي إلى قيام حماس بتتويج وأد الانتفاضة بانقلاب قطاع غزة في العام 2007 و الفتك بفتح، فأصبح هناك سلطتان للحكم الذاتي الوهمي، و تم تخليص إسرائيل من عقدة  الممر الآمن بين الضفة و القطاع ، و ضرب وحدة تواصل جغرافيا الفلسطينيين في المناطق المحتلة عام 1967  و شق الصف ، و إنهاء ما تبقى من منجزات الانتفاضة و إعادة النضال الفلسطيني إلى نقطة الصفر كما في كل مرة، كما إعادة استقرار الاحتلال في أماكنه، بالإضافة إلى هيمنة نهج اللا مقاومة المسلحة " نهج التفاوض اللانهائي" بعد اغتيال الرئيس عرفات، و صعود قادة أوسلو أنفسهم بدلاً من الراحل عرفات.

لقد صنع الفلسطينيون ثورة في العام 2000 سوف يبقى التاريخ يذكرها حتى آلاف السنين، لكنها فشلت كالثورات السابقة منذ قرن كامل خلا في تحقيق أي مكسب سياسي، كما يفترض لها أن تكون، ليس بفعل نكوص أو تقهقر قدرة الشعب الفلسطيني على التضحية و الصمود و الوعي الوطني الخارق، بل بفعل القوى و القيادات ذات الأحلام الرخيصة، إلى جانب القوى العالمية و توابعها الإقليمية طبعاً، و بكل تأكيد، و إن كانت الانتفاضة قد كشفت الجانب البنيوي الهش للكيان الصهيوني، كما أكدت على البنية الاجتماعية الوطنية الفلسطينية الصلبة للشعب الفلسطيني الموحد رغم شتاته، و كشفت أيضاً هشاشة و لا جدارة القيادة الفلسطينية بشتى أشكالها و مواقعها، و قد تم اختيار عنوان " انتفاضة الأقصى" لحجب أهدافها العميقة بكنس الاحتلال، و لتكريس مقولة الصراع الديني باعتباره نزاعاً تبادلياً بين الأقصى و الهيكل، و لفت النظر عن أية مطالب سياسية تحريرية و استقلالية، مما هبط بالسوية الأخلاقية للهدف الفلسطيني، ليوازي سوية أخلاق المحتل الصهيوني، و هكذا تم إفشال الانتفاضة، أو تحقيق نقلة نوعية نحو مستقبل فلسطين و شعبها .

و الآن يجب على الفلسطينيين إن فكروا بأي فعل انتفاضي أو ثوري أو خطوة سياسية أن يتعلموا الدرس انطلاقاً من النتيجة التي مفادها: ما ليس مدروساً ، مهما بلغ من تضحيات و بطولات سوف يذهب في مهب الريح، فالانتفاضة – و أي فعل نضالي آخر- ذات الشكل الاعتباطي تكلف الفلسطينيين غالياً، و لا تحصد نتائجها، الأمر هنا كما حدث كل مرة، يشبه ما يقوم به فلاح بزرع أرضه بالبذار و يسقيها ثم يترك ثمراتها تموت دون قطف أو حصاد.