Menu

المصالحة الفلسطينية: حوار وطني أم حوار قبائل!؟

نصّار إبراهيم

حين رمى كليب ابن ربيعة ناقة جار خالة جسّاس ابن مرة سعاد بنت منقذ المشهورة بالبسوس رد جسّاس بقتل ابن عمه كليبا ليثأر لناقة جار خالته، فاشتعلت الحرب بين قبيلة تغلب بن وائل وأحلافها وقبيلة بكر بن وائل وأحلافها مدة أربعين عاما وهي الحرب التي عرفت بحرب البسوس... كان ذلك في عام 494 ميلادية... كل المحاولات لوقف تلك الحرب الدامية والوصول للمصالحة بين القبيلتين لم تنفع ... فالبسوس اشترطت للصلح: إما أن ناقتها تقوم... أو يملؤون لها حجرها بالنجوم أو أن رأس كليب بالدماء يعوم! فكان الخيار الأخير هو الممكن...
أشعل الفارس المهلهل (الزير سالم) أخو كليب الحرب التي كان دستورها وصية شقيقه التي كتبها بدمه: لا تصالح!. 
على ما يبدو أن الواقع الفلسطيني يعيد الحكاية ولكن هذه المرة على شكل مهزلة كما يقول كارل ماركس... فالصراع على "ناقة السلطة الفلسطينية" الذي بدأ بعد انتخابات المجلس التشريعي عام 2006 ... ثم توج بالانقلاب الذي قادته حماس في غزة عام 2007 أشعل الحرب بين قبيلتي السلطة الفلسطينية ... وهي متواصلة منذ ذلك التاريخ وحتى اليوم.
ومع أن الجميع يحفظ قول زهير ابن أبي سلمى:
وما الحرب إلا ما علمتم وذقتمُ...... وما هو عنها بالحديث المُرَجَّمٍ
إلا أنه لا يظهر بأن الأطراف المتحاربة تعي حكمة زهير ابن أبي سلمى، لهذا لا يلوح في الأفق أي بارقة أمل بأن "حرب البسوس الفلسطينية" المستعرة بين "القبيلتين" ستضع أوزارها قريبا.
عشرات اللقاءات والمحاولات والتدخلات جرت من أجل إنهاء هذه "الحرب" أو ما بات يسمى اصطلاحا الانقسام الفلسطيني... ومع ذلك لم تنجح المصالحة وكأنها مشروطة بما يشبه مستحيلات البسوس.... ولهذا تتواصل بلا هوادة منذ عقد من الزمان. 
الفارق ما بين حرب البسوس الأولى والحرب على "ناقة السلطة" في فلسطين هي أن الأولى تبدو مبررة ومنطقية أكثر بمعايير ذلك الزمن ومنظوماته القبلية والاجتماعية.. كونها تعلقت بشأن اجتماعي وشخصي مرجعيته منظومة الثأر القبلي... أما حرب "البسوس الفلسطينية" فإنها تدور تحت راية حماية الشعب الفسطيني وحقوقه الوطنية التي يرفعها كل طرف... بمعنى أن "الحرب" الفلسطينية الداخلية يجري تسعيرها باسم الدفاع عن القضية الفلسطينة وحقوق الشعب الفلسطين المحكوم بالمواجهة الطاحنة مع الاحتلال الكولونيالي الإسرائيلي المتواصل منذ سبعة عقود... 
يقول تشارلز ديكينز بما معناه: أشد الألم أن تشعر بالخجل في وطنك.
بالضبط ... إن كل فلسطيني في فلسطين وخارجها يشعر بالخجل من الحالة التي وصل إليها الواقع والأداء السياسي الفلسطيني... شعب مشرد ولاجئ... يواجه القتل اليومي.. أرضه تنهب وثرواته وتاريخه وحضارته وتراثه يستباح... ومع ذلك فإن قياداته مشغولة بالصراع على "ناقة السلطة" المحاصرة في معازل بين حاجز وحاجز بين جندي ودبابة.. بين جدار ومستعمرة... بين سجن وزنزانة... بين حرب وحرب... فلم لا يشعر الفلسطيني بالخجل في وطنه المحتل فيما قواه السياسية منقسمة على ذاتها تحت سقف سلطة الاحتلال!!!!؟.
لقد ملّ الفلسطيني حد القرف والألم والغضب من كل الثرثرات والحوارات والمشاورات حول ما يسمي "المصالحة" الفلسطينية... لماذا!؟.
ذلك لأن مفهوم "المصالحة" يهبط بالنقاش من مستوى قضية وطن وحقوق شعب ومهام حركة تحرر وطني إلى مستوى صلحة بين تنظيمين فلسطينيين.. وكأن مصير فلسطين وشعبها بات مقيدا بالعلاقة بين هذين التنظيمين وتوزيع الصلاحيات والأدوار بينهما. 
ألا تدرك قيادة هذين التنظيمين أن ما جرى يتجاوز مفهوم المصالحة والصلح والصراع على النفوذ والمناصب والأدوار.. وأن هذا الصراع يضرب في العمق ركائز القضية الوطنية الفلسطينية ومفهوم الوحدة الوطنية الفلسطينية، كما يضرب مفهوم الجغرافيا والديموغرافيا الفلسطنية... ألا تدرك أنه يمثل طعنة للوعي الوطني الجمعي الفلسطيني وتمزيق للذاكرة، وأنه يشكل عملية تدمير متواصلة لمفهوم البرنامج الوطني واستراتيجية العمل الوطني التي تشكل شرطا حاسما لانتصار حركة التحرر الوطني!. 
ليس الفلسطينيون بحاجة لواسطات من هنا وهناك لتجاوز معضلتهم وأزمتهم ... إلا إذا كانت الأزمة هي فعلا شأن شخصي بين حركتي فتح وحماس... وبالتالي فإن كل ما تحتاجه هو طرف آخر ينظم لقاء مصالحة أو جلسة صفاء وتبادل للقبل.
لقد ملّ الفلسطينيون من هذا التراشق والتلاسن المستمر بين حركتي فتح وحماس... كما ملّ الفلسطينيون أيضا من عجز قوى اليسار الفلسطيني وإخفاقها في توحيد جهودها لفعل شئ جدي يوازي ما تقوله في خطابها السياسي والاجتماعي. 
وعي وقراءة ومواجهة الأزمة أو المعضلة أو المأزق الفلسطيني العاصف المستمر منذ سنوات هو جوهر مهمة حركة التحرر الوطني الفلسطيني بكامل أطيافها... ذلك لأن الانقسام، وبالرغم من كل ما ترتب عليه من مآسٍ، إلا أنه ليس هو الأصل في الأزمة... فهو في الحقيقة والعمق نتيجة وليس سببا... 
إنه نتيجة لأنه محصلة سياقات وإخفاقات وإدارة فاشلة للصراع تذهب كثيرا لما قبل لحظة الانقسام... لهذا، فإن شرط الخروج من دائرة العجز والانحباس الشامل سياسيا واجتماعيا واقتصاديا ووطنيا... لن يكون عبر لقاءات "مصالحة" لمعالجة النتائج المباشرة للصراع على تقاسم السلطة أي الانقسام... بل في عمل فلسطيني سياسي فكري ثقافي نضالي عميق وأصيل يعيد قراءة الواقع والتجربة... يعيد تقييم الخيارات السياسية الفلسطينية وما ترتب عليها من إخفاق سياسي، وقراءة أسباب التراجع الذي ضرب مقاومة الشعب الفسطيني وهبط بقضيته حتى أصبحت مجرد مساومات على التفاصيل الثانوية... أو مجرد صراع على تقاسم سلطة باهتة وعاجزة محكومة بسقف اتفاقيات أوسلو التي لم تلب الحد الأدنى جدا من حقوق الشعب الفلسطيني ومع ذلك تجاوزها الاحتلال بعيدا. 
الحركة الوطنية الفلسطينية بقواها المختلفة ليست بحاجة لمصالحات، إنها وقبل أي شئ بحاجة لإعادة بناء ذاتها بصورة شاملة بما في ذلك بناء استراتيجية العمل الوطني الفلسطيني على مختلف المستويات... 
هذه المهمة الواضحة ليست بحاجة لواسطة من قطر أو السعودية أو مصر أو غيرها... إنها بحاجة لقرارات سياسية فلسطينية ذاتية جريئة تنطلق من بديهة واحدة: قضية فلسطين وحقوق الشعب الفلسطيني وحقه في المقاومة هي مرجعية أي موقف أو لقاء أو برنامج، حسم هذا الأمر هو رهن للعامل الذاتي الداخلي... وليس رهنا بأي قوة خارجية حتى ولو كانت عربية. 
ذلك لأننا أمام حالة وأسئلة فلسطينية تتخطى أبعادها وتعقيداتها المختلفة فكرة "المصالحة"، أسئلة تذهب إلى طبيعة التحديات التي تواجه الشعب الفلسطيني والمخاطر المحدقة بالقضية الفلسطينية والحقوق الوطنية الفلسطينية مما يفرض مقاربة تختلف جذريا عن مفهوم مصالحة. 
بمعنى... هل الشعب الفلسطيني بحاجة إلى مصالحة أم إلى إعادة بناء مفهوم الوحدة الوطنية كمفهوم سياسي، اجتماعي، ثقافي وسلوكي بكل ما تستدعيه هذه العملية من شروط تعيد إطلاق دينامية الوحدة والمقاومة إنطلاقا من البديهة الذهبية التناقض والاختلاف في إطار الوحدة الوطنية؟ 
وهل لقاءات ما يسمى بالمصالحة بين حركتي فتح وحماس تأتي تحت ضغط الأزمة التي يواجهها كل طرف، أم أنه يأتي لإعادة تقييم استراتيجيات العمل وتحديد الخيارات الوطنية في ضوء التحولات والصراعات الجارية في الإقليم، وفي ضوء المأزق الذي وصلت إليه المفاوضات بين الطرف الفلسطيني والإسرائيلي؟ وبكلمات أخرى، هل المطلوب عملية هروب من الأزمة أم رؤية وخيار يقطعان إستراتيجيا مع السياسات الخاطئة والبائسة التي أوصلت إلى لحظة الاقتتال والانقسام؟.
إذن.. ليس المهم أن نذهب إلى المصالحة أو لا نذهب، فالأكثر أهمية هو التحديد الواضح سياسيا واجتماعيا وتنظيميا واستراتيجيا لماذا نحن ذاهبون إلى "المصالحة"، ومن الأفضل هنا استخدام تعبير إعادة بناء الوحدة الوطنية كتعبير سياسي فكري دقيق، مع تحديد الأسس التي سنعيد بناء تلك الوحدة عليها بما في ذلك استراتيجية العمل الوطني التي عليها أن تقف أمام عناوين كبرى من نوع: خيار المفاوضات، المقاومة، التحولات الإقليمية والعالمية، مرجعية عملية سلام، إعادة بناء منظمة التحرير، العلاقة الناظمة ما بين م. ت.ف والسلطة، العلاقة بين مهام التحرر الوطني والمتطلبات الاجتماعية والاقتصادية، وغير ذلك الكثير من الأسئلة الكبرى والهامة التي بدون تناولها والإجابة عليها بوضوح فلن تعني "المصالحة" أي شئ بالنسبة للشعب الفلسطيني، حتى لو توجت بقبلات ومصافحات وتبادل التهاني والتبريكات... فمن يضمن لنا أن لا نعود إلى ذات المربع بعد شهر أو شهرين.. مثلا؟!!!

لقد تشكلت عبر التاريخ الكفاحي الطويل للشعب الفلسطيني ثوابت وركائز سياسية وتنظيمية وأطر وأشكال مقاومة واضحة هي أساس البرنامج الوطني.. كما نشأت حقائق وظروف وتحولات اجتماعية واقتصادية وإقليمية وعالمية تستدعي تطوير وتجديد الإستراتيجية الوطنية الفلسطينية وذلك من على قاعدة الاتفاق على الركائز والثوابت الوطنية مع الاحتفاظ بحق الاختلاف الذي تبقى مسألة حسمه رهن بالحياة والنضال الطويل.

لا أدري إلى أي مدى تدرك القيادات والقوى السياسية الفلسطينية فداحة الكارثة التي يعيشها الشعب الفلسطيني...!؟ 
ما أنا متأكد منه أن غالبية الشعب الفلسطيني لم تعد تثق بالقيادات والقوى السياسية الفلسطينية، أو على أقل تقدير توجه نقدا عنيفا لأدوارها وأدائها وبرامجها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والنضالية، حتى وإن بدت تلك الأغلبية الشعبية صامتة وصابرة... 
ما أنا متأكد منه أن غالبية الشعب الفلسطيني في الوطن واللجوء لا زالت قضيتها وحقوقها شأن مقدس... 
ما أنا متأكد منه أن غالبية الشعب الفلسطين وبقدر ما يعاني واقعها من الاختلال في موازين القوى، وبقدر ما تدفع من تضحيات هائلة وما تعانيه من قهر وألم بسبب الاحتلال إلا أنها وبالممارسة تبرهن يوميا أن روح الشعب الفلسطيني وإرادته لم ينكسرا...
لا أدري ماذا تريد أي قيادة سياسية فلسطينية من هذا الشعب أكثر من ذلك وأروع!.
خلاصة القول.. ليس الشعب الفلسطيني بحاجة ل"مصالحات وعطوات" .. إنه يريد قوى سياسية تتمتع بعقل استراتيجي علمي... قوى تعيد تقييم الواقع واستراتيجيات العمل وأشكال التنظيم... قوى حيوية وفاعلة بمقدورها أن ترسم وتتفق على استراتيجية وطنية جامعة... وأن تخضع عمل التنظيم السياسي لمصلحة الشعب الفلسطيني... وأن تعيد تجديد وتطوير البنى الوطنية الفلسطينية وخاصة م.ت.ف. بما يلبي استحقاقات هذا الصراع الضاري والطويل، وأن تكون بمستوى المجابهة مع مشروع عدواني يعمل ويتصرف يوميا وفق أعلى درجات الفاعلية والحيوية الإستراتيجية وفي مختلف المجالات. 
لقد أبدع الشعب الفلسطيني حتى في المراحل الصعبة اشكالا رائعة في الصمود والبقاء والمقاومة... بما يضع الاحتلال الإسرائيلي موضوعيا ودائما أمام أسئلة وجودية... كما أنه شعب يزخر بالطاقات والكفاءات الشبابية المدهشة... وفي ذات الوقت يشهد تطورات اجتماعية عميقة بحكم التحولات العاصفة في الأقليم والعالم ... كل يفرض على القوى السياسية الفلسطينية أن تقف لكي تستجيب لهذه التحولات سياسيا وبرنامجيا وتنظيميا وكفاحيا... بهذا فقط تبرر وجودها وجدواها وأهميتها في حياة ومقاومة الشعب الفلسطيني على طريق حريته واستقلاله الوطني الكامل.