حالة الجفاف والحرائق المرتبطة بها تذكر لأي حد بلغت وحشية اقتلاعنا من هذه البلاد وتغريبنا خارجها وداخلها، فالمقولات البسيطة والمكررة عن وفاء الأرض لأصحابها ودور هذا الارتباط بين الإنسان وبيئته في تدعيم قدرته على مواجهة الغازي الغريب المعادي للأرض والانسان، تبدو مجرد ملصق دعائي قياسًا بكل ما نتداوله بيننا بخصوص الحرائق التي اندلعت على نطاق واسع في أراضي فلسطين المحتلة.
يحتاج ذهن من يتمثل الصراع إلى جهد خارق ليتجاهل كون هذه الحرائق محاكاة طبيعية لمناورات الإخلاء المرتبة كرد فعل على هجوم واسع النطاق، قد تتعرض له مستوطنات الغزاة، أو باعتبارها محاكاة لهذا الهجوم ذاته وفرصة لإرغام العدو على الاتجاه لنقل أو لحماية بناه التحتية والعسكرية التي يتموضع الكثير منها في أحراش بلادنا وعلى سفوح جبالها ومراقبة ما سيفصح عنه هذا التحرك- رغم إدراكنا أن هذا إفراط في الخيال ولكن الطبيعة بالفعل انتجت محاكاة متماثلة لكلا العمليتين المتخيلتين - ولكن نقاشتنا تدور في مواضع أخرى تماماً. ولا لوم هنا على أفراد أو جماعات حول تفسيراتهم للحدث أو مقاربتهم لتداعياته، ولكن مجرد استذكار لمقولة صديق حين يردد الحديث النبوي قاصدا به علاقتنا بكل حصاة في هذه البلاد " أحد جبل يحبنا ونحبه".
غربتنا عن بيئتنا ، حقولنا ، جبالنا، بحرنا، مواسمنا، رياحنا، يجعل من تنظيراتنا حول الغريب وصاحب الأرض أقرب للشعارات المدبجة في بيانات الفصائل الفلسطينية أو على بوستراتها المنتجة في حقبة السبعينات عن التحرير، وحرب الشعب طويلة الأمد، فمحاباة هذه الأرض لنا في الصراع اليومي أو في المعارك حين تحتدم مرتبطة بإدراكنا وتمثلنا لها كحليف ضروري في هذا الصراع، لا كغنيمة قد نتورثها بعد انتهاءنا منه أو ظفرنا فيه، فلا يمكن كسب هذا الصراع دون استعادة هذه المحاباة.
في ظروف الحرب الحديثة باتت كثير من العوامل الطبيعية كالمناخ وحالة الجو تسقط تلقائياً بفعل جبروت الآلة وتقدم معارف الحروب، ولكن الكثير منها لا يزال يقوم بدورها في خدمة من يعانقها.
بعد التوسع في استخدام الأنفاق كمورد قتالي للمقاومة في قطاع غزة ومع سقوط الشهداء تباعا كنتيجة لحوادث متصلة بإنشاء الانفاق أو استخدامها بات بإمكاننا ان نستذكر ذلك الإرث الشفوي حول طبقات أرضنا (الكركار والطين وعرق الرمل والبادود والنزاز ) كل هذه المسميات التي غابت بفعل غربتنا عن نمط عيشنا السابق ولم يعد يستخدمها إلا حفّارو الآبار عادت من جديد واحتلت موقعها في التعليق على أحداث مماثلة، وكذلك بات للمطر أو الريح معناه الصراعي رغم غربة الغزيين في غابة الاسمنت في قطاع غزة.
شخصياً لا زلت أشعر برهبة وغربة تجاه الجبال وأتوق لمقاربتها بكثير من الفضول والوجل، ويصعب علي ذكر أمثلة مناظرة فيما يتعلق بالضفة الغربية أو الأراضي المحتلة عام 1948 أو ضفاف الفرات والليطاني، ولكن أدرك أن لدى أبناء تلك المناطق ما يحتاجونه على سطح أرضهم أو في جوفها وكذلك في السماء فوق رؤوسهم، ولكن الحرائق الحالية تذكر بقصة تكتيك بسيط استخدم ضد الغرباء عبر اشعال النار في حقولهم، وعن قطط مسكينة احترقت حين ربط أهالي البلاد في ذيولها خرق من القماش المشتعل لتركض وتنشر الحرائق في كل حقولنا المسلوبة وتحرم المحتلين من حصادها أو تزعجهم على الأقل.
اتمثل اليوم عجزنا عن استثمار الحدث الطبيعي واتذكر ان خيار المساهمة في توسيع هامش الحرائق وتحويله لأداة فعل عقابي ضد الاحتلال قد يكون أفضل ما نفعله الآن بدل الانشغال بجدلية مكانة الأرض كقيمة أو أداة ، وقد يكون خير عناق ووفاء لهذه الأرض، وانتظار كل همسة أو نداء من هذه البلاد لنتجاوب معه. ربما كل هذه "الخيارات" قد تبدو محض هراء ولكن كونها كذلك لا ينفي للحظة حقيقة غربتنا الجدية عن ذاتنا وبلادنا وهواءنا.

