Menu

"انتهى الوقت!"

نصّار إبراهيم

يندفع الأنسان وراء فكرته، يصعد معها ويتوقد... يأخذ نفسا عميقا، يراقب الحضور ويهم بالمتابعة... ثم فجأة يأتيه صوت من وراء الطاولة في صدر القاعة: انتهى الوقت!... يعترض: ولكني لم أنهِ حديثي بعد...! 
أعرف... ولكن لقد انتهى الوقت!.
ما أن تنقطع الشعرة ويهوي سيف ديموقليس بعبارة "انتهى الوقت"، حتى يحمل أحدنا ما تبقى من الفكرة التي لم تكتمل... ويعود صامتا أو غاضبا إلى مكانه، فتنكسر اللغة، ويخمد لهيب الفكرة وكأنه فوجئ بدفق مياه بارد.
"انتهى الوقت" عبارة آمرة ساحقة في حكمها، لكن المقصود هنا لا يتعلق بذلك النوع من الأوامر التي تصدر عن مدير جلسة أو مؤتمر أو لقاء، فهذا النوع من الوقت ضئيل ومرن... بل ويمكن التحايل عليه وتمديده برهة أو حتى التمرد عليه... ما أقصده هو معادلة الوقت الصارمة التي لا يتحكم بها أحد على وجه هذه الأرض، الوقت المطلق والموضوعي في جريانه إلى الأمام... الذي يمضي دون أن يلتفت لأحد أيا كان، إنها ساعة الوقت الكونية التي تمضي بإصرار دون أن تحسب حسابا للرجاء والاستجداء والأمنيات المؤجلة.
بهذا المعنى فإن عبارة "انتهى الوقت" الآمرة تلك لا تحذرنا، بل ولا نسمع حتى دبيب أقدامها حين تحين، كما لا تدخل معنا في مساومات كأن تقول لنا مثلا: لقد بقي لك دقيقة أو دقيقتان، شهر، سنة، سنتان... إننا فقط نتلقى لهيبها المباشر فورا بلا هوادة أو رحمة أو مساومة، "انتهى الوقت" يعني أنه انتهى ولن يعود... إنه يلقي بنا خارج "قاعة الفعل" دون أي نقاش...
هذه العبارة الحاسمة المطلقة في صرامتها تصدمنا وتسحقنا في كل لحظة من لحظات الحياة، ومع ذلك دائما ما نلوم الوقت الذي ينتهي فجأة ولا ينتظرنا لنكمل ما بدأنا قوله أو فعله... وفي ذات اللحظة نعتقد أو نتمنى أو نستجدي – لا فرق - أن وقتا آخر سيأتي لنكمل ما بدأناه، نعتقد دائما أن هناك فرصة أخرى، غير أن الواقع وتجربة الحياة يقولان لنا غير ذلك تماما، ليس هناك وقت آخر وفرصة أخرى لنقول أو نفعل أو نكمل ما كان يجب علينا قوله أو عمله في تلك اللحظة التي ذهبت ولن تعود، فالفرصة القادمة أو الزمن القادم، إن وُجِدا، فهما مخصصان من أجل قول أو عمل آخر... إنهما رهن المستقبل الذي لم يأت بعد... تلك الفرصة الغائبة ليست ملكنا بعد... أما إذا حدث واستخدمنا تلك الفرصة القادمة حين تأتي في وقتها بأثر رجعي، وهذا يحصل كثيرا، فإن ذلك سيكون بالتأكيد على حساب ما سيجب علينا قوله أو فعله في اللحظة القادمة تلك، فهو من حقها وحدها وليس من حق فرصة أضعناها بحماقة قبل قليل أو كثير... في هذه الحالة فإن ما نقوم به ليس إلا مجرد تسديد ديون قديمة، ومراكمة ديون جديدة لا أكثر.
ومع ذلك، وفي كل الأحوال، ومهما حاول الإنسان حتى آخر لحظة... فإنه لن ينهي ما يريد قوله أو عمله... ففي لحظة ما... سواء كانت قريبة أو بعيدة، وبدون سابق إنذار سيواجه العبارة المصيرية: "انتهى الوقت"... نعم دائما ينتهي الوقت فيما لا نزال نحتفظ في جوارير العقل بقائمة طويلة بالأمور التي نفكر بإنجازها ولم نفعل بعد... ورغم ذلك نواصل الأمل بانتظار فرصة قادمة... نواصل ذات اللعبة دون أن يعرف أحدنا أو يتأكد هل سيكون هناك فرصة أخرى أم لا...
الفرصة الأخرى هي مجرد فرضية لا أكثر... عملية تحايل أو عجز أمام الاستحقاقات التي يجب علينا القيام بها في لحظتها... الفرصة الأخرى لا يعرف أحدٌ ابدا هل ستأتي أم لا... 
بقيت مسألة أو فكرة حاسمة أخيرة تركتها للنهاية لأهميتها القصوى وهي، ولكن فجأة..... 
- انتهى الوقت!
- ماذا!!!؟.
- لقد انتهى الوقت! 
- ولكني...
- لقد انتهى الوقت.. إنصرف!
- انتهى.. انتهى... "بلاش"!