Menu

كيف تحول الجبهة الشعبية التحديات إلى فرص؟

جبريل محمد

مع دخول الجبهة الشعبية عتبة نصف قرن على تأسيسها من رحم حركة قومية ديمقراطية، يبرز السؤال التالي: هل سيتراكم الجهد النضالي للجبهة الشعبية بما يجعلها امتداد متطور لعراقة نضالية، لا تضحي ملاذاً للنخب أو المتكسبين كما حصل مع حزب البعث أو القومي السوري الاجتماعي، لقد التقطت قيادة حركة القوميين العرب الفرصة التاريخية للتجدد والاستمرار بعد هزيمة حزيران بتأسيس الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين بكل ما عانته من انشقاقات واستنكافات، لكنها لا زالت تضع بصمتها المتميزة فكرياً وسياسياً في الواقعين العربي والفلسطيني مع وجود صداقات دولية لا يستهان بها، وبالتالي فإن الامتحان التاريخي للجبهة هو في اطلاق تجديد آخر في مسيرتها الكفاحية في ظرف موضوعي صعب لكنه موات، الأمر يتعلق بالظرف الذاتي أي ببنية الجبهة نفسها.

الظرف الصعب هو حالة الوطن الكبير وما تعبث به الإمبريالية العالمية، حيث لو دققنا في تفاصيله لوجدنا أن التحدي هو فرصة، بمعنى أن تحدي الدواعش واضرابهم في ظل انكشاف ارتباط الدين السياسي بشتى تلاوينه بالمركز الرأسمالي العالمي ومن خلال جناحه المتوحش، يمكن أن يشكل فرصة للنهوض وأرضية موضوعية لانطلاق جديد، هذا إذا ما أضفنا حالة الانقسام الفلسطيني الذي وضع على قدم المساواة طرفي الانقسام كمسؤولين عن كارثة وطنية لم تعد محدقة بل ناشطة على الأرض، فان التحدي كما قال الحكيم قائم لكنه أكمل في ذات الوقت، إن المسؤوليات هي تاريخية.

فرصة اليسار الفلسطيني والجبهة الشعبية بشكل خاص هي في الانتصاب الجسور أمام التحديات، وطرح المواقف وسلوك الممارسات المستقلة عن طرفي الكارثة في فلسطين أولا، وتعزيز الدعوة القومية الديمقراطية في وجه الهجمة الداعشية والإمبريالية والتي تستهدف في جوهرها القومية العربية بأفقها التقدمي والمستقل عن سياسات العولمة الرأسمالية المدمرة للأمن والسلام في العالم والتي تعتاش اليوم على نشر الحروب، فقد هوى مشروع الإسلام السياسي وانطفأ بريقه في الوعي الشعبي، كما تعزز الإدراك الشعبي أن حروب الهويات هي حروب تقوم على تأبيد التخلف والتبعية، وبالتالي لا بد من اشفاء الوعي التخلفي الذي ابتليت به الأمة عبر طرح قومي ديمقراطي تقدمي يثبت وجوده بالممارسة العملية، وعلى المستوى الوطني لا بد من التصدي لحالة تثبيت الثنائية القطبية المدمرة والمرتهنة لنفس المركز الإمبريالي، لا بل والمذدنبة لعملاء هذا المركز حيث يتعاقد الدين السياسي لدينا من الباطن مع وكلاء صغار للإمبريالية الامريكية، وكلاء لا يقوون على رفع حواجبهم أمام السيد الأمريكي.

هنا لا نتكلم في التكتيك بل في الاستراتيجيا القائمة على التحليل الملموس للواقع الملموس، مشفوعا بالقيم الأخلاقية الثورية الدافعة نحو جسارة الموقف والممارسة، والتي تعتبر الإسمنت الذي يشد أزر المشروع كله. إن متغيرات الواقع العربي يجب أن تفضي إلى رؤية جديدة للعمل، يجب أن تدفع إلى توسيع الخيال الثوري لدى القيادات، هذا الأمر يحتاج إلى صبر وعمل دؤوب ولكن متراكم.

ليس الموضوع هو مجرد تفكير رغبوي، بل هو تحليل يقوم على معطيات موضوعية أهمها تراجع أهمية النفط، وتراجع دور الدول الريعية بالتالي، عدا عن انكشاف رجعية ودموية وتبعية الدين السياسي، وفشله في تقديم حلول للمشكلات المستعصية الناتجة عن التبعية والتخلف وسيادة الكمبرادور وتوسع الفجوة بين الطبقات والغنى الفاحش غير المبرر لها.

عدا عن ذلك هناك شباب لم يعد يهمهم صندوق الاقتراع بقدر ما يهمهم أن لا ينقضي عمرهم بحثا عن العمل أو سعيا نحو تحقيق الحد الأدنى من الكفاف، هؤلاء الشباب الذين وثقوا مرة بالدين السياسي، أو بفهلوة الليبرالية الجديدة، باتوا مقتنعين أن حل كل منهما لا يختلف عن الآخر وهما ليسا سوى وجهان لعملة واحدة، لذا هو يبحث اليوم عن البديل، هذا يحدث في كل بلاد العرب ويحدث هنا تحت الاحتلال في فلسطين التاريخية.

إن استئساد سدنة المشروع الصهيوني اليوم ليس بسبب قوتهم رغم وجودها، لكن بسبب ضعف ووهن أمة كاملة، وبالتالي فهو يزأر في وجهنا، ويدرك الخوف الذي يعيشه من المستقبل، وهذا يتضح في تعمق فاشيته ونزوعه نحو الانسجام مع صراع الهويات في المنطقة، وهو صراع بات مفضوحا، لدرجة التعاون بين الدواعش ونتنياهو.

هنا لا بد من قرع الجرس، ولا بد من تحمل المسؤولية التاريخية، يقع هذا أولا على حزب كالجبهة الشعبية والتي طالما أبدعت في تقديم الأفكار الجديدة، وتعميمها، لم تعد القوالب القديمة صالحة، ولم يعد التفكير النمطي قادرا على الاستجابة للمتغيرات السريعة، هذا الأمر لا يعني التوجه نحو سلق القضايا بقدر ما هو توجه نحو التعمق فيها ولكن دون البقاء في دائرة التنظير.

فإذا كانت الجبهة الشعبية حريصة لا على ديمومتها ككيان فقط، بل كفكرة وقيم وأخلاق  فإنها مدعوة الآن إلى أن تعيد للاستراتيجية وهجها وقيمتها المعنوية والسياسية، أن تعيد تثقيف الجماهير بالقضايا الكبرى لا باليومي، أن تخلق جيلا من الذين يحترمون عقولهم ويفكرون لا يتبعون النصوص الجامدة والآليات التي لم تعد صالحة، هذا يحتاج إلى قيادة تحضر للدور التاريخي لا قيادة تبحث عن مشاركات صغيرة في نظام إقليمي أو محلي هو في النهاية تابع للمركز الإمبريالي.

أصدقاء ومريدو الجبهة كثر في فلسطين والوطن العربي والعالم، وهؤلاء بتكاتفهم يمكن أن يخلقوا رافعة للجديد، ولدى الجبهة من ارث تاريخي وقيم ما يؤهلها للإقدام... فإلى الأمام دوما نحو النصر.