Menu

إرث الماضي ورهانات المستقبل

حسين البدري

تأسست الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، في وقت كانت حركات التحرر ضد الوجود الاستعماري تملأ الأرض شرقًا وغربًا، في زمن كان هدير هتافات الجماهير يصُم الآذان الإمبريالية بأسماء ستظل خالدة في وعي الشعب الفلسطيني خاصة، والشعوب العربية عامةً: جورج حبش ، وديع حداد، أبو علي مصطفى، غسان كنفاني، وغيرهم كثيرون من الشخصيات الخالدة في ضمير شرفاء العالم.

شكلت الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين أنموذجاً نضالياً في وعي الكثيرين من المنتمين فكرياً لليسار من أقصى الوطن العربي إلى أدناه، بل في العالم أجمع، لذلك اجتذبت الجبهة المناضلين من شتى بقاع العالم: من اليابان إلى فنزويلا، كانت «الأرض بتتكلم عربي» بلهجة فلسطينية، والمساهمة الكبرى للجبهة في رأينا تتمثل في إدراكها المبكر لحتمية ربط عدالة القضية الفلسطينية وتحرير الأرض المحتلة بكفاح الإنسان عامة للتحرر من القيود الاقتصادية والاجتماعية في المجتمعات الرأسمالية، إثر تبنيها المنهج الماركسي ال لينين ي، لأن كل الطروحات الأخرى مع الاحترام الكامل لأصحابها ربما كانت مرحلية، وبعد القليل أو الكثير من الوقت ستتراجع إلى تبنى حلول سهلة ليس أقلها "السلام" مع العدو، وأفدحها العمالة لصالح دولة الاحتلال- ولو كانت فكرية- تحت ذرائع عديدة ودعاوى شتى.

وظهرت بعض تلك التراجعات في اليمين الفلسطيني، وإن ظلت بعض فصائله في معسكر الرفض للحلول الاستسلامية، لكن في النهاية، اليسار وحده هو المخول بحمل القضية إلى نهاياتها المأمولة لنا كعرب، وسيبقى قابضًا على جمر حتمية التحرير من النهر إلى البحر دون استسلام للعدو.

وكانت ذروة كفاح الثورة الفلسطينية مرتبطة بدور رئيس للجبهة وقياداتها التاريخية، وارتبط صعود الاهتمام بالقضية الفلسطينية عالميًا بكفاح الشعب الفلسطيني، وفي القلب منه دور الجبهة الشعبية، في سلسلة من العمليات النوعية التي أقضت مضاجع العدو، وتراجعت القضية الفلسطينية إثر عوامل عديدة، في القلب منها أيضًا تراجع دور الجبهة الشعبية، لذلك ففي اعتقادي أن استعادة وهج النضال الفلسطيني مرهون في الأساس باستعادة الجبهة الشعبية لدورها النضالي الرائد سياسيًا وكفاحيًا.

ولا نغفل في هذا السياق تراجع دور حركات التحرر في العالم أجمع، فضلا عن المؤامرات التي جرت، بمباركة رؤساء وملوك العار العرب ضد القضية الفلسطينية، وأيضًا الانهيارات الكبيرة، آخر القرن الماضي، في معسكر الدول المناهضة للإمبريالية، لكن للإنصاف يجب ألا نغفل أيضًا تراجع الجبهة الشعبية على كل المستويات، التنظيمية والكفاحية وحتى الفكرية، ما منح فرصة ثمينة لأصحاب الحلول الاستسلامية لفرض رؤاهم التعيسة على الواقع الفلسطيني، انتظروا تلك الفرصة كثيراً واقتنصوها إثر تراجع الكفاح الفلسطيني، واحتالوا على طموحات الجماهير في تحرير كامل الأرض، إلى الاكتفاء بسُلطة هزيلة منزوعة السلاح والتأثير على جزء محدود للغاية من فلسطين التاريخية.

الآن، ونحن على مشارف نصف قرن من تأسيس الجبهة الشعبية، في وقت ترزح القضية الفلسطينية فيما يشبه «غيابات الجب» تحت قيادة تتشارك مع الاحتلال في رؤى تغييب الكفاح الفلسطيني، وتشاركه أيضاً تشييع مجرم الحرب الدولي، شيمون بيريز، إلى لحده الأخير- نحن كنا نحب أن نشيعه برصاصة في رأسه اللعين، لا أن تشارك قيادة شعب تحت الاحتلال في مراسم جنائزية رسمية تكريماً لمن قاد وشارك في قتل وتهجير هذا الشعب الأعزل- وحتى الفتات الذي كان متاحاً زمن ياسر عرفات أصبح ضنيناً في زمن القيادة الحالية، لذلك يصبح إعادة إحياء الكفاح الفلسطيني، وفي القلب منه دور الجبهة في سبعينيات القرن الماضي، فرض عين على كل المنتمين فكرياً إلى عدالة القضية الفلسطينية وحتمية تحرير الأرض السليبة من النهر إلى البحر.

•        أديب وكاتب مصري.