Menu

الجبهة الشعبية وقضايا الصراع الاجتماعي

جبريل محمد

ربما ما ميز الجبهة الشعبية منذ ولادتها هو الجرأة في الطرح، ومحاولة تقديم الجديد في الساحة الفلسطينية وما ميزها منذ البداية عن اليمين وعن اليسار التقليدي (السوفياتي) في الساحة الفلسطينية، هي أنها قدمت فكراً يحاول التأصيل بين البعد الاقتصادي - الاجتماعي والبعد القومي التحرري للقضية العربية بشكل عام، وفي القلب منها القضية الفلسطينية. على أن ذلك لم يكن عميقاً، بقدر ما اقتصر على الشعارات العامة، دون التأصيل الفكري والنظري المعمق الذي يدفع نحو رسم خطط وبرامج مستندة إلى تحليل ملموس لواقع ملموس وفي حركته وتغيره الدائم.

هنا والجبهة تدخل نصف قرن من كفاح ضروس، لا بد أولا أن أوكد أنني لست في معرض طرح انتهازي يميني، بقدر ما أحاول أن أقدم قراءة تحاول الدفع بالجبهة للأمام عبر استعادة دورها الشعبي الجماهيري النشط والفاعل في الميدان، وكل هذا ليس اعتذارا عن فكرة أو تقديماً لها على استحياء، ولكن محاولة لتوجيه البوصلة حيث يمكن الابحار ومواجهة أقل الأمواج عتواً.

ليست الجبهة سوى ثمرة أعمار الرفاق ممن استشهدوا وممن جرحوا وممن أُسروا، وممن لا زالوا رغم كل ظروف الجزر يحاولون القبض على الجمر والمشي على الشوك حتى ولو ابتعدوا تنظيميا عن البنى الحزبية، إلا أنهم لا زالوا يحتفظون بجذوة الفكرة المتقدة، ولا زالت غالبيتهم العظمى تحمل روح الانتماء، وكل ما تحتاجه الجبهة هو أن تجد لهم إطارا يستطيع تأطير طاقاتهم وتفعيلها وتوجيهها.

وإذا كانت الجبهة تعتمد المنهج الاشتراكي العلمي، وهذا يجب أن يقال بصوت عال ودون وجل، وإذا كان هذا المنهج يهدف إلى الارتقاءبالإنسان وتحريره من الاغتراب الواقع عليه وهو مركب في حالتنا الوطنية، فإن الأولَّى هو تشغيل وتزييت الماكينة الفكرية من جديد، وإعادة البناء على أساس تعميق الوعي بكل القضايا، لأن المهمة الآن هي مهمة استنهاض لا مجرد تركيم كيفما شاء على إنجازات الماضي، فالتركيم العشوائي هو قطع للتراكم الحقيقي، وكأنك تحاول أن تكبر الكومة ولكن بركام متناثر هنا وهناك ولا يخضع لأي نظام.

سقت هذه المقدمة كي أمهد لقراءة نقدية في تعامل الجبهة الشعبية مع قضايا الصراع الاجتماعي في الوطن على الأقل، وهو تعامل اتسم بردات الفعل أولاً، وبالسذاجة الفكرية ثانياً، وثالثًا وهو فوق كل شيء ضعف الربط الحقيقي بين التغيرات الاجتماعية - الاقتصادية وبين المآلات التي وصل إليها المشروع الوطني ومهمات التحرر الوطني التي مسخت من مواضيع للفعل الناشط في الميدان الوطني العام،إلى استبدالها برمزيات ومظاهر وأشباه مهمات، كسلوك تعويضي عن العجز عن الاستمرار في المهمة الوطنية التحررية، ليصبح اتفاق أوسلو بوابة العبور إلى دولة باتت افتراضية وغير ممكنة في ظل انتشار السرطان الاستيطاني، وفي ظل الفصل بين مفهوم الدولة كتعبير عن التحرر ومفهوم الدولة لذاتها والذي بات بحق تعبير عن طموح طبقة جديدة.

فليست كارثة أوسلو بحالة مقطوعة الجذور عن السياق التاريخي الذي سبقها، بل هو الثمرة الحتمية لسلوك الطبقة القائدة لمشروع التحرر الوطني،إنه ثمرة فكرها وموقعها الطبقي، سواء كان ذلك اضطرارا أو اختيارا، ومن بين كوارث أوسلو الكثيرة،أنه خلق طبقة هجينة تزاوج فيها البيروقراطي السلطوي مع الكمبرادور التجاري مع المرابي المصرفي، واللورد العقاري، لنكون إزاء تحالف لشرائح برجوازية طفيلية، رأت في السلطة مشروعها، وفي ريع الدول المانحة مصدراً للتداول السهل والسريع وضمن سقوف وأجندات المانحين، بمعنى أننا بتنا إزاء طبقة اجتماعية جديدة تمسك بزمام السلطة في يد، وتركن إلى التعاون مع الاحتلال اقتصاديا عبر تعميق الإلحاق، وما ينتج عن ذلك، من قيم هي أبعد ما تكون عن قيم التحرر كالاستهلاك الترفي وعدم الرشاد في استغلال المصادر المتاحة، وتكديس الودائع الفلسطينية في البنوك التي لا تستثمر في الاقتصاد الوطني أكثر من 15% منها، بينما تبلغ قيمة هذه الودائع 6 مليارات دولار، وهي تبلغ ضعف الاستثمار الاجنبي في الاراضي الفلسطينية.

ينتج عن ذلك هوة عميقة وواسعة بين غالبية الشعب الكادح أو الذي يبحث عن الكدح في ضوء البطالة، وبين مجموعةصغيرة جداً تحتكر كل مقدرات الاقتصاد الوطني وتتلاعب به كيفما شاءت رياح أرباحها، وبشراكة وتواطؤ حكومي بائن وواضح منذ ما قبل "الحقبة الفياضية" حتى لا نحمل الرجل كل الأوزار وإن كانت أوزاره ثقيلة جداً.

أما على المستوى الاجتماعي، فقد سادت الاتكالية غير المنتجة وثقافة التكسب تدعمها الزبائنية السياسية، بحث تحولت حقوق الناس الاجتماعية والاقتصادية إلى منّة يقدمها طرفا الخراب الوطني، سواء كان ذلك على شكل وظائف أو على شكل حسنات وهذا حسب أهمية المتلقي، وبالتالي ليست حماس بمختلفة عن فتح. فالموضوع ليس مجرد فساد ومد يد إلى المال العام وحقوق الناس، الموضوع هو صعود طبقة جديدة على استعداد لأن تضحي،إن لم تكن ضحت بالمشروع الوطني كله مقابل مصالحها الطبقية، وبقائها واستمرارها وتطورها.

ما سقناه سابقاً ليس سوى عجاله مظاهر تحتاج إلى سبر وتمحيص، وتحتاج إلى تقديم رؤية مبررة علمياً ليس لتفسير الواقع وتشخيصه، إنما للبحث عن أفضل الأساليب للربط الخلاق بين الوطني التحرري والديمقراطي الاجتماعي - الاقتصادي الذي يخدم العملية التحررية الوطنية ويعطيها وجهها التقدمي، بما يحفظ لليسار دوره وقدرته على الاستمرار في مشروعه الإنساني.

ففي خضم انخراطها الفاعل في الموضوع التحرري الوطني، تجاهلت الجبهة الشعبية موضوعة الصراع الاجتماعي، أي أنها لم تضع للفقراء والكادحين خطة يعملون على أساسها لمواجهة الهجوم الشرس للطبقة الجديدة، لم ترفع الجبهة صوتها عالياً، واكتفت أن يحل محل دورها التاريخي هذا، منظمات أهلية مرتهنة للتمويل الأجنبي وأولوياته، الأمر الذي همش دورها وأعلى من دور التكنوقراطيين الذين باتوا شريحة مستفيدة من "نعمة" أوسلو والنيوليبرالية.

 وعلى المستوى الفكري الثقافي ضَعُف إنتاج الجبهة في هذا المجال، وحنت رأسها لعاصفة الحجاب، كما حنت رأسها لكثير من المفاهيم الرجعية، ظناً منها أن ذلك يحافظ على وجودها، فيما النتيجة انحسار شديد في القوة والتأثير.

نعم ربما تقود الجبهة أو تشارك في كثير من المناشطات على قضايا اجتماعية، ولكن هذا لا يشكل سوى ردات فعل غير مستمرة ومتقطعة ومناسبية، ودون أن تمتلك برامج حقيقية وكادراً نضاليا مؤهلا لقيادة وتنفيذ هذه البرامج، وعليه فإن الجرأة الثورية والتي عادة ما تتمتع بها الجبهة تقتضي منها أن تقف عند هذه الموضوعة، وأن توليها الاهتمام العميق، وأن تبني لذلك الهياكل الفعالة وغير البيروقراطية، وأن لا تركن إلى تكنوقراط المنظمات الأهلية. يجب أن تعيد الجبهة بناء كل قطاعاتها الجماهيرية، العمالية والفلاحية والطلابية وقطاعات المعلمين والقطاعات المهنية الأخرى، ولكن ليس لأجل التعداد، بل غن كل قطاع يجب أن يبني برنامجه، وأن يضع شعاراته، في حين يجب على المركز أن يخصص دائرة نشطة في هذا المجال، من هنا نبدأ حالة الاستنهاض فلا مشاركات بروتوكولية في المؤسسات والهيئات الوطنية تفيد ولا البكاء على لبن المصالحة المسكوب، يجب على الجبهة أن تشق دربها بعيداً عن التلوث بالمحاصصة.

سقت هذا لأننيأرى أن مدخل العمل الديمقراطي الاجتماعي الفعّال هو الوسيلة الأنسب للاستنهاض، ما دام الظرف السياسي لا يحمل أفقاً ايجابياً، ولأن هذا العمل هو من صلب الفكرة ومن صلب النشأة، وعليه لا بد من استخدامه سلاحاً، ولا بد من تجاوز كل التشظيات بالانغماس في العمل خارج المناسبات الإعلامية، نحو مقارعة الطبقة التي تهدم المشروع الوطني حتى تحافظ على مكاسبها.