مما لا شك فيه أن الأوضاع في فنزويلا نتيجة للأزمة التي لا زالت تشتد وتتفاقم ستبقى محل اهتمام محلي ودولي حتى يتم تبلورها ووصولها لنهاياتها، والتي سيترتب عليها إما عودة اليمين – أداة الامبريالية – إلى الحكم عن طريق رزمة من الوعود " بتحويل البلاد" إلى " جنة عدن"، وإما أن يتمكن الحزب الاشتراكي الموحد من علاج الأخطاء والتقصيرات ومعالجة انتشار الجريمة، وفقدان الأمان، والتصدي الفعاّل للفساد والفاسدين، وللرشوة بمحاسبة المتورطين سواء كانوا موظفين مدنيين أو عسكريين، ومسئولين حكوميين، أو مواطنين عاديين، ورجال أعمال وهميين، بما يمهد إلى العودة للمسار الذي خطّه القائد الراحل تشافيز.
مع ذلك يبقى احتمال عودة اليمين إلى الحكم، رغم أنه أمر مؤلم، احتمال قائم، وخاصة أن قوى اليمين حصلت على ثلثي مقاعد الجمعية الوطنية ( البرلمان) في انتخابات كانون أول الماضي.
بعد رحيل قائد الثورية البوليفارية " اوغو تشافيز" حصلت انتخابات رئاسية في نيسان 2013 نجح فيها " نيكولاس مادورو"، الذي رشحه " تشافيز" لهذا المنصب قبل رحيله بأيام قليلة، هذا الفوز الباهت (50,7%) أعطى الإدارة الأمريكية وعملائها، في فنزويلا والقارة، الذريعة للادعاء بحدوث تزوير وأن الانتخابات لم تكن نزيهة، على اثر ذلك دعا المرشح اليمين المهزوم، " انريكي كبرليس رادونسكي" (ذات ميول صهيونية)، أنصاره إلى الخروج إلى الشوارع "لتفريغ غضبهم" والتعبير عن رفضهم لنتيجة الانتخابات.
" تفريغ الغضب" هذا استمر بضعة أيام ذهب ضحيته ست قتلى، وأكثر من واحد وستين جريح، وبتاريخ 12/ شباط/2014 دعت المعارضة لاحتجاجات عنيفة في إطار خطة اطُلق عليها اسم " المخرج" بهدف التخلص من " مادورو" وحكمه، حيث عمت الفوضى وأعمال العنف الفاشي كافة أنحاء البلاد لمدة تزيد عن الأربعين يوماً سقط خلالها (43) قتيلاً، معظمهم من القوات المسلحة والأجهزة الأمنية، وحوالي (800) جريحاً معظمهم مواطنين مدنيين. من أجل وقف موجة الاحتجاجات هذه، التي ترافقت مع حملة إعلامية شرسة من قبل الامبريالية الأمريكية ووكلائها في الداخل والقارة، استجاب " مادورو" لدعوات " حوار وطني" الذي ذهبت إليه المعارضة، وهي مسلحة بأعمال الإرهاب ( التمرد)، وبمطالب محددة خاصة في المجال الاقتصادي، حيث ادعى المتحدثون اليمينيون " أن الحكومة فشلت في حل المشاكل الاقتصادية، وأنهم هم وحدهم القادرين على ذلك ويملكون من الإمكانيات والخبرة، ما يؤهلهم للقيام بهذه المهمة " وطالب ممثليها" تشكيل طواقم عمل مشتركة " لوضع الحلول المطلوبة، كما طالبوا الافراج عن كافة المعتقلين الذين تورطوا بعمليات القتل والتخريب خلال تلك الأحداث الفاشية، والذين تعتبرهم المعارضة معتقلين سياسيين، بمن فيهم " ليوبولدو لوبس" المحرض الأساسي على العنف، وزعيم الحزب المعارض الفاشي " الإرادة الشعيبة"، والذي تم اعتقاله ليس فقط على خلفية تحريضه ومشاركته في أعمال العنف، بل لإنقاذ حياته أيضاً، حيث حصلت الحكومة والأجهزة الأمنية على معلومات مؤكدة بأن هناك مخطط يميني لاغتياله " من أجل تأجيج الوضع بتوجيه أصابع الاتهام لحكومة مادورو، كذريعة لفتح الطريق لمزيد من التدخل الامبريالي الأمريكي في الشئون الداخلية الفنزويلية، بما فيه العسكرية المباشرة، أو القيام بانقلاب عسكري يميني على الطريقة التشيلية موالي للإدارة الأمريكية" كما في تصريح للرئيس " مادورو".
عقدت جلسة حوار واحدة علنية في مقر الجمعية الوطنية، واتضح خلالها أن هناك ميول عند الرئيس " مادورو" للمساومة لتفادي " مزيد من العنف وسفك الدماء، وحفاظاً على السلم الأهلي" الشئ الذي استغلته قوى اليمين لنقل الأزمة والصراع على الساحة الاقتصادية " المرحلة الثانية" التي هي المستهدفة في الأساس لأنها الأكثر رخاوة وهشاشية في خاصرة الحكومة البوليفارية بسبب الاعتماد الكبير على الاستيراد وعدم النجاح في تطوير الإنتاج الزراعي، وتعثر المنشآت التي تم تأميمها في عهد الرئيس " تشافيز"، وتفشي الفساد فيها، وتراجع انتاجيتها.
الرئيس " مادورو"، في محاولة منه " لتطمين المستثمرين وإظهار نيته واستعداده للوفاق والمصالحة الوطنية" قام بإجراء تعديل على حكومته بتطعيمها " بتكنوقراط"، وعين وزيراً للاقتصاد الإنتاجي، " ميغيل بيريس عباد" رجل الأعمال اليميني، من خارج الحزب الاشتراكي، وسلمه حقيبة نائب الرئيس للشئون الاقتصادية، ووزير الاقتصاد الإنتاجي.
هذه الخطوة " المغامرة" كان لها تأثير سلبي جداً على أصحاب الدخل المحدود، والفئات الشعبية بسبب سياسته الليبرالية التي اعتمدت على التحرير غير المباشر للأسعار، ورفع الدعم عن المواد الغذائية، ومحاولته ارجاع الأراضي التي أممت في عهد الرئيس الراحل " تشافيز" لأصحابها، ورفع سعر الدولار الرسمي من (12) بوليفار إلى (190) دفعة واحدة بهدف التدريج في رفع سعره من عصابات المافيا والفساد في ميامي ( كان سعره في تلك الفترة 780 بوليفار). هذه السياسة الاقتصادية الليبرالية المتوحشة، وإن هي ليست السياسة الرسمية للحكومة " الاشتراكية" إلا أنها تطبق بغضها للنظر عنها، ولم يعد بإمكان أحد ايقافها، أو السيطرة عليها، وما زالت نيرانها تأكل مداخيل الشرائح، والفئات ذات الدخل المحدود، وخاصة الطبقة العاملة، مولدة شروط جديدة للافقار، وطالت أيضاً صغار الصنايعية والتجار والخدمات الصغيرة والمتوسطة بما فيه وسائط النقل المحلية والخارجية. في المقابل أدرت هذه السياسة أرباح هائلة بل خيالية على الكمبرادور وتجار الجملة، والمستوردين ورأس المال البنكي، مما أدى ليس فقط إلى ازدياد عدد الفقراء بل للاتساع الشاسع الهوة بين الفقراء والأغنياء، وأحدثت تمركزاً جديداً لرأس المال الطفيلي الكمبرادوري في أيدي فئة جديدة من عسكريين ومدنيين التقت مصالحهم، موضوعياً، مع الطبقة البرجوازية التقليدية التي هي " خارج" الحكومة وتقود المعارضة السياسية، ولكنها ذات سلطة اقتصادية وسياسية مقررة على الأرض.
هذا التزاوج الطبقي لمكونات البرجوازية المحلية التي هي في معظمها ريعية وتجارية فرض نفسه على الحقل السياسي، وشّكل الأرضية الموضوعية للحوار، والاتفاق مما خفف من حدة التوتر والاحتقان من جهة، ولكن على حساب لقمة عيش الجماهير الشعبية من جهة أخرى، التي دخلت في تناقض حاد ما بين الانحياز لمصالحها المتضررة بشكل هائل من السياسة الجديدة، وما بين استمرار دعمها للحكومة الاشتراكية المفترض فيها أن تدافع عن هذه المصالح، ولكنها تبدو عاجزة أو مقصرة في أحسن الحالات.
في ظل هذا الوضع المتأزم يطرح السؤال المُلح، هل الحوار يعبّر عن رغبة مشتركة لدى الطرفين؟ أو على الأقل كان خيار فعلي مارسته الحكومة من مركز قوة؟ في الحقيقة توجد، عند الطرفين، مجموعات وتيارات ترفض الحوار لأسباب متناقضة، وليس هي ذاتها لدى كل طرف. داخل صفوف الطرف الحكومي الخلاف أقل علنية ويرفض ممثليه ( ديوس دادو كابيو) أي حوار إذا كان يهدف للمساس بالثورة لعودة اليمين، وكذلك الحزب الشيوعي، وانجازاتها أو يفتح الطريق الفنزويلي، الذي يشّكل مع الحزب الاشتراكي الموحد، وقوى أخرى القطب الوطني الكبير، يرفض هو الآخر الحوار لأنه لا يشكّل حل للأزمة وأن الداعين له، والوسطاء يمثلون مصالح الرأسمال. المعارضة من جهتها، فهي تتكون من تيارين أساسيين " تيار يميني" (عقلاني ومعتدل) حكم البلاد في الماضي لمدة أربعين عاماً ( حزب الفعل الديمقراطي وتوابعه)، والذي يترأس زعيمه " راموس أيوب" الجمعية الوطنية الحالية ذات الأغلبية اليمينية، هذا التيار الأكثر انسجاماً وتنسيقاً مع الإدارة الأمريكية.
التيار الآخر متطرف فاشي ذات ميول صهيونية يمثل أصحابه الرأسمال المالي، الذين تسلطوا على عائدات ا لنفط قبل قيام الثورة البوليفارية بقيادة القائد الراحل " تشافيز" هذا التيار يريد الوصول للسلطة بأي طريقة، ومهما كلف الثمن الإدارة الأمريكية تستعمله كفزاعة وله وظيفة استعمالية للعديد من القوى الإقليمية، وخاصة اليمين المتطرف الفاشي في كولومبيا بزعامة الرئيس السابق "الفارو أوروبي"، وفي الحقيقة الامبريالية الأمريكية هي التي تتحكم بخيارات الطرفين، وهي التي تحدد لهم وسائل وصولهم للحكم، ولم يعد الأمر بالنسبة لها محصوراً بالخيار الانقلابي العسكري في ظل توفر وسائل أقل تكلفة، وبغطاء قانوني أو شعبي، لأن الإطاحة بحكومة " مادورو" عن طريق العنف ستؤجج المشاعر الثورية عند الملايين المؤيدين للثورة، التي ستتخذ من ذلك ذريعة قوية لاعادته للحكم حيث ما تزال ماثلة التجربة الانقلابية ضد الرئيس الراحل " تشافيز" في 11/2/2002 التي فشل فيها اليمين وأسياده فشلاً ذريعاً.
تدرك الامبريالية أن " تشافيز" ترك ارثاً ثورياً وقومياً كبيراً، وزرع بشجاعة بذور وقيم الاشتراكية وأن أفكاره ما زالت تحتل عقول وقلوب الفقراء من العمال والفلاحين، وكل الثوريين الحقيقيين من كافة الشرائح الاجتماعية التي تعصف بهم الأزمة الاقتصادية، والأخلاقية الحالية.
لهذا، لا ترى أن الإطاحة بحكومة الرئيس " مادورو" الآن، يحل المشكلة التي تتمثل بعودة نفوذ وسيطرة الشركات الاحتكارية الأمريكية على الاقتصاد الفنزويلي. وتدرك أيضاً أن الأزمة عميقة، ولا يمكن لأي طرف أن يحلها بسهولة، فإذا ما جاء حلفائها اليمينيين إلى الحكم بوعود طنانة ورنانة، ولم يستطيعوا الوفاء بوعودهم هذه ستزداد الأحوال سوء وسيؤجج الصراع الطبقي والصراع على السلطة من جديد، مما سيعطي دفعة تاريخية للقوى الثورية، وأفكار ومبادئ " تشافيز" و"بوليفار"ويصبح احتمال اسقاط حكومة اليمين، وعودة اليسار شيء حتمي، مما يغلق الطريق لفترة طويلة جداً أمام اليمين المحلي، وأسياده للعودة مجدداً للمسرح السياسي.
بناءً على هذه الرؤية، تفضل الامبريالية أن تعمل على نار هادئة، وتراهن على عامل الزمن لاستنزاف ليس فقط جيوب المواطنين، بل خياراتهم وقناعاتهم، وذلك باستمرار الحرب الاقتصادية بأيادٍ خفيةٍ تعجز عن رؤيتها عيون المواطن العادي الذي يلمس ويرى بالعين المجردة عجز وتواطؤ وفساد الأجهزة الحاكمة، وعدم مقدرة الحكومة على وقف التدهور الحاد لسعر العملة المحلية ( البوليفر) مقابل الدولار ( الآن دولار واحد = 4800 بوليفر عند رحيل تشافيز كان الدولار الواحد 12 بوليفر)، مما أدى إلى تضخم هائل للأسعار، وفقدان المواد الغذائية والأدوية من الأسواق، والنمو التدريجي للكساد الاقتصادي، وانخفاض معدل النمو، هذا على الصعيد الاقتصادي، أما على صعيد علاقات فنزويلا بدول القارة، هناك محاولات جادة لعزلها ومعاقبتها اقتصادياً، فرغم أنها من المفترض أن تتسلم رئاسة اتحاد سوق الجنوب ( ميركوصور) المكون من ( الأورغواي، البارغواي، الأرجنتين، البرازيل، فنزويلا) بالإضافة للاكوادور كعضو مراقب، إلا أنه لحد الآن لم تمارس دورها كرئيس بسبب الفيتو البرازيلي الأرجنتيني والبارغواني، وكلها ذات حكومات يمينية موالية للإدارة الأمريكية، بالإضافة لمحاولات منظمة الدول الأمريكية المحمومة لتطبيق ما يُسمى " الميثاق الديمقراطي" على فنزويلا، باتهامها بالديكتاتورية وانتهاك حقوق الانسان " كي يتم طردها وإبادة التدخل في شئونها الداخلية"، لهذه الأسباب وغيرها أعلن زعيم اليمين ورئيس الجمعية الوطنية الحالية " راموس أيوب"، أنه لا " توجد إمكانية للقيام باستفتاء على الرئيس " مادورو"، وأنهم سيعملون من خلال الحوار مع الحكومة على إجراء انتخابات شاملة لحكام الولايات، والبلديات " انتهت مدتها هذا العام"، ورئاسة الجمهورية في العام 2018 " أي تأخير انتخابات البلديات وحكام الولايات لمدة عام"، الأغلبية الساحقة موالين للحكومة، وتقديم الانتخابات الرئاسية عام أيضاً، هذه المساومة في اعتقاد العديد من المحللين قابلة للتنفيذ، وممكن أن تمهد لتبادل سلمي للسلطة بين الحزب الاشتراكي الموحد، وأكبر أحزاب اليمين " الفعل الديمقراطي" الذي ينتمي لأحزاب الاشتراكية الديمقراطية البرجوازية، وعضو في الاشتراكية الدولية، ويتم العمل على هذا الأساس سواء أجُريت الانتخابات الرئاسية في العام 2018 أو في موعدها الدستوري عام 2019.
إن البنية الاقتصادية الاجتماعية في فنزويلا بعد 16 عاماً من قيام الثورة البوليفارية بقيادة الراحل " تشافيز" هي بنية رأسمالية متخلفة، أي بنية النظام القديم، وقد تمكنت الثورة، كما قال " تشافيز" قبل رحيله، من تهيئة الأرضية، ووضع بعض " المداميك" للنظام الجديد، وقد أثبتت التجربة سواء في الاتحاد السوفيتي السابق، أو في فنزويلا أن بناء الاشتراكية لا يرتبط بأفق زمني محدد، إنها عملية بناء مستمرة قابلة للتقدم والتراجع بما فيه الانتكاس.
إن المشاكل التي تمر بها البلاد والأزمة الاقتصادية تعود في طبيعتها لأزمة النظام الرأسمالي الذي لم يتم البدء بتحويله باتجاه الاشتراكية لحد الآن، لكن الحملة الإعلامية الامبريالية والرجعية المحلية، يعبئان اعلامياً على أن الأزمة الحالية هي أزمة النظام الاشتراكي، هذا النظام الذي لم يتم تشييده بعد بل يحتاج إلى جهود عضلية وفكرية جبارة، وزمن غير محدد لتحقيقه وانتصاره، ويبقى الهدف تدمير فكرة الاشتراكية وإمكانيات التغيير عند الجماهير الشعبية، وإظهار الثورة على أنها عمل سلبي يأتي بالفاسدين للسلطة، وأن الصراع لم يعد " صراع طبقي" بل صراع بين " الحضارة والتخلف" ومن أجل " العيش المريح" حتى ولو بدون كرامة وعلى حسابها.
الامبريالية الأمريكية تريد إعادة القارة اللاتينية، حديقتها الخلفية كما تدعي، كمجال حيوي لإعادة تجديد قوتها، وقيادتها للعالم في زمن مختلف وشعوب مختلفة لا تحتمل القمع ولا مجال للديكتاتوريات التي حكمت في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن الماضي، وعلى ما يبدو تحاول أن تجعل من فنزويلا نموذجاً جديداً لمختبراتها السياسية والأيديولوجية لتزاوج الخيارات، المهم إنهاء الثورة وتراثها.

